5] غليان الربع الخالي
![5] غليان الربع الخالي](/img/w1200.webp?u=https%3A%2F%2Fwww.sobranews.com%2Fwp-content%2Fuploads%2F2024%2F03%2F%D8%B9%D8%A7%D8%A8%D8%AF-%D8%AE%D8%B2%D9%86%D8%AF%D8%A7%D8%B1-14-jpg.webp)
محمد الهلال
الطمع يجعلك غاويا، تفكر في الصورة أكثر من المضمون، الصورة النهائية هي ما تبحث عنه، المهم ما يراه الناس لا ما يراه الله، هي نقطة ارتكاز لعب عليها المحتل أو الغربي، فكانت تشكل لهُ بوابة لا مثيل لها لتحقيق أهدافه الكبرى، إذ الهدم قبل البناء، ولكن ماذا يهدم؟ الحجر؟ وهل أتى ليقيم حجرا مكان حجر؟
سوف يبني المدن والطرق والحضارات الجديدة التي يبشر بها، ولكن قبل ذلك يعيد بناء الإنسان، وأي إنسان، إنسانٍ خاوٍ من القيم والعادات الدينية والاجتماعية التي تربى عليها، وأنشأ أبناءه عليها، لذلك لم يقف في طريقه للحصول على المال وامتلاك الثروة، بل مهدَ سبيلها إليه، هي أداة الهدم الأولى.
فالقيم التي تربي عليها الشعب المصري قبل ثورة 1952 ومابعد ثورة يوليو 52 تبدلت كما تبدلت الأزياء في عصر الانفتاح عصر السادات، والربع الخالي قبل النفط يختلف عما بعده وبعد طفرة السبعينيات النفطية، بل يعود بنا عابد في المقاربة إلى أبعد من ذلك ليؤكد كيف أن تضخم الثروة والطمع يساهم في فساد الانسان والأمة..
يقول في الصفحة ٨٢: “ولهذا لجأت إلى طريقة قديمة أزجي بها وقتي، هي ترديد الأشعار التي حفظت الكثير منها خصوصا الشعر الجاهلي وأنا في سن مبكرة، والشعر كان بالنسبة إلى العرب ليس ديوانهم فحسب، بل أيضاً الوعاء لفكرهم وفلسفتهم في الحياة وموقفهم منها والجامع لتجاربهم وحكمهم ودستورهم، وكان أيضا المعبر عن عواطفهم وأشجانهم وشجونهم والصورة الفنية التي تعكس نفوسهم وتصورها وتخلدها على مر الأجيال، وباختصار كان الشكل والمحتوى اللذين تمثل فيهما الوعي العربي وتجسد. ثم جاء الإسلام وحل القرآن الكريم محل الشعر العربي، وأصبح هو دستور الحياة الجديدة للعرب الذين أسلموا وانقادوا له، وحل محله شعر آخر.
في البداية كان شعرا يصف حياة الترف التي كان يحياها أبناء الطبقة المترفة الذين ورثوا من آبائهم الثروات التي انهالت عليهم وتراكمت لديهم من أموال الغنائم والسبي التي جاءت بها وجادت الفتوحات الإسلامية فكانت طفرة أشبه ما تكون بطفرة النفط الحديثة.
ولكن هذه الأموال انتقلت بعد ذلك إلى الشام بعد انتقال الخلافة إليها وانتهى بذلك التاريخ في الجزيرة العربية، وانتهى معه بالتالي الشعر والوعي العربي”.

هذا الصراع بين الهدم والبناء هو الذي ساد في الوطن العربي وليس الربع الخالي فقط، ولو أن الربع الخالي يشكل منطلقا للصراع بسبب الثروة، وهو هنا يتقاطع مع رؤية منيف لموضوع النفط وأن العرب لم يستفيدوا من الثروة النفطية كما ينبغي، وكما يتقاطع مع الرؤية الإسلامية التي أتى بها نبي الله محمد صلى الله عليه وآله سلم إذ يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف: “إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق”، كما في طرحه اختلاف مع ما طرحه الدكتور طه حسين بالنسبة للشعر الجاهلي وهذا ينفي تأثره به، فهو يقولها صراحةٍ إن من أثر فيه هو الكاتب سلامة موسى ويذكر ذلك في الصفحة ١٠٧: “وقد أتيح لي فيما بعد أن أتعرف إليه وأقابله فتعلمت منه الكثير وقد اتخذته مثالاً أحتذي به في حياتي فقد كان إنساناً شريفاً وشجاعاً لا ينافق ولا يداهن، ولا يتردد في قول كلمة الحق مهما كلفه ذلك من مشاق وتضحيات”.

