سيكولوجية الأدب 6] من اللاشعور إلى النص
![سيكولوجية الأدب 6] من اللاشعور إلى النص](/img/w1200.webp?u=https%3A%2F%2Fwww.sobranews.com%2Fwp-content%2Fuploads%2F2025%2F12%2F%D8%A3%D8%B3%D8%B9%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B1.avif)
أسعد علي النمر
اختصاصي بعلم نفس إكلينيكي
فيما تقدّم، ناقشنا جانباً من وجهتي نظر في التحليل النفسي، الفرويدية واللاكانية؛ باعتبارهما نموذجين نظريين مناسبين لقراءة النص الأدبي قراءة معمقة وتشريحية سيكولوجياً، ولا تنحصر قيمة هذين المنظورين في كشفهما عن الأبعاد الخفية للنص فحسب، بل في توفيرهما إطاراً لفهم العملية الإبداعية ذاتها.
النموذج الفرويدي: ينطلق التحليل الفرويدي من فرضية أساسية مفادها أن النص الأدبي يمثل تعبيراً رمزياً عن الرغبات المكبوتة. وهي رغبات قد تتسرب عبر الكتابة التي تشبه في بعض جوانبها التعبيرية حلم اليقظة Daydream أو الحُلم Dream.
في الكتابة يجد فيها الكاتب متنفساً لمشاعره المكبوتة ورغباته المحظورة التي لا يعبر عنها مباشرةً، ويمكن تحديد المكبوتات في سياق النّص من خلال الحيل الدفاعية اللاشعورية، خاصّة حيلتي الإعلاء والاسقاط اللتان سأحاول استكشافهما عبر بعض النصوص.
حيلة الإعلاء Sublimation. مفهوم الإعلاء أو التسامي يرمي إلى إعادة الطاقة النفسية من منبعها الأصلي (الهو – اللاشعور) المحمّل بدوافع جنسية وعدوانية، وأخذها باتجاه يمكن للأنا العُليا أن تمررها فتقبلها الأنا والمجتمع، ككتابة الشّعر والرواية، والرسم، والموسيقى. ففي “الهذيان والأحلام في الفن” (1) ناقش فرويد رواية “غراديفيا”(2) باعتبارها نصاً أدبياً تسامى فوق رغبات الكاتب ودوافعه المكبوتة الجنسية أو العدوانية غالباً بحيث يبدو النص، بهذه الحالة، وسيلة تخفيف للتوتر والقلق، وتحويل المكبوتات لعمل رفيع يقبله المجتمع بدلاً من إدانته.
فمثلاً، شعر الغزل حالة إعلاء فوق الليبدو (غريزة الحياة – اللذة)، والرياضة حالة إعلاء فوق النّزعة العدوانية (غريزة الموت – الألم). وعملية الإعلاء ذاتها نجدها بذات الوقت في إعجابنا بنص أدبي، فالقارئ يتشارك مع الكاتب في نفس الصراعات والدوافع المكبوتة، هي موجودة في لا شعوره أيضاً.
فعندما يقرأ قصيدة غزل، فإنه يعيش خبرة تنفيس Catharsis ليبيدي (شهوي أو لَذَّوي) تتمظهر في شعور مريح وهو نوع من التحرر من قيود الأنا العُليا فتعيشها الأنا بلا شعور بالذنب أو القلق برغم أنها تلبي رغبة محضورة وهي في حالتها الأصلية قبل تساميها. لذلك، يتحول الأدب لوسيلة آمنة سيكولوجياً ومشروعة للجميع (الكاتب والمتلقي).
وفي رواية “بنات الرياض”(3)، كمثال آخر، التي نضعها كأحد الأمثلة الأخرى، يمكن ملاحظة منحىً نصيّاً يعزز مفهوم الإعلاء أو التسامي اللاشعوري لرغبات ودوافع غير معَبَّر عنها مرتبطة بما يختمر في الواقع الاجتماعي من توتّرات مكتومة ورغبات معلّقة وأسئلة مُحرَّمة وانعكاس ذلك على سيكولوجية الذات (الراوية).
هذه الرغبات والدوافع تأخذ طريقها نحو مساحة من سّردٍ يتجاوز القول المباشر ليعيد نمط الاحتجاج (العدوانية) في صورة حكايات نابضة ومقاطع تتقد بجرأة هادئة مقبولة نسبياً في مجتمع يتسم بالمحافظة، فكان نص الرواية ليس لمجرّد التسلية، بل كقناة رمزية تُصفّى عبرها الانفعالات وتُهذَّب التوترات، فتتحوّل الطاقة النفسية المتألمة التي كان يمكن أن تنفلت في صيغة غضب أو صدام إلى إبداع نصّي يعيد ترتيب الوجع في نسقٍ جمالي.
