الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

حين تهزم الذاكرة الموت

صُبرةالإثنين 6 يوليو 2026، 10:00 ص
حين تهزم الذاكرة الموت

نزار المصطفى

ما إن بدأت أقرأ هذه القصيدة حتى أدركت أنني لست أمام رثاءٍ بالمعنى الذي ألفناه، ولست أمام بكاءٍ على راحلٍ غيّبه الموت، وإنما وجدت نفسي أمام تجربة شعرية مختلفة تمامًا. أيها الشاعر علي الفرج، لقد أخذتني منذ السطر الأول إلى فضاء آخر، وألغيت المسافة بين الحضور والغياب، وبين الذاكرة والفناء، وبين الإنسان والتراب.

لم أقف معك عند قبر الراحل لأستعرض مناقبه، بل وجدتني أسير معك إلى المنطقة الأكثر عمقًا؛ حيث يتحول الراحل إلى ذاكرة حيّة تتجاوز حدود الجسد، ويصبح الحزن سؤالًا وجوديًا يتأمل معنى البقاء والزوال.

ومنذ المطلع شعرت أنك تضعني أمام صورة شعرية غير مألوفة، حين تقول:

«أدخل كفّيك بذاكرتي، واغرس ألوانك بين شقوق عيوني»

توقفت طويلًا أمام هذا المطلع، لأنك لم تطلب من الراحل أن يعود إلى الحياة، وإنما دعوته إلى أن يعود إلى الذاكرة. وهنا أدركت أن الذاكرة عندك ليست خزانًا للصور الماضية، بل أرض خصبة قابلة للزرع، وأن الألوان ليست ألوان الطبيعة، بل ألوان الروح. أما شقوق العيون، فقد رأيتها جراحًا أحدثها الفقد، ولم يعد قادرًا على رأبها إلا حضور ذلك الراحل في الوجدان.

ثم أخذني تكرارك:

«أنت… وأنت… وأنت…»

فلم أشعر أنني أمام تكرار لفظي، بل أمام استغاثة روحية، وأمام قلب لم يعد يرى في هذا العالم إلا صورة واحدة ملأت عليه منافذ الشعور. لقد بدا لي هذا التكرار كشفًا صادقًا عن حالة نفسية تجاوزت حدود اللغة، فلم تجد وسيلة للتعبير إلا إعادة الاسم ذاته، وكأن كل نداء محاولة جديدة للإمساك بمن أفلت من اليد، ولم يفلت من القلب.

ثم وقفت مبهورًا أمام قولك:

«لنافذتي أبعاد تفتح صمت الأشياء»

هنا أدركت أن النافذة لم تعد نافذة تطل على الخارج، بل نافذة تطل على الداخل، على المعاني المختبئة وراء الأشياء. لقد جعلتني أرى أن الصمت ليس غيابًا للصوت، بل امتلاءً بالمعاني التي يعجز اللسان عن قولها. ومن هنا بدأت رحلتي معك في استنطاق الصمت، لأن الفقد يجعل الأشياء أكثر صمتًا، ويجعل الإنسان أكثر إصغاءً.

ثم جاءت الصورة التي أعدها من أبدع صور القصيدة كلها:

«اضحك من خلف زجاجة هذا القدر الجاثم فوق رموشي»

توقفت أمامها طويلًا، لأنني رأيت القدر يتحول إلى حاجز شفاف يفصل بين عالمين. نحن نرى من نحب، ولكننا لا نستطيع أن نصل إليه. إننا نكاد نلامسه بأرواحنا، غير أن يد الموت تبقيه خلف ذلك الزجاج الذي لا ينكسر. وقلت في نفسي: ما أوجع هذه الصورة، وما أعمقها، لأنها تختصر مأساة الإنسان كلها أمام الموت.

ثم أخذتني إلى مساحة أخرى أكثر دفئًا حين قلت:

«ستصارحني رئتاك عن الضوء المحمول على كتفيك»

فلم أر في هذا الضوء نورًا حسيًا، وإنما رأيت نور السيرة، وضوء الأخلاق، وإشراق المواقف، وكل ذلك الإرث الجميل الذي يحمله الإنسان معه حتى بعد أن يغيب جسده. لقد شعرت أنك لا ترثي الجسد، وإنما تحتفي بالأثر الذي بقي حيًا بين الناس.

ولما ربطت هذا الضوء برائحة النخل الأخضر، ازداد إعجابي بالصورة. فقد أحسست أن النخلة هنا ليست مجرد شجرة، وإنما رمز للعطاء، والثبات، والأصالة، والجذور الممتدة في الأرض. وهكذا لم يعد الراحل فردًا فحسب، بل أصبح جزءًا من ذاكرة المكان، ومن أخلاق الأرض التي عاش عليها، حتى كأن رائحته امتزجت برائحة النخيل.

