الأربعاء 4 نوفمبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

المحتوى الذي يصنع الإنسان

ياسين آل خليل · القطيف اليومالأربعاء 4 نوفمبر 2026، 2:03 م
المحتوى الذي يصنع الإنسان

غفونا قليلا، وأصبحنا نرى الشاشات هي نوافذنا المفتوحة على العالم. بات الإنسان ينشغل بما يعرضه للآخرين أكثر مما يبنيه في داخله. صار المحتوى الرقمي صناعة تتنافس عليها المؤسسات والأفراد، وتُستثمر فيها الأموال لجذب الأنظار وكسب المتابعين، بينما يتراجع الاهتمام بمحتوى أكثر أهمية، لا تصنعه الكاميرات ولا تقيسه المشاهدات، وإنما يتشكل من الفكر والقيم والوعي والتجارب التي تصنع شخصية الإنسان.

ثمة فرق جوهري بين المحتوى الذي ننشره والمحتوى الذي نحمله في أعماقنا. الأول صورة نقدمها للعالم، والثاني حقيقة نعيش بها ونواجه من خلالها الحياة. قد يمتلك المرء حضورًا رقميًا لافتًا، وقدرة على التأثير في آلاف المتابعين، لكنه يفتقر إلى الاتزان النفسي والنقاء الروحي والعمق المعرفي. من الأهمية بمكان أن تكون لدينا الدراية بأن البريق الخارجي، مهما اشتد تأثيره، لا يستطيع بكل ما يملكه من إمكانات أن يعوض الفراغ الداخلي.

المنصات الرقمية أعادت تشكيل مفهوم القيمة الاجتماعية، حتى أصبح عدد المتابعين والإعجابات لدى البعض معيارًا للنجاح والمكانة. في خضم هذا التحول، نشأت ثقافة تمنح المظهر مساحة تفوق الجوهر، وتكافئ سرعة الانتشار أكثر من عمق الفكرة. هنا تكمن المفارقة، قد يحظى المحتوى السطحي باهتمام واسع، بينما تمر الأفكار الناضجة دون أن تجد نصيبها المستحق من الالتفات.

تأثير الشاشات لا يقف عند حدود الترفيه أو تبادل المعلومات، وإنما يمتد إلى تشكيل الأذواق والقناعات وأنماط الاستهلاك. ما يتكرر أمام أعيننا يتحول تدريجيًا إلى صورة مألوفة للحياة، يصبح مع الوقت معيارًا نقيس به نجاحنا وسعادتنا. مع استمرار التعرض لهذه الصور المنتقاة بعناية، تتسلل المقارنات إلى النفوس، ويبدأ الإنسان بمحاسبة حياته الواقعية على أساس مشاهد لا تعكس بالضرورة حقيقة أصحابها.

المحتوى الشخصي الحقيقي، ينمو بعيدًا عن ضجيج المنصات.. تجربة تنضج التفكير، علاقة إنسانية صادقة، وموقف أخلاقي يكشف معدن صاحبه. يتعمق هذا البناء حين يجد الإنسان وقتًا لمراجعة نفسه، وتهذيب سلوكه، وتعزيز صلته بخالقه. إنها استثمارات هادئة لا تمنح شهرة عاجلة، لكنها تمنح صاحبها رصيدًا من الحكمة والطمأنينة والقدرة على مواجهة تقلبات الحياة.

تتضاعف مسؤولية أصحاب المحتوى والمؤثرين، لأن ما يقدمونه أصبح جزءًا من البيئة الفكرية والقيمية التي يتشكل فيها وعي المجتمع، خصوصًا الأجيال الناشئة. التأثير الحقيقي لا يُقاس بعدد من شاهدوا المادة المنشورة وحده، وإنما بما تتركه من معرفة نافعة، أو سلوك إيجابي، أو قيمة إنسانية تستحق أن تنتقل من الشاشة إلى الحياة.

ليس المقصود التقليل من أهمية المحتوى الرقمي أو الدعوة إلى الانصراف عنه، فقد أصبح وسيلة واسعة لنشر المعرفة، وإبراز المواهب، وتبادل الخبرات، وخدمة المجتمع. قيمة المحتوى ترتفع حين يكون امتدادًا لشخصية واعية تمتلك ما يستحق المشاركة. التقنية تضاعف قدرة الإنسان على الوصول إلى الآخرين، لكنها لا تمنحه تلقائيًا الحكمة فيما يقول، ولا المصداقية فيما يقدم.

حاجتنا اليوم لا تقتصر على تحسين جودة ما نشاهده وننشره، ولكن يمتد إلى الارتقاء بجودة الإنسان نفسه، في تفكيره، وأخلاقه، وطريقة تعامله مع الاختلاف. المجتمع الذي يستثمر في بناء العقول وتهذيب النفوس يملك أساسًا أكثر رسوخًا من مجتمع ينشغل بصناعة الصور وتلميع الواجهات.

في النهاية، قد تتغير المنصات، وتختفي الحسابات، وتتراجع شهرة كانت تملأ الشاشات، لكن ما يبقى للإنسان هو ما بناه في ذاته، وما تركه من أثر طيب في حياة الآخرين. المحتوى الرقمي يخبر الناس بما نريد أن نظهر عليه، أما محتوانا الإنساني فيكشف حقيقتنا عندما تنطفئ الشاشات، ونعود إلى أنفسنا بلا جمهور ولا إعجابات.