وهكذا يغدو السرد نفسه نوعاً من الإعلاء: تحويل المكبوت والضيق الداخلي إلى نصّ قادر على قول ما لا يُقال، والاستعانة بحساسية أدبية تتجسّد في نبض الشخصيات، وبوعي تحليلي يحوّل الألم إلى معنى، والمعنى إلى سردٍ يضيء العتمة دون أن يصرخ.
حيلة الإسقاط Projection. نُجهد أنفسنا أحياناً بلفظ أو بصق الطعام الفاسد من فمنا (كراهية – رفض)، على عكس الطعام المرغوب، فإننا نلتهمه التهاماً (استدخال أو بلع مقبول: حب). والإسقاط في هذا المقام هو حالة رفض؛ أي بصق. وكأن لسان حالة الشخص يقول “أريد بصق هذا القرف”.
ويذكر أوتو فيخنل بهذا السياق، “أن الإسقاط حيوي في هذه المرحلة الباكرة من نمو الأنا، والتي يسميها فرويد أنا اللذة الخالصة، حيث يعايش كل شيء لذيذ على أنه تابع للأنا (شيء للبلع)، بينما يعايش كل شيء أليم على أنه غير تابع للأنا (شيء للبصق)”(4).
فكل نزعة أو رغبة إغوائية لا يتقبلها المرء شعورياً (ترفضها الأنا) يتم طردها للخارج أو استبعادها ليتحرر من سطوة الإغواء الغريزي الجنسي أو العدواني؛ وكأن لسان الحال يقول “لست أنا الذي يحفو نحوه، بل هو منْ يتوسل لينال قبولي”.
فالأنا هنا لا تتحمل إدراك أنها تبتلع ما ترفضه (رفض الاعتراف برغبة إغوائية مُقْلِقَة أو باعثة على الذنب)؛ فتعيد، لاشعورياً، إدراك الموقف باعتبار أن الآخر هو المعني.
فهذه الحيلة تنقل رغباتنا الداخلية قبل الإنسالية (رغبات طفلية غير مقبولة لدينا كبالغين) إلى الخارج دفاعاً عن الأنا التي تتفادى محاسبة الأنا العُليا (الأنا العُليا الفردية والجماعية).
وإذا ما تتبعنا الإسقاط في النّص الأدبي، فغالباً ما هذا النمط من الحيلة اللاشعورية المتكررة. فمثلاً، في رواية “بنات الرياض”، نلاحظ كيف أن الكاتبة تُسقط مشاعرها القَلِقَة على المجتمع عبر شخوص روايتها.
فالنّص يرشدنا إلى الكيفية التي تتمظهر فيه حيلة الإسقاط عبر الأدوار التي ابتكرتها الكاتبة لشخوص روايتها، فمن خلالهم يمكن تلمُّس صراعاتها الداخلية المكبوتة.
فالراوية تحاول قول ما لا يُقال، أو تُسقط توترها ورغبتها اللاشعورية في المواجهة مع الثقافة الاجتماعية السائدة، أو يمكن القول: إن الراوية تكبت ذاتها في نصها.
فخطابها النقدي للمجتمع، بمنطه الصارم نسبياً، هو في حقيقته إسقاط لقلقها الخاص من المواجهة، حيث يتحول المجتمع هو الخائف والمتوجّس.
فـ قُمرة كمثال لشخصيات الرواية (ضمن علاقتها الزوجية)، تُسقط جراحها العاطفية على الرجال باعتبار المجتمع مجتمعاً ذكورياً، فقد واجهت صراعاً داخلياً شديداً حول توقعاتها الرومانسية المرتفعة وواقع الحياة الزوجية في هكذا مجتمع. وهنا تُعطى أهمية لفشل المرأة في التعبير عن رغباتها الطفلية أو قبل الإنسالية في مجتمع يصنّف الرجل فيه أنه السيد أو الوصي.
وهذا الفشل قد يعكس عجز أنا المرأة عن الاعتراف بدورها الأنثوي كما يدركه الرجل. فهي مثلاً لا تتكثر كزوجة (أنظر سيكولوجية الموضة – صلاح مخيمر (5)، بإنكارها أهمية هذا التكثّر في بناء علاقة زوجية متينة، فيتم اسقاط هذا العجز على سبب خارجي (أي تعميم الخبرة بمنطق السلوكية). أي أن قُمرة اعتبرت زوجها هو الفاشل في رومانسيته وليست هي. لا بل هذا هو ديدن الرجال: باردون أو قُساة. أنها الكيفية لتتجنّب بها قُمرة الاعتراف بأن الألم الحقيقي يتولد من هشاشتها الداخلية وتألمها المتولّد من انكسار نرجسيتها المتمثّل في انثلام الصورة المثالية لذاتها.
