الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

عائشة.. بكت الحسين وأبكت عليه نساء القطيف 55 سنة

صُبرةالجمعة 3 يوليو 2026، 9:00 ص
عائشة.. بكت الحسين وأبكت عليه نساء القطيف 55 سنة

الجش: زينب آل محسن

لم تكن فاطمة آل سنبل تطلب أكثر من أن تعيش ابنتها.

فقد أنجبت أربعة أبناء ذكور، وكلما وُلدت لها بنت خطفها الموت قبل أن تفرح بها طويلًا. وعندما حملت بطفلتها الأخيرة، عقدت نذرًا في قلبها: إن كتب الله لهذه المولودة الحياة، فستسميها «عائشة». واستجاب القدر للدعاء، فعاشت الطفلة، وكبر معها اسمٌ سيصبح لاحقًا من أندر الأسماء على المنبر الحسيني النسائي في القطيف.

ولم يكن الاسم وحده ما يميز عائشة آل سنبل، بل الطريق الطويل الذي سار معه. فاليوم، وهي تقترب من السبعين من عمرها، تحمل في ذاكرتها أكثر من خمسة وخمسين عامًا من قراءة المجالس الحسينية، وفي بيتها إرثًا ورقيًا يعود بعضه إلى سنة 1319هـ، وربما إلى ما قبل ذلك.

مجاميع حسينية

جذور تمتد إلى الدلم

ولدت عائشة في أسرة سكنت الجش، بينما تمتد جذور العائلة إلى الدلم في محافظة الخرج، حيث وُلد جدها عيسى قبل أن يهاجر إلى القطيف ويستقر فيها. وهناك نسجت الأسرة حضورها بين التجارة والتعليم وخدمة المجالس الحسينية.

كان والدها، الحاج سعيد بن علي آل سنبل، تاجرًا معروفًا، لكنه لم يرَ أن تعليم البنات ترفًا. وحين بلغت ابنته التاسعة من عمرها، أرسلها إلى الحاج محمد حسن آل مهنا لتتعلم القرآن الكريم. وكان آل مهنا أحد أبرز أعلام الجش، ومن أوائل الخطباء الحسينيين فيها، فكانت تلك السنوات الأولى هي البذرة التي ربطت الطفلة بالكلمة المقروءة، قبل أن ترتبط لاحقًا بالكلمة المسموعة فوق المنبر.

لكن البذرة وحدها لم تكن كافية. فقد كانت الجدة سلمى آل سنبل، المعروفة بين الناس باسم «أم سعيد»، هي المدرسة الأخرى في حياتها.

مخططات قديمة

لم تكن الجدة مجرد ملاية تقرأ في المجالس، بل كانت واحدة من النساء اللواتي حملن المنبر الحسيني في زمن كانت الملاية تسافر فيه بين القرى والبلدات وهي تحمل معها مكتبتها الصغيرة.

وكانت تمتلك عددًا كبيرًا من المجاميع الحسينية، جمعته على مدى سنوات طويلة، حتى أصبحت تلك المجاميع جزءًا من شخصيتها، قبل أن تصبح لاحقًا جزءًا من ميراث حفيدتها.

وحين آلت تلك الكتب إلى عائشة، لم تكن تتسلم أوراقًا قديمة، بل كانت تتسلم تاريخًا كاملًا.

في تلك المجاميع روايات، وقصائد فصيحة وشعبية، ودواوين لشعراء حسينيين من القطيف والخليج والعراق. بعضها مطبوع، وبعضها مخطوط، وبعضها نُسخ يدويًا مرة بعد أخرى خوفًا من ضياعه. وتحمل بعض الصفحات تاريخ 1319هـ، فيما يرجح أن بعضها أقدم من ذلك.

مخططات قديمة

واليوم، وبعد أكثر من قرن، لم تعد تلك الأوراق كما كانت. اصفرّت حتى مالت إلى اللون البني، وتآكلت أطرافها، وأصبحت بعض صفحاتها شديدة الهشاشة، لكن الزمن لم يستطع أن ينتزع منها قيمتها.

فما زالت شاهدة على أصوات الملايات، وعلى دموع النساء، وعلى المجالس التي كانت تنتقل من بيت إلى آخر، فيما تحمل الملاية دفاترها ملفوفة بـ«الرومال» أو الدسمال الأحمر، كأنها تحمل جزءًا من الذاكرة الجماعية للمجتمع.

