السبت 17 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

من ذاكرة الصبا.. حين كانت المتعة تُصنع بأيدينا

اسماعيل هجلس · القطيف اليومالسبت 17 أكتوبر 2026، 1:30 م
من ذاكرة الصبا.. حين كانت المتعة تُصنع بأيدينا

في منتصف السبعينيات الميلادية تقريباً ، كنا في أوج فتوتنا وانطلاقنا وزهوّنا بالحياة ، نمرح ونلعب بكل ما يتوافر لنا من أدوات وأماكن، ونخوض المغامرات الصغيرة، بل إننا كنا نختلق الأسباب لمجرد أن نستمتع بوقتنا ، لم نكن نحتاج إلى ألعاب جاهزة أو وسائل ترفيه باهظة ، فقد كانت مخيلتنا كافية لتحويل أبسط الأشياء إلى عوالم كاملة من المتعة.

أدوات من بيوتنا .
كانت عصي وسعف النخلة والسدر والكؤوس البلاستيكية والحبال والأوراق وعلب حليب «أبو علم» تتحول بين أيدينا إلى أدوات لصناعة ألعابنا ، نصنع من الخشب و الورق ( تفگ) مسدسات، ونبدأ لعبة الشرطي والحرامي، ونكتب السيناريوهات، ونعدّ التفاصيل، ونرسم بأيدينا مشاهد الدم والإصابات ، نخطط لكيفية القبض على الحرامي الذي يحمل حقيبة الأموال اللي سرقها ، ونوزع الأدوار بين الشرطة واللصوص، ونحدد متى يسقط الحرامي، وأين يُصاب، وكيف ينتهي المشهد، ثم تأتي الشرطة والإسعاف لاستكمال الحكاية.

كانت ألعابًا طفولية حركية هزلية في ظاهرها، لكنها كانت تحمل شيئًا من الإبداع والتنظيم والعمل الجماعي ، وكان بيننا من يمتلك قدرة خاصة على تأليف و ابتكار هذه التفاصيل وإخراجها بصورة ممتعة، ومنهم الأخ العزيز والمبدع الحاج حسن عبدالله قاو، الذي كان بمثابة المهندس لألعابنا، وخصوصًا تلك التي تحتاج إلى أفكار تقنية ووسائل للتواصل والتنسيق.

نخطط ونلعب .
لم تتوقف مخيلتنا عند حدود التمثيل؛ فقد كنا نخطط مدنًا كاملة على الأرض الرملية اليابسة، بشوارع مفتوحة وأخرى مغلقة، ومواقف ، وبيوت ، وإشارات للتوقف، ثم نُسيّر سياراتنا الصغيرة بأيدينا داخل هذه الشبكة التي صنعناها ، كنا نعيش تفاصيل المدينة كما لو أننا نبني عالمًا حقيقيًا، ونستمتع بكل لحظة من لحظات اللعب.

حين كانت اللعبة تتحول إلى واقع.
كنا نرسم خطط الحركة بين أفرقة القلعة، من السدرة إلى حدود الخان وجزء من الوارش ، ونحدد مسارات المطاردة ومواقع الاختباء، ونوزع الأدوار بين الشرطة والحرامي ، لم تكن اللعبة بالنسبة إلينا مجرد مراقبة وحصار و ركض خلف بعضنا، بل كانت حكاية متكاملة نصنع أحداثها ونعيش تفاصيلها بكل حماس.

موقف طريف .
وأتذكر جيدًا إحدى تلك المرات، حين أُصيب الحرامي بطلق ناري تمثيلي من الشرطة أثناء محاولة القبض عليه، فخرج الدم من يديه بفعل المؤثرات البسيطة التي أعددناها ، وبينما كانت الشرطة تحاصره، مرّت إحدى الأمهات الكريمات ، وما زلت أتذكرها وأتذكر اسمها، فصرخت علينا بعدما ظنت أن الإصابة حقيقية، وصدّقت أن الصبي قد تعرّض للأذى فعلًا!
أما الحرامي، فقد واصل تمثيل دور المصاب، وكأنه عاجز عن الحركة، ولم يتوقف عن أداء دوره رغم صراخ الأم وقلقها ، كان المشهد مقنعًا إلى درجة أن اللعبة نجحت في خداع من شاهدها، فتحولت لحظات المرح إلى موقف طريف لا يزال عالقًا في ذاكرتي.