زوج قُمر “راشد” من جانبه يتحول عجزه العاطفي وقلقه من مواجهة نقائصه إلى اتهامات موجّهة لزوجته. فبدلاً من اعترافه بقصوره أو عجزه عن الالتزام، يَصمُ زوجته بصفات البرود والتمنع، مُسقطاً فشله الذاتي إلى سبب خارجي يبرر به انسحابه من العلاقة أو بحثه عن علاقات أخرى.
وهكذا، يتمظهر الإسقاط في سلوك الزوج لا بكونه مجرد حيلة دفاعية لتجنب الشعور بالذنب فقط، بل يُعدُّ وسيلةً لإعادة تشكيل الواقع: ينقلب راشد من كونه معنياً بالمسؤولية عن فشل الزواج إلى ضحية لتصرفات زوجته. هذا يمنحه مبرراً سيكولوجياً للانفصال أو للجوء لعلاقات تُشبعه. هذا يُميط اللثام عن كيف أن حماية الذات المفرطة قد تتحول إلى تزييف لصورة الذات؛ فتُختزل أزمة العلاقة في صفات الزوجة المُتخيّلة وفق تأثيرات إغوائية طفلية لاشعورية، بينما يتجاهل الطرف الآخر في الأزمة عجزه عن البناء العاطفي.
وهكذا تتحول الحياة الزوجية إلى حلقة مفرغة من الاسقاطات المتبادل: كل طرف يجد في سلوك الطرف الآخر ما يؤكد صورته المشوهة، فلا يعود الحوار ممكناً.
فالإسقاط هنا لا يقتصر على كونه هروباً من المسؤولية الفردية، بل يصير لغة علاقة مشوهة تدفع بالطرفين إلى عزلتين متقابلتين، يحتميان فيهما من مواجهة الحقيقة الأكثر إيلاماً: أن كليهما ضحايا أوهام بنياها حول بعضهما، قبل أن يكونا ضحايا لبعضهما.
ومن جانب آخر في الرواية، يكشف الخطاب العائلي والاجتماعي بدوره عن إسقاطات جماعية تُحمِّل الفتيات ما يخشاه المجتمع من الانفتاح الذي يُدرك كقلق وجودي.
ولربما نقول هنا أنه لا يمكن النظر إلى الرواية على أنها مجرد سرد لأحداث خارجية، بل هي في جوهرها مسرح للإسقاطات المتقاطعة، حيث تتحول الصراعات الداخلية المكبوتة إلى شخصيات وأحداث في العالم الخارجي.
هذا هو القلب النابض للتحليل النفسي للرواية باعتبارها حلماً جماعياً مُعلَناً، تكشف تشوهاته وأطيافه عن الحقيقة الداخلية التي لا يجرؤ النسق الاجتماعي على قولها صراحة، مُؤكدة أن الإسقاط عملية نشطة لإعادة بناء الواقع وليست مجرد هروب سلبي.
في رواية “الشيطان يعظ” لـ نجيب محفوظ، يكشف عنوان الفصل “الحب والقناع” (6) عن الطريقة التي تعمل بها المشاعر والرغبات الخفية داخل العلاقة بين “لبيب” و”فتحية”.
فمن منظور فرويد، يمثّل الحب ميلاً غريزياً ورغبة في الإشباع، بينما يعمل القناع كغطاء يُخفي نوايا لا يريد صاحبها الاعتراف بها، مثل رغبة “لبيب” في السيطرة وإظهار نفسه بصورة اجتماعية مقبولة.
أما عند لاكان، فالحب ليس إحساساً صافياً، بل وهمٌ رمزي تحاول به الذات أن تكمّل نقصها الداخلي. ولهذا يصبح القناع ضرورياً؛ لأنه يساعد الشخص على تشكيل صورة مثالية عن الآخر، صورة تسمح للرغبة بأن تستمر حتى لو كان الإشباع الكامل مستحيلاً.
بهذا يصبح الحب والقناع ليسا متناقضين، بل وجهين لآلية نفسية واحدة: عند فرويد: القناع يحمي الحب ويجعله مقبولاً اجتماعياً. وعند لاكان: القناع هو ما يسمح للحب أن يتكوّن أساساً.
ويظهر هذا بوضوح في الحوار من الرواية: “كم أحلم باستقرارك في بيتك.”
فتجيبه “فتحية”: “خبرني متى تشرع أنت في العمل؟” (ص 163).
