الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أخبارهم

الانفصال ضرورة للنضج

صُبرةالخميس 14 مايو 2026، 2:19 م
الانفصال ضرورة للنضج

فاطمة عبدالمنعم

يُعدّ دور الأب مهماً ورئيساً في تشكيل البنية النفسية للطفل، وركيزةً أساسيةً في رسم خارطة حياته الاجتماعية؛ ففي عالم الطفل النفسي، يمثل الأب “المثل الأعلى والسلطة العليا”، وبه يتعرف على القانون، ومن خلاله يُقدَّم للعالم الخارجي بضوابطه وقوانينه.

وقد يظن البعض أن دور الأب ثانوي أو مقتصر على الجانب المادي، إلا أن له دوراً مزدوجاً؛ فهو يدفع الأبناء لمواجهة الواقع والإحباطات بشكل آمن ومحب، وفي المقابل يمنح الأم الطمأنينة والثقة بأن الأبناء قادرون على الانطلاق إذا كانت الأم قلقة.

وهنا تبرز أهمية وجوده بوصفه “طرفاً ثالثاً” يكسر حدة القلق أو التعلق الذي قد يغلف علاقة الأم بطفلها، مانحاً إياها اليقين بأن طفلهما مهيأ للتحليق خارج حدود الحضن. فعلى سبيل المثال، إذا سقط الطفل، تسارع الأم إلى احتضانه، بينما يساندها الأب بمسح جرحه قائلاً: “أكمل.. أنت تستطيع المشي”.

دور الأب في بناء الذات المستقلة

يبرز هذا الدور الأبوي بوصفه جسراً أساسياً في لحظات الانفصال الضرورية، مثل كفّ الطفل عن مشاركة سرير الزوجية أو انتقاله من غرفة والديه إلى غرفته الخاصة؛ فبالرغم مما قد تشعر به الأم والوالدان من صعوبة في هذا الفصل، فإن كل انفصال يمر به الصغير هو في الحقيقة فرصة للنضج وخطوة لتكوين ذاته ككيان مستقل.

وتُعدّ هذه الانفصالات مؤلمة بطبيعتها منذ اللحظة الأولى للولادة، حيث لا يقتصر ألم المخاض على الأم وحدها، بل يمثل أيضاً صدمة للطفل في انتقاله من رحمٍ يضمه إلى فضاء العالم الواسع.

وتتوالى هذه المحطات، من الفطام وصولاً إلى الاستقلال بخصوصية مكانه؛ وهي مراحل تمر بصعوبة نفسية تتقاسمها الأم، التي يتركز دورها في الاحتواء والبقاء ومنح الحب، مع الأب الذي يتدخل ليساعد الطفل على تكوين ذاته الاجتماعية والاندماج في العالم. وهذا ما يجسده جبران خليل جبران في رؤيته الفلسفية للعلاقة بين الوالدين والطفل حين يقول:

أَنْتُمُ الأَقْوَاسُ وَأَوْلادُكُمْ سِهَامٌ حَيَّةٌ..

انْطَلَقَتْ مِنْهَا إِلَى عَالَمِ الْغَدِ.

أبعاد الوظيفة الأبوية في لاوعي الطفل

لكي نفهم عمق هذه الوظيفة، يوضح المحلل النفسي جاك لاكان أن “الأب” يتشكل في لاوعي الطفل عبر ثلاثة أبعاد متداخلة:

الأب الرمزي (سلطة القانون): هو الذي يضع حدود المسموح والممنوع، فيعلم الطفل أن رغباته ليست محرك الكون الوحيد، بل إن هناك نظاماً يجب احترامه للعيش في المجتمع.

الأب المتخيل (البطل والقدوة): هو الصورة التي يبنيها الطفل في خياله؛ فيرى الابن فيه بطلاً يقتدي به، وترى الابنة فيه معياراً للقوة والأمان، ومن خلال هذه الصورة تُبنى الثقة في مواجهة الغرباء.

الأب الواقعي (المربي الحاضر): هو الأب بحضوره اليومي، الذي يدعم الأم عاطفياً لتتجاوز قلق الانفصال، ويمنح الطفل الحنان اللازم ليطمئن في عالمه الجديد.

تكامل الأدوار وبناء الشخصية

وهذا ما نلمسه أيضاً في نظرية الدور الاجتماعي؛ فحين تمثل الأم “العالم الداخلي” بالرعاية والاحتواء، يمثل الأب “العالم الخارجي” بنظامه وهيكليته.

وهذا التكامل هو ما يحقق للطفل مستقبلاً القدرة على التعامل مع إحباطات الحياة؛ فالطفل الذي تعلّم “المنع”، وعرّفه الأب حدوده بكلمة “لا”، لا ينكسر أمام الواقع، بل يتقبل الأنظمة بمرونة.

إن نجاح الأب في هذه المهمة يمنح الطفل “ذاتاً منفصلة” قادرة على اتخاذ القرار، ويحرره من الالتصاق الاعتمادي الذي قد يعيق نموه بوصفه بالغاً مسؤولاً، فتصبح الأخلاق والقيم جزءاً من كيانه الداخلي.

ختاماً، إن دور الأب ليس ثانوياً، بل هو من يمنح أبناءه الاستقلال والتفرد؛ فهو من يعلمهم التحليق في سماء الحياة.

والآن.. هل كنت تعرف مدى أهميتك كأب في عالم طفلك النفسي؟