سلمان .
ومن بين الأصدقاء الأعزاء الذين كانوا يجيدون التمثيل ببراعة، إلى درجة أننا كنا نصدّق أحيانًا أنه أُغمي عليه فعلًا أو أنه أُصيب إصابة حقيقية، الأستاذ الفاضل والشاعر سلمان المروحن ، كان يمتلك قدرة كبيرة ولافتة على تقمص الدور وإقناع من حوله، حتى إننا كنا ننسى أحيانًا أننا نشاهد مجرد لعبة.

البراحة.
كانت زرانيق القلعة وبراحاتها مسارح مفتوحة، وكانت مخيلتنا تتولى مهمة الإخراج والتأليف، فيما نتبادل الأدوار ونصنع النهايات ، لم نكن نملك أدوات متطورة، لكننا كنا نملك خيالًا واسعًا، وروحًا جماعية، ورغبة لا تنتهي في المغامرة والمرح.

خبزة مقابل العمل.
ومن ذاكرة الصبا التي لا تزال عالقة في وجداني، حكاية القرص ، قبيل عودتنا من الهيامة والطيارة، كنا نعود في كثير من الأحيان جائعين، وقد تزداد رغبتنا في الأكل بعد ساعات اللعب والحركة. ومن بين الطرق التي كنا نتبعها للحصول على ما يسد جوعنا، الذهاب إلى الخباز سعيد سيف وأخيه تقي، رحمهما الله.
لم يكن الخبز التنور، أو الخبز العربي، يُعطى مجانًا؛ فلا بد من مقابل، ونحن في ذلك العمر لم تكن النقود متوافرة لدينا دائمًا غير خرجيتنا الصباح. لكن الخباز كان يعرف كيف يمنحنا فرصة للحصول على الخبز بطريقة أخرى.
كان يطلب منا حمل «الگدوم»، وهي أداة حديدية تُستخدم لتقطيع جذوع النخيل والخشب، وكانت ثقيلة نسبيًا على أيدينا الصغيرة. وبما أن المخبز يعتمد على جذوع النخيل و الحطب، كنا نتعاون على تقطيع ما نستطيع من الخشب، ونواصل العمل حتى يأمرنا بالتوقف. عندها يأتي دور المكافأة: قرص واحد لكل واحد منا، أصغر قليلًا من الخبز الذي يُباع للناس ، لكن تلك الخبزة الصغيرة كانت تمنحنا فرحة لا توصف! لم تكن فرحتنا بالطعام وحده، بل لأننا تعبنا من أجله، وأسهمنا بأيدينا في الحصول عليه، ثم تناولناه طازجًا، ساخنًا، لذيذًا، وكأنه ألذ خبز في الدنيا.
كانت تجربة بسيطة، لكنها تركت في نفوسنا درسًا أكبر من عمرنا آنذاك. تعلمنا أن الأخذ والعطاء معادلة في الحياة، وأننا لا ينبغي أن نكون دائمًا في موضع الأخذ دون أن نقدم شيئًا في المقابل. وتعلمنا احترام اللقمة، وتقدير العمل، والشعور بقيمة ما نحصل عليه بعد بذل الجهد.
لم يكن سعيد سيف وأخوه تقي، رحمهما الله، يقدمان لنا خبزًا فحسب؛ بل كانا يمنحاننا، من حيث ربما لا يقصدان، درسًا عمليًا في قيمة العمل والاعتماد على النفس.