في هذه اللحظة، يستخدم “لبيب” كلمة البيت كبديل مخفّف لرغبته في الاستحواذ، فيحوّل قلقه الداخلي إلى كلام يبدو لطيفاً، لكن “فتحية” تعيد توجيه الحديث فوراً نحو مسؤوليته هو، لتكشف ضعفه بدل أن تخضع لصورته الذكورية. فهكذا يتصدّع القناع الذي حاول “لبيب” أن يحتمي به، ويظهر التوتر الحقيقي خلف الخطاب البسيط.
آلية الدال والمدلول، انطلاقاً من هذه الآلية، يقدم جاك لاكان نقلة نوعية في فهم العلاقة بين اللغة واللاشعور، معتبراً أن اللاشعور منظم كاللغة. وينطلق تحليله من مفهوم انزلاق الدال على مدرج المدلول، حيث تسبق الكلمات (الدوال) المعاني (المدلولات) وتنزلق فوقها دون أن تستقر على معنى نهائي.
وهذا يفتح المجال لتعدد التأويلات، ويحوّل النص إلى فضاء ديناميكي للكشف عن أبعاد سيكولوجية واجتماعية تتجاوز المعنى الظاهر. وهذا الانزياح المستمر هو بالضبط ما يشكل بنية اللاشعور نفسه.
وبالمقارنة بـ فرويد الذي افترض علاقة قابلة للتثبيت بين الدال والمدلول مرتبطة بالرغبات اللاشعورية في نظام الهو (Id)، فإن جاك لاكان قلب هذه العلاقة رأساً على عقب، معمقاً بذلك فهمنا للعبارة إلى أبعد حد مستنداً إلى اللسانيات ليعلن أن اللاشعور بُنية لغوية وليست بُنية رغبات.
فكان سعيه منصباً على تحرير الدال من ثبات علاقته بالمدلول كما هو في فهم سوسير أيضاً، وبالتالي، لا تكمن قوة اللاشعور في المعاني المكبوتة التي نظن أنّ علينا كشفها، بل في اللحظات التي تنفلت فيها الكلمات (الدوال) من مدلولاتها المفترضة، ويظهر هذا الانفلات من خلال التكرارات، والانزياحات، والزلات اللغوية، والتناقضات داخل النص الأدبي.
فاللاشعور بهذا المعنى اللاكاني، ليس بُنية رغبات ثابتة كما لدى فرويد، بل هو حركة دائمة للدوال وانزلاقاتها الظاهرة في النص. ففي رواية “اللص والكلاب” لـ نجيب محفوظ (7)، عندما يكرر “سعيد مهران” اسم “نور” في لحظات الضياع، يتجلى هذا الانزياح. فالدال (“نور”) ينزلق بعيداً عن مدلوله المباشر (المرأة) ليصبح مؤشراً على معانٍ أعمق (الملاذ، الأمل، المعنى). وهذا الانزياح لا يمثل مجرد تقنية أدبية، بل يكشف عن “اللاممثَّل” (الواقعي) The real، أي ما لا تستطيع اللغة تمثيله بالكامل مباشرةً.
وللحديث بقية…
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سيغموند فرويد، (1907/ 1981)، الهذيان والأحلام في الفن، الطبعة الثانية، ترجمة: جورج طرابيشي. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر.
(2) اسم شخصية أساسية في الرواية للكاتب الألماني فيلهلم جنسن، نشرت الرواية عام 1903م، هذه الشخصية تمثل بالرواية الفنتازية محبوبة عالم الآثار الشاب “نوربورت هانولد”.
(3) رجاء الصانع، (2005)، بنات الرياض، دار الساقي للنشر
(4) فيخنل، أوتو، (1996)، نظرية التحليل النفسي في العصاب، الكتاب الثاني، ترجمة: صلاح مخيمر، وعبد ميخائيل رزق، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.
(5) صلاح مخيمر، (1998)، سيكولوجية الموضة، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية. طرح مخيمر فكرة التكثّر للزوجة؛ وهذه تتعلق بقدرتها أو بمهاراتها في أن تتجدد من خلال ما ترتديه من ملابس أو موضة، أو من خلال تزيّنها وأساليب لغة جسدها الجاذبة لانتباه زوجها، فهي بذلك تتعدد أو تتمظهر كأكثر من زوجة.
(6) نجيب محفوظ (2006)، الشيطان يعظ، القاهرة: دار الشروق، ص 157-205.
(7) نجيب محفوظ، (2015)، اللص والكلاب، الطبعة التاسعة، القاهرة: دار الشروق.
ــــــــــــــــــــــ
اقرأ الحلقة السابقة



