السهر الممنوع !

تعد الحرية الشخصية مطلبا ومبتغًى وضرورةً في حياة البشر ، وحاجتهم إليها تفوق حاجتهم لمتطلباتهم الأساسية في الحياة ، وقد خلقهم الله أحرارا وجعل لهم كامل الحرية في اختيار عقائدهم وتصرفاتهم وتعبيرهم عن آرائهم ، فالحرية حق مكتسب لبني الإنسان ولا تستقيم حياتهم وترشد وتعتدل إلا بها .
وقد ورد في إعلان حقوق الإنسان الصادر عام ١٧٨٩م على أن الحرية هي : ( حق الفرد في أن يفعل ما لا يضر الآخرين ) .
إننا لو أمعنا النظر ، ودققنا وتأملنا في تعريف الحرية لوجدنا أن هنالك ضابطا ومنظما لها وهو عدم تعارضها مع حياة الآخرين أو إلحاق الضرر بهم ، والإيذاء لهم ، وبمعنى أدق شمولية التعريف للقوانين والآداب والأنظمة العامة والخاصة ، وذلك يتوافق مع المادة الرابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
من هنا نقول لك أيها الإنسان : أنت حر ولَك كامل الحرية في اختيارك لطعامك وشرابك ولباسك ومشترياتك وغيرها طالما أن تأثيرها ونتائجها عليك وحدك دون الآخرين ، ولكن ماذا لو اصطدمت حريتك بحياة الناس من حولك سواءً بصورة مباشرة أو غير مباشرة ؟!
كي نجيب على هذا السؤال نورد هذا المثال ، والذي هو محور حديثنا وبسببه نثرنا هذا المقال :
يعتبر السهر بعمومه وإطلاقه حرية شخصية وتستطيع أن تمارسه كما تشاء ، فأنت حر في ذلك التصرف ، ولكن ممارسة هذه الحرية ربما تسبب ضررا للآخرين ، فَلَو أنك سهرت ولم تأخذ كفايتك من النوم ، ثم صحوت مبكرا لتستقل سيارتك وتقودها متوجها إلى مقر عملك أو كليتك أو مدرستك أو إلى أي جهة معلومة ، فماذا سيحدث؟!
قيادة السيارة تحتاج إلى تركيز وانتباه كبيرين ، والسهر والتركيز ضدان لا يلتقيان ، وبذلك قد تكون سببا مباشرا أو غير مباشر في وقوع حادث وقد يكون هناك ضحايا ، وقد تؤدي ممارستك لحرية السهر إزهاقا لأرواح الآخرين .
في هذه الحالة تحول السهر من حرية شخصية إلى أداة غير مباشرة للقتل والتخريب والخسائر الفادحة في الممتلكات العامة والخاصة ، وهذه الأداة لا يمكننا بأي حال من الأحوال محاسبتها أو محاكمتها فهي أداة غير محسوسة .
إن ممارستك للسهر لك كامل الحرية فيه ، لكن أن تؤدي إلى هذه النتائج وربما أكبر منها وأفضع وأشنع ، فهو أمر غير مقبول ويفتقد إلى الاتزان والحكمة ، وليس من حقك ، وليس لك مطلق الحرية فيه بل أنت مقيد بشروط وضوابط ، بحيث لا يتسبب سهرك في إيقاع الأذى بالناس .
نشاهد بصورة متكررة وشبه يومية إن لم تكن يومية وقوع حوادث كثيرة ويكون سببها نوم السائقين وقائدي المركبات ، وَمِمَّا يؤسف له ويندى له الجبين وتشمئز منه النفوس أن نشاهد مَنْ تسبب في وقوع هذه الحوادث المؤلمة قد نجا بفعلته ولا يكون طرفا أصلا في الموضوع ، فقد فعل فعلته الشنيعة وغادر المكان وخلّف وراءه الضحايا والخسائر المادية والبشرية ، وهو يشكر الله عز وجل - وبكل برود أعصاب - على نجاته من ذلك الحادث الأليم.
أي استهتار بحياة الناس وأرواحهم جراء ذلك التصرف الذي قام به بحجة ممارسته لحريته الشخصية ؟!
إن كنت ترى ألا عقوبات بشرية ستلحق بك ، فإن هناك رب البشر وهو يعلم بفعلتك هذه وسيحاسبك عليها أيما حساب ؟!
لا تظن أن ضميرك سيسكت عنك ، بل سيظل يصرخ بداخلك ويذكرك في كل وقت وخصوصا وقت سهرك ، ولا أظن أنك ستنعم بالراحة وستنام قرير العين ، فهما بعيدا المنال وبمنأى عنك ، وبينك وبينهما هوة عميقة مشتعلة ، لا ترى فيها إلا ضحيتك البريئة ...
هل عرفنا الآن ما هو السهر الممنوع ؟!



