في مثل هذا اليوم.. أول كارثة نفطية في تاريخ السعودية

القطيف: صُبرة
في مثل هذا اليوم 8 يوليو 1939؛ وقعت أول كارثة في تاريخ شركة أرامكو. اشتعل حريق 10 أيام، وسقط 5 قتلى، وخسرت الشركة أكثر من 100 ألف برميل من النفط الخام..
هذا هو المختصر.. وإليكم التفاصيل..
لم تكن الظهران قد أصبحت بعدُ عاصمةً للنفط، ولم تكن المملكة قد دخلت عصر الثروة البترولية الذي غيّر وجهها لاحقاً. كانت الحقول ما تزال فتية، والمنشآت محدودة، والعمال يخطّون بأيديهم أول فصول صناعة جديدة في صحراء شرق الجزيرة العربية.
وفي مثل هذه الأيام من يوليو 1939، شهدت المنطقة الشرقية حادثاً استثنائياً ظل محفوراً في ذاكرة العاملين الأوائل في النفط: حريق بئر الدمام رقم 12، الذي يُعد أول كارثة كبرى في تاريخ النفط السعودي.
شرارة في زمن البدايات
قبل عام واحد فقط، كان بئر الدمام رقم 7 قد أثبت وجود النفط بكميات تجارية في المملكة، منهياً سنوات طويلة من الحفر والبحث. وبدأت الأنظار تتجه إلى الظهران باعتبارها موقعاً واعداً قد يغيّر مستقبل البلاد.
في تلك المرحلة كانت شركة كاليفورنيا العربية للزيت (CASOC)، الاسم السابق لأرامكو السعودية، تعمل على توسيع عملياتها بسرعة، فيما كانت فرق الحفر والاختبار تنتقل بين الآبار الجديدة لتقييم قدراتها الإنتاجية.
وفي صباح الثامن من يوليو 1939، كان العاملون في بئر الدمام رقم 12 يجرون عمليات فنية روتينية مرتبطة باختبار البئر وتجهيزه للإنتاج، عندما وقع انفجار مفاجئ قلب المشهد بالكامل.

انفجار سُمع من بعيد
دوى الانفجار بقوة كبيرة، وتحوّل الموقع خلال لحظات إلى كتلة من اللهب.
اندفعت النار من فوهة البئر بعنف، وارتفعت ألسنة اللهب عشرات الأمتار في السماء، فيما بدأ النفط المتدفق من الأعماق بتغذية الحريق بصورة متواصلة.
كان المشهد مرعباً بالنسبة إلى العاملين الذين لم يسبق لكثير منهم أن شاهدوا حادثاً مماثلاً.
وفي غضون دقائق، تحولت منشآت الحفر إلى هدف مباشر للنيران.

برج ينهار أمام النار
أمام الحرارة الهائلة، بدأت الهياكل المعدنية المحيطة بالبئر تفقد قدرتها على الصمود.
ولم يمض وقت طويل حتى انهار برج الحفر المعدني بالكامل وسط النيران.
كان النفط يتدفق باستمرار من الأعماق، الأمر الذي جعل السيطرة على الحريق مهمة شديدة التعقيد، خصوصاً في زمن لم تكن فيه تقنيات مكافحة حرائق الآبار النفطية قد تطورت بالشكل المعروف اليوم.
الضحايا
خلف الحادث خسائر بشرية مؤلمة، وتشير الروايات التاريخية الموثقة التابعة لأرامكو إلى مقتل خمسة أشخاص، بينهم أمريكي واحد وأربعة سعوديين.
ومن الأسماء التي حفظتها الوثائق:
– بيل آيسلر (Bill Eisler)، أحد العاملين في الموقع.
– عبداللطيف عبدالله المخيطه، الذي كان من أوائل السعوديين العاملين في صناعة النفط الناشئة.
أما بقية الأسماء فلم تحظ بالشهرة نفسها، وظلت غائبة عن كثير من الروايات المتداولة رغم أنهم كانوا ضمن أوائل الرجال الذين شاركوا في بناء صناعة النفط في المملكة.

