صراحة مُرّة حول “سلام فرماندة”…!

حبيب محمود
ليست القصة في الموسيقى؛ فهي مسألة اختلافية. وليست القصة في المضمون العقَدي؛ فالشيعة وغيرهم يؤمنون بالمهدي المنتظر. القصة في “شكلانية” الجدَل الفجّ في الملاسنات؛ بين “طِشّار” معارك لا دجاجة لأحد فيها، ولا ديك..!
وهو ليس “طِشّار” الفرِحين بما لديهم، المحتقنين ضدّ ما لدى غيرهم؛ بل “طشّار” متهورين لديهم ما يصل بهم إلى طرد عباد الله من عقيدة الله.. والسبب؛ نشيدة..!
سلام فرماندة؛ أنشودة (لنقل جدلاً) إسلامية. تتحدّث عن انتظار المهدي المنتظر. كُتبت بالفارسية؛ ونجحت نجاحاً قياسياً في الداخل الإيراني، خاصّة بعد تصويرها “فيديو كليب” بمقاييس “إسلامية”.. طروبة. ثم توسّع الانتشار إلى خارج إيران، وتلقّفها جمهور واسع في العراق ولبنان وبعض مناطق الخليج، بعد “تعريبها”، على اللحن ذاته. وتحت تأثير الحسّ الشيعي العاطفي المتعلق بالإمام المهدي، عليه السلام.
الإيرانيون بارعون فنّياً، وسخيُّون في تمويل “أسلمة” الأعمال الفنية، على مستوى السينما والموسيقى والتشكيل. شعب لديه إرثٌ فني ضارب، وقابلية على تلقُّف “حداثات الشعوب” ثم “تفريسها”، أو “أيرنتها”؛ وإعادة إنتاجها في سياق الحسّ العقدي.
تلقّى التشكيليون الإيرانيون “حداثة” التشكيل في عصر النهضة الذي بدأ في فلورنسا الإيطالية؛ من لوحات السيد المسيح، والعشاء الأخير، والسيدة العذراء، وموضوعات القدّيسين. ثم “دبلجوها” على الفهم الفارسي للمذهب الشيعي الاثني عشري، فظهرت تصاوير للنبي والإمام علي والسيد فاطمة وأئمة أهل البيت، عليهم السلام، وواقعة كربلاء.
استمرّ تشكيليون إيرانيون على هذا الهاجس العقدي، وقدّموا فهماً إبداعياً خاصاً بمفاهيم العقيدة الشيعية.. في قوالب أوروبية/ فارسية.
وقد انتقل هذا الهاجس إلى الجارة العربية، العراق، كنوعٍ من التصدير الثقافي. وانتشر الفنّ الإيراني في أوساط شيعية؛ لا تعترف أصولها الفقهية بـ “تصوير ذوات الأرواح”، على نحو حاسم.
غايتي من تفصيل هذا المثال التشكيلي؛ هو جعله ـ في رأيي ـ عينةً لشؤون حسّاسة في مسألة الهوية الشيعية ذات البذرة والمنشأ والانتشار العربيّ؛ ومآزق تلبّسها، بل مآزق ضعفها الاجتماعي، وتمثّلها في أغلفة “مستوردة”، إلى حدّ المسخ.
تاريخياً؛ نشأ المذهب الشيعي عربياً في الأرض العربية، ولم يصل إلى إيران إلا بعد قرون طويلة من رسوخه في الأرض العربية. وبعد نموّ الإمبراطورية الصفوية؛ تلبّست كثير من الممارسات الشيعية بطقوسياتٍ لم تكن معروفة عند الشيعة.
التراكم التاريخي للطقوسيات تعقّد عبر التاريخ؛ وأنتج هوية شيعية ذات صبغة فارسية، أثّرت ـ بدورها ـ في الشعوب العربية.
الإسلام الشيعي ذهب من بلاد العرب إلى إيران بوجه، ثم عاد بوجوه أخرى. وهذا ما يفسّر ما يمكن وصفه بـ “إعادة إنتاج” الثقافة، وتصديرها إلى المنشأ الذي جاءت منه. لا يمكن تبسيط فهم التحوّلات الهائلة، ولا التقليل من آثارها، ولا ركوب منبر هجاء لها. لكن حين نبحث في بعض الظواهر التاريخية؛ فإننا نفهم بعض الإشارات.
بعض هذه الإشارات فقهي حوزوي، وبعضها سياسي، وبعضها قوميّ أو عرقي. والحديث المباشر يفرض التوقف عند صراع مدرستيْ “الأصولية” و “الأخبارية” في الفقه، والشدّ المتلاحق في أوساط الحوزات؛ لتمييل الكفّة نحو “الأصولية الفقهية”، على الأقل خلال القرنين الفائتين، لتتراجع تأثيرات “الأخبارية الفقهية”. ومن نتائج ذلك؛ انحسار “المرجعية المحلية”. وفي محيطنا الخليجي ـ مثلاً ـ أُعيد تأسيس “التقليد” الفقهي لصالح مرجعيات غير عربية، تحت ضغط الضخّ المستمر لـ “تقليد الحي” مقابل “تقليد الميت”.. فقهياً.
هذا الزحف “المرجعي” ذو أبعاد عرقية، وهو “جزء” من “كلّ” واسع تنضوي تحته مكوّنات الهوية الشيعية، بل ومكونات الهوية المحلية في الأقاليم العربية التي راحت تضعف يوماً بعد آخر، وسط حالة استهلاك لمُنتج الآخر الذي راح يُصدّر التشيُّع بمفاهيم جديدة كلّياً على الهوية الشيعية العربية.
وصل ذلك إلى حدّ وصف الإمام الثامن عند الشيعة، الإمام علي بن موسى الرضا، عليه السلام، بـ “السلطان” في أدبيات الشيعة الذين يتحرّجون ـ أصلاً ـ من “الأحكام السلطانية” تحرُّجاً شديداً.
جاء توصيف “السلطان” من مفاهيم بلاط “السلاطين” في الدولة الصفوية، وما بعدها..!
أنشودة “سلام فرماندة” هي جزء من كلّ واسع.. إنتاج فني بحس يختلط فيه الدينيّ بالقومي بالتاريخي. إنتاج هوية أخرى؛ نتلقاه لأننا أضعف من أن نكون مُنتجين، أضعف من أن نشعر بهويتنا، إلا في قالب يصنعه الآخر لنا.
اقرأ أيضاً