حلوى الهجهوج ، فرحة بطعم الطفولة.
ولم تكن حكايات الجوع والبحث عن الطعام تنتهي عند الخباز؛ فقد كانت لنا حكاية أخرى مع الحلوى القطيفية، بطلها خالي المرحوم حجي عباس الهجهوج، الذي كان يعمل في صناعة الحلوى اللذيذة ، وبحكم القرابة، كنا نذهب إليه، وننتظر حتى يفرغ من إعداد الحلوى من السحلة المعدنية الذهبية، ثم يعطينا منها. كانت لحظة الانتظار تحمل في داخلها شيئًا من الشوق والترقب، فنحن نعرف أن نهاية العمل ستمنحنا نصيبًا من تلك الحلوى التي نحبها.
والأطرف في الحكاية أننا لم نكن نملك أواني أو أطباقًا نحمل فيها الحلوى، التي كانت تخرج حارة جدًا من السحلة. فكنا نبتكر حلولنا الطفولية؛ بعضنا يستخدم ورق اللوز ليضع عليه الحلوى، وبعضنا يلجأ إلى الطبقة الداخلية الوسطى من كيس الإسمنت، لنحمل عليها نصيبنا من تلك الحلوى الساخنة ، كنا نفرح كثيرًا؛ لأننا حصلنا على طعام نحبه، اسمها حلوى الهجهوج، ومن دون أن ندفع مقابله شيئًا.

لم تكن لدينا حسابات معقدة، ولا كانت تهمنا تفاصيل الحياة بقدر ما كان يهمنا ذلك الشعور الجميل الذي تمنحنا إياه لقمة لذيذة نحصل عليها بعد انتظار ، كانت فرحتنا تتجاوز طعم الحلوى؛ فقد كانت في لمتنا، وفي الترقب، وفي ابتكار وسيلة نحمل بها نصيبنا، وفي الشعور بأننا فزنا بشيء ثمين ، رحم الله خالي حجي عباس الهجهوج ، فقد بقيت صورته في الذاكرة مرتبطة برائحة الحلوى وطعمها، وبأيام كنا نرى فيها أن أبسط الأشياء تستحق كل ذلك الفرح.
وما أعجب ذاكرة الطفولة! قد تنسى تفاصيل كثيرة من الأيام، لكنها تحتفظ برائحة حلوى، وحرارة لقمة، ووجه إنسان كريم، وكأن كل ذلك حدث بالأمس.

طائرة بورق البرتقال .
طائرات ورقية تحمل أحلامنا إلى السماء
ومن بين الألعاب التي لا تغيب عن ذاكرتنا، الطائرات الورقية الملونة التي كنا نصنعها بأيدينا، ونمنحها من أرواحنا شيئًا من أحلامنا وانطلاقنا.
كنا نحصل على ورق البرتقال من سوق الچبرة بحي الشريعة، ونستخدم ما يتوافر لدينا من بقايا الميل «القدو» التالف ، أو من شجرة الرمان ، او من شمروخ النخلة العسو ، لصناعة هياكل الطائرات، ثم نتعاون في شراء «الرشريش»، وهو الصمغ الذي نستخدمه في تثبيت أجزاء الطائرة وإحكام صناعتها.
لم تكن المتعة في صناعة الطائرة وحدها، ولا في بيعها إن تيسّر ذلك، بل كانت المتعة الحقيقية تبدأ حين نحملها إلى الفضاء المفتوح، ونطلقها في الهواء، ونراقبها وهي ترتفع شيئًا فشيئًا، حتى تستقر في السماء ثابتةً، تقاوم الريح وتتمايل معها.
وكان من بيننا مهرة وأذكياء في صناعة الطائرات الورقية، يمتلكون قدرة على إتقان الميزانية و تفاصيلها والتفنن في أشكالها. وأتذكر منهم الكابتن علي مدن العلويات، الذي كان ماهرًا أيضًا في لعبة كرة القدم، يمتاز بالهدوء ودقة التصويب والمهارات العالية. كانت له قدرات تستحق الإعجاب، سواء في الملعب أو في صناعة الطائرات الورقية ولعبة التيلة، حيث تحتاج المهارة إلى دقة وصبر وحسن تقدير.

