جمعية الفردوس.. بعد يوم من "العائدون من المقبرة"

هناك أفكار تمشي ونظل ننتظرها طويلًا بين الناس وهناك فكرة يحالفها الحظ فتطرق باب رجل يقول لها.. تفضلي.
قبل أيام كتب الأستاذ فاضل الشعلة مقالته " حتى لا تصبح الجنازة جنازتين! بعد تجربة موجعة عاشها وطرح سؤالًا بقي عالقًا في الذهن.. من يُسعف المشيّعين؟
ثم كتبت "العائدون من المقبرة".. وأخذني السؤال إلى الذين يمشون خلف الجنازة.. إلى الكبير الذي يقول لك "أنا بخير" وهو يحتاج إلى كرسي وإلى ذلك الجسد الذي قد تجتمع عليه حرارة الصيف والرطوبة والإرهاق والحزن وإلى دقائق الطوارئ التي لا تحتمل أن نبدأ فيها بالبحث.. هل بيننا مسعف؟
كتبت وانتهى دوري تقريبًا.
كنت أتمنى أن تصل الفكرة وأن تجد من يناقشها وربما تتحول يومًا إلى شيء على الأرض.
لكن الأستاذ حافظ الفرج "أبو أحمد" رئيس جمعية الفردوس لإكرام الموتى بالقطيف اختصر كلمة "يومًا" إلى ثلاثة أيام فقط.
وصلني منه أن الترتيبات قد تمت وأن طواقم إسعافية ستكون في خدمة المحافظة مع سيارة إسعاف خُصصت لذلك إلى جانب دورات في الإسعافات الأولية للعاملين والمهتمين.
توقفت عند الخبر.
ليس لأن أحدًا استجاب لمقالة كتبتها - فهذا أقل ما في الحكاية- وإنما لأننا اعتدنا أحيانًا أن تكون المسافة بين "فكرة جميلة" و"سننظر فيها" طويلة بما يكفي حتى تنام الفكرة وتنسى لماذا جاءت وما اسبابها.
هذه المرة لم تنم..
ثلاثة أيام فقط كانت المسافة بين الكلام والاستعداد للعمل.
وهنا يستحق أبو أحمد الشكر باسمه ويستحق معه كل من عمل ورتب وسيسهم في هذه المبادرة.. فسرعة الاستجابة في أمر يتعلق بسلامة الناس ليست تفصيلًا إداريًا وانما هي فهم لقيمة الوقت قبل أن يصبح الوقت نفسه جزءًا من المشكلة.
والأجمل في المبادرة أنها لم تنتظر حادثة أخرى حتى تثبت حاجتنا إليها.
سيارة الإسعاف التي نتمنى ألا تحمل مصابًا والمسعف الذي نتمنى أن يقف طويلًا دون أن يحتاج إليه أحد والدورة التي قد يتعلم فيها شخص كيف يتصرف في دقائق حرجة.. كلها أشياء قد تبدو ساكنة في يوم عادي ثم تصبح في يوم آخر أثمن ما في المكان.
وهكذا أحب أن أرى أثر الكتابة..
لا تصفيقًا للكاتب ولا عبارة "أحسنت" في آخر المقال وإنما يدًا تلتقط الفكرة من آخر سطر وتأخذها إلى أول خطوة.
ومن الإنصاف أيضًا أن يعود شيء من هذا الجميل إلى الأستاذ السيد فاضل الشعلة فالوجع الذي دفعه إلى الكتابة لم يبق حكاية شخصية وإنما فتح بابًا لسؤال والسؤال وجد من يحوله إلى مبادرة نافعة للناس.
أما الأستاذ حافظ الفرج فقد أعطانا درسًا صغيرًا بحجم ثلاثة أيام وكبيرًا بمعناه..
فبعض الأفكار لا تحتاج اجتماعًا طويلًا كي نعرف أنها نافعة وتحتاج رجلًا حين تصله يبادر مباشرة فيقول..
متى نبدأ؟
شكرًا أبا أحمد..
وشكرًا لجمعية الفردوس لإكرام الموتى بالقطيف ولكل يد ستتدرب ولكل مسعف سيكون حاضرًا ولكل من أسهم في أن تصبح العناية بالمشيعين جزءًا من العناية بالتشييع.
وأتمنى من كل قلبي أن تبقى سيارة الإسعاف جاهزة أكثر مما تتحرك وأن يبقى المسعفون قريبين أكثر مما يُستدعون..
فنجاح هذه المبادرة في أجمل أيامها أن يعودوا جميعًا من المقبرة..
ولا يحتاجها أحد.