سلامة موسى
في الربع الخالي نرى تتبع عابد خزندار لصراع الوعي والمال وكأنه أراد أن يقول لنا إن هذا الصراع لن ينتهي كما هو صراع الخير والشر، باقٍ ببقاء الدنيا، وأن كل الثورات التي جرت في العالم العربي أتت لتقضي عليه (الوعي) بأمر من المحتل (الغربي)، وينقل لنا صورا من تلك الصراعات، تارة تكون بين المجتمع وبعض رجال الدين الراغبين في عودة المجتمع إلى الوراء ألف عام، وتارة أخرى في عدم مواكبته باقي المجتمعات في تطورها الاجتماعي والثقافي والعلمي..
يقول في الصفحة ١١٢: “كما لم تكن هناك أي أندية أو مسارح أو أي مكان يسمح فيه بالمجتمع وبالطبع كانت السينما ممنوعة، أما الرياضة فكانت بعيدا عن أنظار رجال الدين الذين كانت تتألف منهم فرقة بوليسية، لأنهم كانوا يعتبرونها من المحرمات وذلك خارج النطاق العمراني”.
ويصف بشكل دقيق كيف كان يعيش المجتمع حالة من الخوف والترقب والضيق بسبب ما كان يمارس عليهم من ترهيب من البوليس الديني كما وصفه، إذ يقول في الصفحة ١١٤: “وكان البوليس الديني يجوب الشوارع ليلا تلمسا لأي غناء أو ضوضاء وكانت آلات الغناء تصادر وتحرق، وكنا نحرص إذا كان هناك غناء في الراديو على أن نقفله.
وكانت الوسيلة الوحيدة التي يلجأ إليها الرجال للتسرية أثناء النهار، دون النساء الحبيسات في البيت هي الذهاب إلى مقاهٍ خارج البلد تبعد عنها عدة كيلومترات”. بالنسبة للأندية الأدبية والمسارح أنشأت بعد ذلك بسنوات قليلة، ولكن تحت ضوابط متشددة لن تسمح لها بأن تقدم بعض ما تطمح إليه.

رغم أن بعض الأندية قدم ما يعد إنجاز بالنسبة لذلك العصر، ولكن في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان تغيرت المملكة وأصبحت منارة ثقافية وفنية وعلمية، وقضي على التيار الديني المتشدد وعادت المرأة لتمارس دورها الحقيقي في المجتمع بكل حرية وتمكين، بل أكثر وأكبر من ذلك شنت حكومة الملك سلمان برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حملة على الفساد والمحسوبية، وسوف يتذكر المجتمع السعودي تاريخ ٤ نوفمر ٢٠١٧ بفخر واعتزاز، في تاريخ المواجهة المباشرة والصريحة مع الفساد.
لم يقتنع عابد بكل الثورات العربية وكل الانقلابات التي حدثت مع بداية الخمسينبات ويراها سبباً في تراجع الأمة بسبب قمعها للحريات وعدم تطبيقها للديمقراطية التي نادت بها، ويرى أن الثورة الحقيقية على سبيل المثال في مصر كانت ثورة التعليم المجاني..
يقول في الصفحة ٤١: “ولهذا فإننا حين نستعيد الماضي ونسترجع ما حدث فيه نجد أن أعظم ثورة حدثت في مصر هي تطبيق مجانية التعليم في أواخر الأربعينيات على يد حكومة الوفد، والحقيقة أن تلك الحكومة هي خير حكومة حكمت مصر في عهدها الحديث، ولو قدر لها أن تستمر، لتغير تاريخ مصر، ولكن كانت هناك قوى خارجية وداخلية أرادت لها أن تسقط، وهذه القوى نفسها هي التي أجهضت ثورة ٢٣يوليو فيما بعد وكانت لها الكلمة الأخيرة فيما حدث في مصر وفي العالم العربي”.
ما نفهم من هذا المقطع وبكل وضوح أن كل ثورة حدثت وسوف تحدث في العالم العربي يقف خلفها الغرب، وأي ثورة تقوم دون رغبته يتم إسقاطها.

حضور العلم والمعرفة وبشكل ملحوظ في الرواية سواء بحضور أسماء أدبية عربية أو أجنبية لها وزنها في السياق السردي أو بحضور الصراع بشكل مباشر بين أهل العلم والغربي الراغب في السيطرة على الثروة والوعي، فكل من أتى بشهادة راغبا في خدمة بلده وبكل صدق ونزاهة تلفق لهُ التهم لإبعاده، وهذا ما حدث مع عميد معهد التقنية، الذي سُجن مع بطل الرواية، ولكن بعد ذلك عندما رغب في الابتعاد تجنباً للصدام معهم كوّن ثروة كبيرة.
رواية الربع الخالي رواية جيل كافح ودفع ثمن كفاحه غالبا من أجل أن يعيش جيل اليوم على انتصارات الأمس. إذ يقول في نهاية الرواية في الصفحة ١٦٠: “لقد عانينا لكي يتاح لغيرنا أن يحقق ما عجزنا عن تحقيقه.. ولهذا فلن نموت على ضيم”.

محمد الهلال
اقرأ الحلقة السابقة



