الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

زينب… الصوت الذي أبقى كربلاء حيّة

صُبرةالجمعة 26 يونيو 2026، 8:48 م
زينب… الصوت الذي أبقى كربلاء حيّة

أنفال السادة

ليست كل الشخصيات التي تحضر الأحداث جاءت لتصنعها؛ فبعض الأرواح خُلقت لتشهد؛ لأن الشهادة نفسها فعلٌ من أفعال الخلق، ولأن الحقيقة، مهما بلغت عظمتها، تحتاج إلى عين تراها، وذاكرة تحفظها، ولسان ينطق بها.

في كربلاء، كان السيف يؤدي دوره، وكان الدم يُسفك على الرمال، لكن كانت هناك رسالة أخرى لم تبدأ بعد؛ رسالة لا يحملها المقاتلون، ولا تنتهي باستشهادهم.

هناك، في قلب المأساة، كانت زينب…

لم تكن زينب بنت علي، عليها السلام، امرأةً وجدت نفسها مصادفة في كربلاء، ولم تكن مجرد أخت فقدت إخوتها، أو امرأة حملت الأيتام بعد انقضاء المعركة.

إن قراءة زينب، عليها السلام، بوصفها أختًا ثكلى أو امرأةً مفجوعة لا تكفي لفهم رسالتها؛ فكأن السماء لم تأتِ بها لتبكي فقط، بل جاءت بها لتشهد.

والشاهد، في الوعي الإنساني، ليس متفرجًا على الأحداث، إنما هو الحارس الأخير لمعناها.

الأحداث تموت إذا لم تجد من يرويها، والحقائق تُدفن إذا غاب من يشهد لها، والتضحيات تتحول إلى صمت إذا لم يحملها أحد إلى التاريخ.

لقد استشهد الحسين، عليه السلام، في كربلاء، لكن كربلاء نفسها كان يمكن أن تستشهد معه.

كان يمكن للرمال أن تبتلع الدم، وللسيوف أن تكتب روايتها الخاصة، وللسلطة أن تصوغ التاريخ كما تشاء، لولا أن الله أراد أن تبقى في قلب الميدان عينٌ ترى، وعقلٌ يحفظ، ولسانٌ يتكلم.

هنا يتجلى الدور الجوهري لزينب…

فهي لم تكن شاهدة على مقتل الحسين فحسب، بل كانت شاهدة على الإنسان حين يُسلب حقه، وعلى السلطة حين تفقد أخلاقها، وعلى المجتمع حين يلوذ بالصمت، وعلى الحق حين يُترك وحيدًا في مواجهة القوة.

كان وجودها في كربلاء أشبه بوجود الوعي داخل الجسد؛ فقد يسقط الجسد، لكن الوعي هو الذي يخبر العالم بما حدث.

ولعل أعظم ما قامت به زينب أنها نقلت المعركة من حدود المكان إلى امتداد الزمن، وحولت الهزيمة العسكرية إلى انتصار أخلاقي بقي حيًّا في الضمير الإنساني.

ففي عاشوراء انتهت المعركة، لكن في الكوفة والشام بدأت الرسالة.

لم تحمل زينب سيفًا، لكنها حملت الرواية، ولم تنتصر بالقوة، بل بالمعنى. وإذا كان التاريخ يكتبه المنتصرون، فإن كربلاء كانت استثناءً فريدًا؛ إذ كتبها الشاهد.

مثل الحسين صوتَ التضحية، بينما مثلت زينب ذاكرةَ التضحية. وإذا كان الحسين قدّم الدم، فإن زينب قدّمت الوعي الذي حفظ ذلك الدم من النسيان.

لم تكن رسالتها البكاء على المأساة، بل منع المأساة من أن تُنسى.

ولعل سر عظمتها أنها لم تكن شاهدة على كربلاء وحدها، بل أصبحت نموذجًا لكل إنسان يحمل الحقيقة بعد سقوط أصحابها، ولكل روح تقف أمام القوة لتقول: «لقد رأيت، ولن أصمت»، ثم تمضي، بعد كل ذلك الخراب، لتقول كلمتها الخالدة: «ما رأيتُ إلا جميلًا».

بعض الأرواح لا تأتي إلى الحياة لتغير مجرى الأحداث، بل لتمنع الحقيقة من أن تموت.

فكانت زينب… الحقيقة التي بقيت واقفةً حين سقط الجميع.