هل عفا الدهر على الأساليب التعليمية النمطية؟

محمد حسين آل هويدي
بسم الله الرحمن الرحيم: … «27» … إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ … «28» … صدق الله العلي العظيم – فاطر.
بلا شك، خشية الله سبحانه من أهم أمور هذه الحياة؛ ولولاها، ربما ما خُلِقْنَا، لأنها مُحُّ العبادة. خشيته سبحانه لا تُطَالُ إلّا بالعلم، وهذا ما ينصّه البارئ عزّ وجلّ، وليس ما يدّعيه عبدٌ فقيرٌ إلى ربه.
لن ندخل في دهاليز الخشية أو نتطرق إلى فلسفتها أو نتفق أو نختلف عليها. ما يعنينا، بما أن العلم مهم للوصول إلى ذروة العبادة، علينا أن نهتم أكثر للطرق التي يتعلم بها الناس؛ خصوصا، في صغره. العلم في الصغر كالنقش على الحجر، إذ يصعب تغيير العادات التي يكتسبها الصغير حينما يكبر.
وعندما تكون هذه العادات مضرة أو غير مجدية، فإنها حتما ستؤثر ليس فقط على الفرد، ولكن على الأمة بأكملها. الدين أساس كينونة كل شيء؛ بما في ذلك الكون، وهو حاوٍ لكل شيء؛ بما في ذلك العلم. العلم جزء من الدين (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ).
ولا نعني هنا بالدين تلك العقائد البشرية المتطرفة والشيفونية والتي تنتهك حقوق الآخرين. الدين نَسَقٌ مُحْكَـمٌ قام عليه الكون وأنزله الله للبرية ليصون حقوقهم وينظِّم أمورهم، لا ليميِّز قوما على آخرين. والعلم من أهم هذه الأمور. من يعلم، يعرف معنى الدين. من لا يعلم، يظن أنّ الله اختصه من دون الناس وله الأحقية والأولوية في كل شيء بما في ذلك التجاوز على الآخرين لأنهم مختلفون (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). ومن يحمل مثل هذه الأفكار لَبَعِيدٌ عن لُبّ الدين لأن وِفَاضَهُ خالٍ من العلم الذي ينشده الدين الحنيف.
يقول ستيفن جاي گولد (Stephen Jay Gould): “”إنني، بطريقة ما، لست مهتما بكتلة دماغ أينشتاين، أو طريقة تموجات قشرته، كثر ما يكون يقيني شبه مؤكد بأن أشخاصًا بنفس المواهب والقدرات قد عاشوا وماتوا في حقول القطن والمصانع التي تستغل الكادحين”. وهو يشير إلى ضياع الكثير من القدرات والمواهب لأمور ثانوية، مثل اللون والحاجة؛ أو بسبب نظرة المجتمعات السائدة للأفراد (والمجحفة لهم في أحيان كثيرة)، أو التمسك بطريقة تعليم معينة، تحرم موهوبين من الانخراط وإظهار إبداعاتهم.
اُمْضُوا معنا لنتعرف على أحدث العلوم حول الطرق التعليمية الأنسب وكيف يمكن للمدارس التقليدية الاستفادة منها لتحسين أدائها. لقد أصبح من الواضح، أكثر من أي وقت مضى، أن التعليم التقليدي (النمطي) لا يعمل بالصورة المرجوة. إن التلقين وحشو رؤوس الطلاب بالحقائق (الحقائق أمور نسبية) والمعرفة، ثم اختبارهم فيها، بالرغم من أنها لا تمت لحياتهم بأي شكل من الأشكال، مضيعة لكثير من أوقاتهم وإهدار لموارد مهمة جدا. هذه الطريقة لا تساعدهم على التعلّم السليم، أو أن يصبحوا أفرادًا أَصْقَلَ وأبدعَ (أكثر صقلا وإبداعا – إلا أن أصقل أصَّحُ من أكثر صقلا). إذن ما الذي يمكن عمله؟ علينا الحصول على فهم أوضح لبعض الخصائص الرئيسية التي تجعل أنظمتنا التعليمية تتناغم مع الطرق التي تعمل بها أدمغتنا لتتعلم بشكل أفضل. سَنَمُرّ معكم على بعض الأمور المهمة بهذا الخصوص ونحاول الإجابة على أسئلة مهمة، ومنها:
1. لماذا تخذلنا القياسات الشائعة، مثل الاختبارات الموحدة؟
2. ما التقنيات المتاحة لتحسين التعلم والذاكرة (الذاكرة تختلف عن الحافظة. الذاكرة تعني الاستفادة من المخزون وليس لتكراره أو إعادة سرده بدون معرفة)؟
3. كيف نستغل هبة الفضول لدى البشر ليتم توجيههم للطرق العلمية الأنجع؟
نناقش هذه الأمور تفصيليا في سلسات قادمة.



