الإثنين 19 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

كنا نقول لا.. وأصبحنا نفعل!

عماد آل عبيدان · القطيف اليومالإثنين 19 أكتوبر 2026، 3:45 م
كنا نقول لا.. وأصبحنا نفعل!

كنا نأخذ على آبائنا كثرة شكواهم من تغيّر الدنيا والناس.. واليوم نردد شكواهم لأبنائنا بالنبرة نفسها.. وربما بحركة اليد نفسها التي كنا نقلدهم بها!

ضقنا بنصائحهم وتمنينا لو تركونا نخطئ على راحتنا.. ثم كبرنا وأصبحنا نلاحق أبناءنا بالنصائح حتى فيما لم يسألونا عنه. وتخرج من أفواهنا العبارة التي حفظناها عن ظهر قلب.. “ستعرف قيمة كلامنا إذا كبرت”!

وفي بيع الأراضي كنا نتحمس للمقاطعة كلما ارتفعت الأسعار.. “لا أحد يشتري.. خلّوا البائع ينزل السعر”! نتحدث عن قوة المشترين وضرورة الاتفاق على الانتظار.. ثم يبدأ البيع فنكتشف أن أشد المتحمسين للمقاطعة سبق الجميع واشترى أرضًا.. وربما أرضين! ولديه تفسير مقنع لشرائه.. فقد حصل على فرصة لا تتكرر.. أما بقية الأراضي فما زالت تستحق المقاطعة!

نغضب ممن يتأخر علينا عشر دقائق.. ونرسل لمن ينتظرنا “أنا في الطريق” ونحن ما زلنا نبحث عن مفاتيح السيارة! وقد نتصل به لنسأله عن مكانه بالضبط ونحن لم نغادر البيت بعد.

كنا ننتقد مَن يستخدم جواله والآخرون يحدثونه.. وأصبحنا ننشغل بالجوال ونهز رؤوسنا ونحن لا نسمع ما يقال.. ونردد.. “صحيح.. صحيح”!

نعاتب أقاربنا وأصدقاءنا على قلة الزيارات والاتصال.. وقد تمر علينا شهور لم نزرهم فيها أو نرفع الجوّال لنسأل عنهم. وإذا التقينا بهم بادرناهم بالعتاب.. “وينكم؟ ما عاد نشوفكم ولا نسمع أصواتكم!”

وكنا ندافع عن طعام البيت أمام عشاق المطاعم.. ثم أصبحنا نطلب غداءنا جاهزًا عبر التطبيقات. نتنقل بين الصور والعروض ورسوم التوصيل.. ونحسب الفرق بين مطعم وآخر.. ثم نفتح موضوع غلاء المعيشة ونحن نتناول وجبة غداء أو عشاء وصلت للتو من أحد المطاعم!

وأدوات الكتابة بالذكاء الاصطناعي التي حذرنا من الاعتماد عليها.. أصبح بعضنا من أوائل مستخدميها. وربما كتب أحدنا عن خطورة هذه الأدوات على أصالة الكتابة.. بمساعدتها هي نفسها! وقد يطلب منها أن تجعل النص أكثر عفوية حتى لا يشك أحد في أمره!

أما أخطاؤنا فلها معاملة خاصة.. فالذي يقاطعنا قليل ذوق.. ونحن نستعجل توضيح وجهة نظرنا.. والذي يغضب لا يحسن ضبط أعصابه.. ونحن لدينا من الأسباب ما يكفي. والذي يرفض النصيحة مغرور.. ونحن أدرى بشؤوننا!

ولكل واحد منا محامٍ بارع يدافع عنه مجانًا.. يجد لأخطائه من الأعذار ما يعجز عن إيجاده لأخطاء الآخرين.. وقد يقنعه ببراءته قبل أن تبدأ المحاكمة!

وتغيّرت بعض آرائنا مع الأيام.. وفهمنا مواقف كنا نتسرّع في الحكم عليها. لكن بعض كلامنا السابق لا نحب أن يذكّرنا به أحد.

ولديّ من الكلام السابق ما أتمنى ألّا يتذكره أحد!