مجاميع النساء.. كنز مدفون.. أين من يبحث فيه؟

لؤي سنبل
“المجموع” تسمية قديمة لنوع من التأليف الموسوعي، وألحقت بها ما يشبهها من الكتب والمجاميع التي تضمّ الأشياء المتفرقة والأشتات من مختلف العلوم والفنون، وإن كانت غير مرتبة على أنواع المعارف وأقسام العلوم، هذا؛ وقد كانوا يسمون أمثال ذلك محاضرات ومجموع، ومجموعة، ومدينة، ومجمع. (1)
والمجموع الذي نقصده هنا: دفتر يجمع بين دفتيه عدة قصائد أو مصائب أو روايات أو فوائد من هنا وهناك ، حيث نجد لكل خطيب مجموعه أو مجاميعه الخاصة به، يجمع فيها القصائد التي تعجبه وتناسبه، وكذا.
القصص أو المعلومات التي تنفعه في القراءة، وليس الهدف من هذا المجموع عادةً التأليف والنشر، وإنما ليكون مصدراً يرجع له هو متى أراد ذلك، ولذا فإنك تجد في هذه المجاميع من الشعر القديم والحديث، ومن شعر الخطيب نفسه ومن أشعار غيره، وتجد فيه قصيدة فصيحة وبعدها أبوذية أو موّالاً، ثم تقرأ فيه حكمة أو قصة، وتعقبها قصيدة أو تخميس أو نحو ذلك، دون ترتيب أو تنظيم.
وبعض المجاميع لم تقتصر على الشعر، بل تعدّت ذلك إلى بعض الروايات أو القصص وربما بعض المسائل الابتلائية البسيطة، أو غيرها مما يحتاج له الخطيب عادة، وربما غلب على بعض المجاميع النثر، فكان حظها من الشعر قليلاً، فتجد فيها النقل من كتب المقاتل أو الكتب الروائية أو التاريخية المتاحة في ذلك الزمان.(2)
مجاميع الرجال ومجاميع النساء:
ويلاحظ أن (المجاميع) المستخدمة عند الخطيبات الحسينيات أكثر من الخطباء، ولعل ذلك يرجع إلى أن الخطباء يرتبون مجالسهم بالتحضير لها من هنا وهناك اعتماداً على القراءة في عدة مصادر إضافة للمخزون الثقافي لدى الخطيب ثم يرتبها بطريقته الخاصة.
بينما الخطيبات خصوصاً في السابق كنَّ يعتمدنّ اعتمادا تاماً على القراءة من المجاميع.
ولذا فيلاحظ أن مجاميع النساء تختلف عن مجاميع الرجال ، من حيث الشكل والمضمون.
أما الشكل فمجموع الخطيب مثل أي كتاب آخر، في ترتيبه وتغليفه، بل نراهم يأخذون أي دفتر فيجعلوه مجموعاً لهم.
أما مجموع النساء فيجلّد طولياً ، وتكتب صفحاته بطريقة عكسية فتكون الورقة (1) تبدأ من أعلى إلى أسفل ، وصفحة (2) تبدأ من أسفل (1) إلى أعلاها ، حتى تكون القراءة متسلسلة تناسب التغليف الطولي.