كنا نتفنن في اختيار الخيوط و«الحدوگ»، وفي صناعة «الكركشة» للجناحين والذيل؛ فلكل تفصيل أهميته وميزانه، ولكل واحد منا طريقته وذوقه في إعداد طائرته. كنا نتبادل الخبرات، ونتعاون في توفير المواد، ونفرح حين تنجح إحدى الطائرات في التحليق بثبات، ونشعر بالفخر وكأننا أنجزنا مشروعًا كبيرًا.
لم تكن المتعة في صناعة الطائرات الورقية ولا في بيعها فحسب، بل في تلك اللحظة التي نطلقها فيها إلى السماء، ونراقبها وهي تحلّق عاليًا وتستقر في الهواء. كنا نتابع حركتها بشغف، ونحاول إبقاءها متوازنة، ونشعر بأن الخيط الرفيع الذي نمسك به يصل بين أيدينا والأفق البعيد.

كانت تلك الطائرات أكثر من مجرد أوراق وأعواد وخيوط؛ كانت حكاية تعاون، ومجالًا للتجربة والابتكار، ومساحة نتعلم فيها الصبر ودقة الصنعة، ونكتشف أن جمال الفكرة لا يكتمل إلا حين تتحول إلى عمل تتبعه متعة الإنجاز.

الصبا.. مدرسة الحياة الأولى
حين نجمع هذه الحكايات، من ألعاب الشرطي والحرامي إلى المدن الصغيرة التي خططناها، ومن الخبز الذي حصلنا عليه بجهد أيدينا إلى الحلوى التي انتظرناها عند خالي، ومن صيد السمك من البحر القريب من بيوتنا ، ومن الطائرات الورقية التي أطلقناها نحو السماء إلى لعبة التيلة وخاست والطنقور، إلى سباقات الجري ، إلى المغامرات التي عشناها بين صوابيط وزرانيق القلعة، نجد أن بينها خيطًا واحدًا يجمعها: كنا نصنع متعتنا بأنفسنا، ونتعلم الحياة دون أن نشعر بأننا نتعلم.
كانت أدواتنا بسيطة، لكن أفكارنا واسعة. كانت إمكاناتنا محدودة، لكن قدرتنا على الابتكار والتعاون لا تعرف الحدود. كنا نتقاسم الأدوار والأدوات والتكاليف، ونختلف أحيانًا، ونتناقش، ونجرب، ونخطئ، ثم نعيد المحاولة حتى نصل إلى ما نريد.
تعلمنا من اللعب التخطيط والعمل الجماعي، ومن صناعة الطائرات الصبر والدقة، ومن تجربة الخبز احترام اللقمة وتقدير الجهد. وتعلمنا من حكاية الحلوى أن الكرم قد يصنع فرحة لا تُنسى، حتى لو كان ما نحصل عليه بسيطًا في نظر الآخرين.

هذه الدروس كانت تنشأ تلقائيًا من تفاصيل يومنا العادي، في المغامرات ، واللعب والعمل والتعاون والتجربة وهو الأهم ، وربما لهذا السبب بقيت تلك الذكريات حية في نفوسنا حتى اليوم؛ لأنها لم تكن مجرد لحظات عابرة من المرح، بل كانت تجارب صغيرة أسهمت في تشكيل وعينا، وعلّمتنا أن قيمة الأشياء لا تُقاس بثمنها، وإنما بما تمنحنا إياه من معنى وخبرة وفرح.

كانت خبزة صغيرة تعلّمنا قيمة العمل، وحلوى ساخنة تمنحنا فرحة الاكتفاء، وطائرة من ورق تحمل أحلامنا إلى السماء، ولعبة بسيطة تجمعنا حول فكرة واحدة.

رحم الله من رحلوا من أصحاب تلك الأيام، ومن أصدقائنا الذين تركوا في ذاكرتنا صورًا لا تُمحى، وأبقى لنا من ذكرياتهم ما يجعلنا نبتسم كلما عدنا إلى حياة الصبا، كانت الحياة أبسط، وكانت الأشياء الصغيرة تصنع في قلوبنا وناسة و فرحًا كبيرًا.