الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

تضخم الذات

السيد فاضل آل درويش · القطيف اليومالثلاثاء 19 ديسمبر 2017، 5:59 ص
تضخم الذات

لماذا يتعامل البعض بطريقة توحي بأنه الرجل القوي الذي يمتلك القدرات الخارقة التي تميزه عن الآخرين ، مع انكشاف الواقع الذي يراه الكثير و هو أنه يعطي حجما كبيرا لا يتناسب و قدراته المتواضعة ، و التي يحاول أن يبرزها بشكل خرافي و يفرضها كواقع يريد من الجميع الاعتراف به و التعامل على أساس تميزه ؟

السبب هو الغرور ، نعم إنه تضخم الذات الذي ينم عن قراءة مغلوطة و نظرة خاطئة و تقدير غير واقعي لما يمتلكه من طاقات و قدرات ، فالتقييم الصحيح لأي قدرة أو نشاط هو مقدار تأثيره و إنتاجه على أرض الواقع ، و بلا شك فإن هناك فروقا فردية تتفاوت عندها المستويات و العطاء كل بحسبه ، و لكن من الجميل أن يعرف الفرد قدره و حجمه بما يتلاءم و تلك الكفاءة و القدرات التي يمتلكها ، و إن كان صاحب عطاء و إنجاز قليل فهذا لا يعني حكما نهائيا لهذا التقييم ، إذ يمكنه أن يتعلم و يتدرب ليطور من قدراته و يصل إلى مستويات عالية و متقدمة .
هناك مائز و فارق ما بين الثقة بالنفس كعامل مهم في مسيرة النجاح ، و ما بين الغرور الذي ينظر صاحبه لنفسه بنظرة متعالية و تقدير كبير لذاته ، فالثقة بالنفس تعني اطلاعا و معرفة بما يمتلكه الفرد من قدرات و مهارات يستطيع من خلالها أن يوجد لنفسه مكانة في عجلة التنمية و الإنجاز ، فيقدم على رسم أهدافه و آماله بحسب ما يمتلكه من طاقات ، فلا يضع لنفسه سقوفا عالية و لا توقعات هائلة من خطواته ، بينما المغرور يظن أن مفاتيح الإنجازات و النجاح يمتلكها ، و يمكنه صنع أو تحقيق أي شيء مهما كان ، فيكون كمن يظن نفسه رياضيا ماهرا فيقفز قفزة طويلة تطيح به فتلوي كاحله أو عنقه .

و هذا لا يعني - بالطبع - أن المغرور مفلس من أي شيء من القوة و الاقتدار في أي باب من أبواب المعرفة و المهارات ، و لكنه يعطي لها تقديرا عاليا ، فقد يكون ذكيا في حقل معرفي معين و لكنه يراه ضخما ، و لا يوجد من أحد يضاهيه أو يصل إلى مستواه ، فهو عبقري زمانه و عالم لا يشق له غبار !!!

و هذا التقدير المضخم للذات يرتد على صاحبه سلبا ، فهو يمتنع عن الدخول في دورات تدريبية و تطويرية لمهاراته ، إذ يرى أنه وصل إلى مستوى لا يحتاج معه إلى أي تعليم أو تدريب ، و هذا ما يجعل الآخرين يتقدمون و ينطلقون في فضاء التطور و النجاح .

كما أن المغرور يمتاز بتعامل يتسم بالخشونة و التعالي و العجرفة مع غيره ، فينظر للآخرين و كأنه استوطن أعلى الجبل و هم في سفحه فلا يراهم إلا أقزاما ، هذه النظرة الدونية و استنقاص الغير تجعله يتعامل دائما بمبدأ رفض النقاش و التحاور معه ، فلا يقبل منهم أي نقد و لا يفسح لهم المجال في إبداء وجهات نظرهم ، كما أنه يتجاهل وجودهم كنوع من توجيه الإهانة لأحدهم ، و يتعامل بأسلوب السخرية و الاستهزاء كنوع من تعويض النقص الذي يشعر به .