وأما المضمون فيتفقان في كثرة الأشعار الفصيح والشعبي، ويفترقان في بعض النواحي:
– لن تجد في مجاميع النساء مسائل شرعية مثلاً، أو معلومات غير المتعلقة بالجانب التاريخي.
– سترى في مجاميع النساء كثيراً من الروايات ـ سنتحدث عن (الرواية) في عنوان مستقل ـ .
– في مجاميع النساء أشعار شعبية كثيرة لا يتعامل معها الخطباء، وبعضها شعر قديم بأوزان هُجرت حالياً، وبعضها شعر نظمه كاتب الرواية نظماً أشبه بالنثر.
– الأشعار الموجودة في في مجاميع الرجال يتدخل فيها اختيار الخطيب وذوقه ، فهو يختار من القصيدة بعض أبياتها التي تعجبه، ويترك منها ما لا يتذوقه، بل أحياناً يتدخل في تغيير بعض الألفاظ أو بعض الأبيات، وربما أضاف لها من إنشائه أشطراً أو أبياتاً، بينما في مجاميع النساء تجد القصيدة كاملة دون تغيير أو إضافة.
الرواية:
لا شك أن معنى الرواية معلوم معروف للجميع ، فهي تعني الحديث المروي عن النبي أو أهل بيته، ولكن “الرواية” في مصطلح الخطباء القدامى، ربما تشير إلى معنى آخر.
فالرواية هنا تتعدى المعنى الاصطلاحي لها ، لتشمل القصة التي تحكيها هذه الرواية، بما عليها من تعليق أو شعر أو نحو ذلك، وهذا المصطلح لا زال مستعملاً في نواحينا عند النساء، حيث تطبع بعض الكتيبات الصغيرة بعنوان:
• رواية الخروج: خروج الإمام الحسين من مكة.
• رواية القاسم: تذكر قصة القاسم ابن الإمام الكاظم كاملة.
• رواية الرجوع: رجوع السبايا من الشام إلى كربلاء … إلخ.
بحيث أن هذه الرواية تشمل عدة أحاديث مرتبة حسبما صاغها مؤلف هذه الرواية، مضمَّنة بعض الأشعار التي تناسب المقام، وعادة ما تكون هذه الأشعار من الأشعار الشعبية، ذات الأوزان القصيرة، لتتناسب مع أسلوب قراءتها السردي، لأنها تقرأ وقت الموضوع، لا في ختام المصيبة.
ونلخص الكلام في الرواية بالنقاط التالية:
1. تحكي حادثة وقعت على أهل البيت .
2. مستقاة من عدة أحاديث تتكلم حول هذه الحادثة.
3. مضمنة أشعاراً شعبية تدور حول هذه الحادثة.
4. صياغتها بأسلوب الكاتب لها، فربما كان أسلوباً جزلاً قوياً، وربما كان أسلوباً ضعيفاً ركيكاً.
5. صحة الرواية أو عدم صحتها، وقوتها أو ضعفها ، يحتاج إلى العودة إلى أصل الروايات المعتمدة عليها للتحقق منها.
6. نسبة الشعر الموجودة بها، ربما تكون عسيرة، لأن أغلب الشعر الموجود بها، غير منسوب لشاعر معين، والقليل بل النادر منسوب لقائله، وبعض الشعر ينشئه كاتب الرواية حسب الموطن الذي يريد أن يلحقه به، حسبما سمعت من بعض من مارس هذا النوع من الكتابة.
الكنز المدفون:
يكمن الكنز الذي نعنيه في الأشعار الواردة في هذه المجاميع، وذلك لأن بعض هذه الأشعار من الشعر المعروف والمتداول، وهذا فيه فائدة للباحث للمقارنة ومراجعة المطبوع بالمخطوط، ومعلوم أنّ هذا نافع في العمل التحقيقي، خصوصاً فيما طبع اعتماداً على الجمع من عدة مصادر.
وبعض هذه الأشعار لم ينتشر بل بعضها لم يعرف إلا في هذه المجاميع، وهنا موطن البحث.
فحسب اطلاعي البسيط على بعض ما أتيح لي النظر فيه من هذه المجاميع، رأيت فيها فوائد كثيرة من هذا الجانب.
فبعض الشعر لشعراء معروفين ولكن في المجاميع زيادة على ما نشر لهم، وبعض القصائد في بعض المجاميع أكثر مما طبع، بل رأينا فيها شعراً لأشخاص لم يعرفوا بالشعر، فمن ترجم لهم لم يذكرهم من الشعراء بينما نجد لهم شعرا في هذه المجاميع، وطبعا هذا يأتي في الشعر الفصيح والشعبي، وسأكتفي بثلاثة أمثلة لهذا:
1. العلامة الشيخ ناصر الجارودي، علامة شهير وترجم له الكثير وطبع بعض نتاجه، إلا أنه وحسب الاطلاع والسؤال لم يشر أي أحد لأنه شاعر، وفي مجموع مخطوط للمرحومة السيدة زكية بنت السيد شبر ابن السيد مهدي القصاب “أم السيد شبر ابن السيد علوي القصاب” نجد قصيدة طويلة له:

وهي بخط الخطيب الحسيني والخطاط الشهير الملا سليم الجارودي، وقد ذيل إحدى القصائد في المجموع باسمه وتاريخ كتابته:

2. الفاضل الشيخ أحمد سنان: وفي مجموع للخطيبة الحسينية “أم صالح المعلم رحمها الله” رأينا تخميساً شعرياً للفاضل الشيخ أحمد آل سنان، وهو أيضا لم يعرف له شعر:

3. الملا علي بن ناصر آل توفيق: وفي مجموع للملاية “عائشة سعيد آل سنبل”، وقد ورثته من جدتها “الملاية سلمي حسن آل سنبل”، نجد قصيدة للملا علي بن ناصر آل توفيق ، وهو أيضاً ممّن لم يعرف له شعر غير هذه القصيدة، ويشير فيها إلى إحدى السنوات العجاف التي مرت بالمنطقة، وقال مقدِّماً لها:
“ولنختم هذا المجموع بأبيات خطرت ببالي ونطق بها لساني عند الصدمة وهي هذه:
من يوم حادي في الشهر صار المنيع
لا أحد منكم يشتري قلّه (3) ولا يبيع

ويقول في ختامها:
واحد نظر لي أو قال دفرج أبا شوف
العيش ما شوفه عليه اصطفت اصفوف
چنه المحشر والخلايق كلهم وقوف
والأمر إلى الله هالخلايق راحت جميع
ونرفع أمرنا للخلف حجة العلام
يمته نرى الرايات تخفق ويّا لعلام
وتنصر لدين المصطفى لا يضيع لسلام
خادمكم الجاني علي توفيق لا يضيع

هذه ناحية من هذا الكنز، وناحية أخرى، سنجد أن المتتبع لهذه المجاميع يستطيع أن يستخرج منها دواوين لشعراء عرفوا واشتهروا بالشعر، وإن ضاعت دواوينهم أو لم يجمع شعرهم في ديوان، وأشير أيضاً إلى بعض النماذج التي وقفت عليها.
1- ديوان الملا عبد الله الخباز: فقد ديوانه ثم وجد منه جزء، وبالتتبع للمجاميع وجد فيها ما فاق على الجزء الموجود، بحيث تشكّل من ذلك ديوان يربوا على (900) صفحة وأغلبها من هذه المجاميع.
2- الملا مكي آل مدن الجارودي: لم يعرف له ديوان مجموع، وإن عرف بالشعر وانتشر شعره وقتها بين الخطباء ، وبالتتبع للمجاميع جمع له ديوان سيرى النور قريباً إن شاء الله.


3- ومثله أخوه الملا سليم آل مدن الجارودي: حيث جمع شعره من المجاميع وشكل ديوانا صغيراً.


طبعاً هذا فضلاً عن كثير من المعلومات التي يستطيع الباحث أن يستخرجها من هذها المجاميع: أسماء شعراء، أسماء كتاب وخطاطين، تواريخ بعض الأشخاص وبعض القضايا، معلومات تاريخية… إلخ.
هذه نماذج بسيطة مما وقفت عليه “وعلى هذه فقس ما سواها”.
ــــــــــ
(1) مجلة المورد، العدد 4 الصادر في: 1 أكتوبر 1977، مقال “دوائر المعارف والموسوعات العربية والشرقية في 12 قرنا”، حسين علي محفوظ.
(2) على أعتاب الحسين – ج1، ص 18
(3) القلة وعاء كبير يصنع من الخوص لحفظ التمر.



