من المشروع الثقافي إلى المشروع المعرفي

محمد المخرق
تزدهر النهضات الثقافية حين تتحول المعرفة إلى مشروع وطني يُنتج، ويُدار، ويُستثمر، ويُورث للأجيال. وعند هذه المرحلة تتجاوز الثقافة حدود الفعاليات والمعارض والإصدارات، لتصبح جزءا من البنية التي تصوغ مستقبل المجتمع، وتشارك في بناء الإنسان، وتدعم مسيرة التنمية.
أثار حوار أجرته «الجزيرة الثقافية» مع الدكتور أحمد الشويخات حول الموسوعة العربية العالمية سؤالا يستحق التأمل: كيف تُدار المشروعات المعرفية بعد اكتمالها؟
يفتح هذا السؤال بابا يتجاوز حدود الموسوعة نفسها، ويمتد إلى مصير المشروعات المعرفية الكبرى بعد إنجازها. فإنتاج المعرفة يمثل بداية الرحلة، بينما تتحدد قيمتها بقدرتها على الاستمرار، والتجدد، والإسهام في إنتاج معرفة جديدة تخدم المجتمع.
حققت المملكة العربية السعودية، في ظل رؤية 2030، تحولا ثقافيا واسعا انتقلت معه الثقافة إلى مرحلة البناء المؤسسي. تأسست وزارة الثقافة، وانطلقت هيئاتها المتخصصة، واتسعت حركة الترجمة والنشر، وازدهرت الصناعات الثقافية، وأصبح الاستثمار في الثقافة أحد روافد التنمية الوطنية. وأسهم هذا التحول في ترسيخ بيئة ثقافية حديثة، وفتح آفاقا أوسع للإبداع، وتعزيز حضور الثقافة في الحياة العامة.
ومع كل مرحلة من مراحل البناء يبرز سؤال جديد. انصرفت الجهود في البدايات إلى تأسيس المؤسسات وإطلاق المبادرات، بينما تتجه المرحلة الحالية إلى تعظيم العائد المعرفي، وصيانة المنجزات، وتحويلها إلى أصول وطنية قادرة على إنتاج قيمة متجددة.
ومن هنا تكتسب الموسوعة العربية العالمية دلالة تتجاوز كونها مشروعا ثقافيا؛ فهي تمثل نموذجا لمئات المشروعات المعرفية التي راكمت خبرات علمية كبيرة، وشارك في بنائها باحثون ومتخصصون، وأصبحت جزءا من الذاكرة العلمية العربية. وتزداد قيمة هذه المشروعات كلما اتسعت مجالات الإفادة منها، وتنوعت التطبيقات التي تقوم عليها.
ويبدأ النجاح الحقيقي للمشروع المعرفي بعد اكتمال إنجازه. فالقيمة تظهر في قدرته على خدمة التعليم، ودعم البحث العلمي، وإثراء المحتوى العربي، والمساهمة في صناعة القرار، وتوفير المعرفة الموثوقة للأجيال المتعاقبة.
وهنا يبرز المشروع المعرفي بأنه الاستحقاق الطبيعي للمرحلة القادمة. فالمشروعات المعرفية تزدهر بالتحديث المستمر، والربط بالمؤسسات التعليمية، ومراكز البحث، والمكتبات، والمنصات الرقمية، وتوسيع فرص الوصول إليها، وتهيئة البيئة التي تسمح بإعادة إنتاجها في صور جديدة تتوافق مع التحولات العلمية والتقنية.
وقدمت التجارب العالمية شاهدا واضحا على ذلك. فالموسوعة البريطانية، التي كانت لعقود مرجعا ورقيا عالميا، أعادت تعريف حضورها مع التحول الرقمي، وانتقلت إلى منصة معرفية تُحدَّث باستمرار، فأصبحت أكثر انتشارا، وأسرع تطورا، وأوسع أثرا. ولم يتغير جوهرها المعرفي، بينما تطورت آليات إدارتها وإتاحتها، فاستمرت في أداء رسالتها عبر وسائط جديدة.
وتنسجم هذه الرؤية مع المرحلة التي تعيشها المملكة اليوم. فبعد نجاح مشروع البناء الثقافي، تبدو الحاجة قائمة إلى منظومة وطنية تُعنى بالمشروعات المعرفية، وتنظر إلى الموسوعات، والمعاجم، والأرشيفات، والترجمات، وقواعد البيانات على انها أصولا معرفية قابلة للنمو، وقادرة على إنتاج قيمة جديدة كلما تطورت احتياجات المجتمع.
ويمثل هذا التحول خطوة نوعية في مسيرة التنمية؛ لأن الاستثمار في المعرفة يمتد أثره إلى التعليم، والاقتصاد، والبحث العلمي، والابتكار، وصناعة المحتوى، ويعزز حضور المملكة في الاقتصاد المعرفي، الذي يشكل أحد أهم مرتكزات التنمية في العصر الحديث.
فالنهضة الثقافية تبلغ مرحلة جديدة حين تصبح المشروعات المعرفية جزءا من منظومة التنمية، وتتمتع بالقدرة على التجدد، واستثمار الخبرات التي تراكمت فيها، وتوسيع أثرها في المجتمع. وعندها تنتقل هذه المشروعات من مرحلة الإنجاز إلى مرحلة التأثير المستدام.
ومن هنا تبدو المرحلة القادمة امتدادا طبيعيا لما تحقق خلال السنوات الماضية. فالمشروع الثقافي أسس البنية، والمشروع المعرفي يمنحها القدرة على الاستمرار والتجدد، ويحول المنجزات إلى طاقة تنتج معرفة جديدة، وتدعم صناعة القرار، وتثري الحياة الثقافية.
فالحضارات تُعرف بقدرتها على إبقاء المعرفة حيّة، متجددة، ومتاحة، وقادرة على إنتاج معرفة جديدة مع كل جيل. وحين يصبح المشروع المعرفي جزءا من المشروع الوطني، تغدو الثقافة قوة تصنع المستقبل، وتحفظ الذاكرة، وتفتح آفاقا أوسع للتنمية والابتكار.