شريك رحلة المنبر

وفي الخامسة عشرة من عمرها، انتقلت عائشة إلى بيت زوجها، المعلم خالد عبدالرزاق آل سنبل، أحد أوائل المعلمين النظاميين في الجش، الذي عمل في تاروت والملاحة، قبل أن يختم حياته الوظيفية معلمًا في بلدته. ورحل في العشرين من محرم من العام الماضي، لكنه بقي حاضرًا في حديثها بوصفه الزوج الكريم الحنون، الذي لم يبخل عليها يومًا بدعم أو تشجيع.

نسخ لقصيدة حسينية بخط الملاية عائشة

ولم يكن دعمه عاطفيًا فقط، بل كان شريكًا حقيقيًا في رحلتها مع المنبر. كان يشتري لها المجاميع الحسينية، ويوفر لها ما تحتاج إليه، ويمنحها الثقة لتواصل القراءة، في وقت لم تكن فيه هذه المهمة سهلة على كل امرأة.

ولم تُرزق عائشة بأبناء، لكن بيتها لم يعرف معنى الوحدة. فقد فتحت قلبها لأبناء العائلة، فأحبتهم وربتهم وأحاطتهم بعطفها، حتى أصبحت بالنسبة إلى كثير منهم أمًا حقيقية بالمحبة والرعاية، وإن لم تجمعها بهم صلة الأمومة المباشرة.

وكان للبيت الذي انتقلت إليه أثر آخر في مسيرتها.

ففي منزل عمها ووالد زوجها، الحاج عبدالرزاق آل سنبل، كانت المجالس الحسينية تُقام باستمرار للرجال والنساء، ويتوارث الأبناء هذا الاهتمام عن الآباء. وحتى القراءة نفسها كان لها مكانها الخاص؛ إذ خُصصت غرفة كاملة لإعداد الملايات ومراجعة النصوص، وهناك وجدت عائشة مكانها الطبيعي.

ديوان للشاعرة معصومة الحداد من مطبوعات النجف

حفيدة الملاية سلمى «أم سعيد»

وتتذكر أن خالتها الراحلة «أم علي» كانت صاحبة الفضل الأكبر في تشجيعها على الوقوف للقراءة. بدأت من مجلس العائلة، ثم انتقلت إلى مجالس أخرى، واتسعت التجربة عامًا بعد عام، حتى أصبحت من الملايات المعروفات في محيطها.

واليوم، حين تنظر إلى حياتها، تبدو كأنها تجمع أكثر من سيرة في امرأة واحدة؛ فهي ابنة بيت عريق في الجش، وحفيدة الملاية سلمى «أم سعيد»، وزوجة أحد أوائل المعلمين النظاميين، وخطيبة حسينية حملت اسمًا يكاد يكون الوحيد من نوعه على المنبر النسائي، ووريثة لمجاميع تجاوز عمر بعضها 125 عامًا.

ولها أربعة إخوة أشقاء، وخمسة إخوة غير أشقاء، لكنها في محيطها العائلي لم تكن مجرد أخت أو خالة أو عمة، بل كانت أمًا ثانية لأبناء الأسرة، تمنحهم من حنانها ما جعل بيتها بيتًا للجميع.

وبين الاسم الذي جاء وفاءً لنذر أم، والمجاميع التي وصلت إليها من يد جدتها، تمتد قصة إنسانية تتجاوز حدود السيرة الشخصية.

ديوان منذ العام 1319 هـ

إنها قصة امرأة حملت صوت الحسين أكثر من نصف قرن، وقصة نساء حفظن المنبر في دفاترهن قبل أن يحفظنه في أصواتهن، ثم سلّمن تلك الأمانة جيلًا بعد جيل.

ولهذا لم تعد تلك المجاميع القديمة مجرد كتب تحفظ على الرفوف، بل أصبحت وثائق حية لذاكرة المجالس النسائية في القطيف، وشاهدًا على زمن كانت فيه الملايات يصنعن من دفاترهن منابر متنقلة، يحملنها حيث يكون العزاء، ويتركن بين صفحاتها شيئًا من أصواتهن ودموعهن لمن يأتي بعدهن.

رواية الهلال

بلدات:القطيف