عشرة أيام
لم يكن الحريق حادثاً عابراً يمكن احتواؤه خلال ساعات، فمع استمرار تدفق النفط، تحولت عملية الإطفاء إلى معركة حقيقية.
عملت الفرق الفنية والإطفائية تحت ظروف بالغة الخطورة، في محاولة لإيقاف مصدر الوقود الذي يغذي النيران.
كانت المعدات المتاحة محدودة مقارنة بما هو موجود اليوم، كما أن الخبرة العالمية في التعامل مع حرائق الآبار النفطية لم تكن قد بلغت مستوى النضج الذي عرفته العقود اللاحقة.
ولهذا استمرت النيران مشتعلة قرابة عشرة أيام كاملة، وأصبح الحدث معروفاً في الأدبيات التاريخية لأرامكو باسم «الأيام العشرة في الدمام 12».
مئة ألف برميل
خلال أيام الحريق، استمرت كميات كبيرة من النفط في الاحتراق.
وتشير التقديرات التاريخية إلى أن نحو مئة ألف برميل من النفط الخام التهمتها النيران قبل السيطرة النهائية على البئر، وبمقاييس عام 1939، كان ذلك رقماً هائلاً.
فصناعة النفط السعودية آنذاك لم تكن قد وصلت بعد إلى مستويات الإنتاج الضخمة التي عُرفت بها لاحقاً، ولذلك مثلت الخسارة الاقتصادية ضربة مؤلمة لشركة ما تزال في طور التأسيس.
لماذا كان خطيراً؟
تكمن أهمية الحادث في توقيته أكثر من حجمه فقط، فالمملكة كانت تقف على أعتاب مرحلة جديدة.
وكان المستثمرون الأمريكيون يراقبون نتائج الاستكشاف بعناية، فيما كانت الآبار الجديدة تخضع للتقييم المستمر لمعرفة حجم الإمكانات الحقيقية للمنطقة، وقد جاء الحريق في لحظة حساسة للغاية.
فلو فشلت الشركة في تجاوز الأزمة، أو لو أثارت الكارثة شكوكاً كبيرة حول مستقبل الحقول، لربما تغير مسار الأحداث بصورة مختلفة، لكن ما جرى بعد ذلك كان العكس تماماً.
من النار إلى الانطلاقة
انتهت معركة الدمام 12، لكن أعمال الاستكشاف لم تتوقف، واصلت الشركة عمليات الحفر والتطوير، وتوالت الاكتشافات الجديدة خلال السنوات التالية.
ومع مرور الوقت تحولت الظهران من موقع صحراوي صغير إلى مركز إداري وفني لصناعة النفط، ثم إلى واحدة من أشهر المدن المرتبطة بالطاقة في العالم.
أما الحريق الذي أرعب العاملين في صيف 1939، فقد أصبح لاحقاً درساً مبكراً في السلامة الصناعية وإدارة المخاطر.
إرث أبعد من الخسائر
بعد نحو تسعة عقود من الحادث، لم يعد أحد يتذكر كمية النفط التي احترقت بقدر ما يتذكر الرجال الذين كانوا هناك.
رجال عملوا في ظروف قاسية، وسط بيئة صحراوية معزولة، وبمعدات متواضعة مقارنة بما هو متاح اليوم.
كانوا من الجيل الذي وضع الأساس لصناعة أصبحت لاحقاً أكبر صناعة نفطية في العالم.
ولهذا لا يُنظر إلى حريق الدمام رقم 12 باعتباره مجرد حادث صناعي، بل باعتباره لحظة مفصلية كشفت حجم التحديات التي واجهت الرواد الأوائل في سنوات التأسيس.
وفي مثل هذا اليوم من يوليو، تعود القصة لتذكّر بأن الطريق إلى الثروة النفطية لم يكن مفروشاً بالنجاح وحده، بل مرّ أيضاً عبر الخسائر والتضحيات والحرائق التي صنعت تاريخاً لا يزال أثره حاضراً حتى اليوم.