ثم وجدتني أتوقف طويلًا أمام قولك:

«تتقوس كل اللحظات على عيني حزنًا»

وهنا بلغ تأثير الصورة في نفسي مبلغًا كبيرًا. لقد رأيت الزمن نفسه يفقد اعتداله تحت وطأة الفقد. لم تعد اللحظات تمضي في خط مستقيم كما اعتدنا أن نتخيلها، وإنما انحنت، وتقوست، وكأن الحزن أصبح قوة خفية تعيد تشكيل الزمن ذاته. وهذه من الصور التي لا تُقرأ بعين اللغة وحدها، بل تُحس بالقلب قبل العقل.

ثم انتقلت بي إلى صورة أخرى لا تقل جمالًا وعمقًا حين قلت:

«واقرأ في ساعتي المغروسة في حائط عمري، ستهرول كل دقائقها في ماء وجودك»

وأعترف لك أنني توقفت عند هذه الصورة أكثر من مرة. فالساعة في وعينا رمزٌ للزمن الذي يمضي بنا نحو الغياب، أما عندك فقد انقلبت المعادلة، إذ أصبحت الدقائق هي التي تهرول نحو الراحل، لا بعيدًا عنه. وكأن الزمن، في حضرة المحبة، يتخلى عن قوانينه المألوفة، ويعود إلى من ترك أثره في القلوب. إنها مفارقة شعرية بديعة لا يملك القارئ إلا أن يتأملها بإعجاب.

ثم بلغتُ معك جوهر القصيدة كله عند قولك:

«واقرأني كي ألمس ذاتي»

وهنا شعرت أنني أمسكت بالمفتاح الحقيقي للنص. لقد أيقنت أنك لا تبحث عن الراحل وحده، وإنما تبحث عن نفسك من خلاله. فالإنسان حين يفقد شخصية عظيمة أحبها، لا يفقدها وحدها، بل يفقد معها جزءًا من تعريفه لنفسه، وجزءًا من ذاكرته، وجزءًا من روحه. لذلك بدا لي استحضارك للراحل محاولةً لاستعادة ذاتك أنت، لا مجرد استعادة ذكراه.

ثم أخذت القصيدة ترتفع بي شيئًا فشيئًا، حتى خرجت من دائرة الرثاء إلى فضاء التأمل الفلسفي، حين قلت:

«إني أعلم: الموت حروف تتآكل من فوق أصابعك المنصوبة»

وأحسب أن هذه الصورة من أكثر صور القصيدة إدهاشًا. فأنت لم تجعل الموت ظلامًا، ولا نهاية، ولا غيابًا، بل جعلته حروفًا تتآكل. وما أعمق هذا التصوير! لأن الإنسان، في النهاية، يتحول إلى سيرة، وإلى كلمة، وإلى ذكرى، وإلى أثر. وكأن الموت لا يمحو الإنسان دفعة واحدة، وإنما يبدأ بمحو حروفه، بينما يظل الشعر يحاول أن يعيد كتابة تلك الحروف من جديد، حتى لا يطويها النسيان.

ثم جاءت الخاتمة، فإذا بي أقف أمام واحدة من أكثر الصور رسوخًا في ذاكرتي:

«القبر عجوز لا يحسن أن يتوكأ، لا يحسن أن يخفي شيئًا أعلى من قامته المكسورة»

وأقول لك بكل صدق: ما أروع هذه الصورة، وما أكثر ما حملته من دلالات. لقد صغّرت القبر، ولم تصغّر الإنسان. جعلت القبر كائنًا عاجزًا، محدود القدرة، لا يستطيع أن يخفي القامات الكبيرة، ولا أن يحجب الأثر النبيل. نعم، الأجساد قد تسكن التراب، لكن السيرة المضيئة، والقيم العظيمة، والذكريات الصادقة، كلها أكبر من أن يحتويها قبر، وأعلى من أن تطمرها حفرة.

وهنا انتهيت إلى قناعة راسخة، وأنا أفرغ من قراءة هذه القصيدة، بأنني لم أقرأ نصًا يرثي راحلًا، وإنما قرأت قصيدة تواجه الموت نفسه. وفي هذه المواجهة لم يكن المنتصر هو الموت، بل كانت الذاكرة، وكانت المحبة، وكان الشعر. لقد شعرت أن كل صورة في هذه القصيدة كانت تنتزع الراحل من الغياب لتعيده إلى الحضور، وكأنك أردت أن تقول لنا إن الإنسان الذي عاش للخير، وترك أثرًا في الناس، لا يغيب حقًا، وإنما ينتقل من الوجود في الحياة إلى الوجود في القلوب.

لهذا خرجت من قصيدتك وأنا أكثر يقينًا بأن الشعر الحقيقي لا يبكي الموتى، بل يمنحهم حياةً أخرى، وأن الكلمة الصادقة قد تكون، في بعض الأحيان، أقوى من الموت نفسه.

حُرُوفٌ تَتَآكَلُ

مُهداةٌ إلى صديقي الوفي نزار المصطفى؛ فهي على لسانه، إذ استعرتُ قلبه وكلماته المغلّفة لأناغي بها روح والده المرحوم الحاج علي المصطفى، فهي له وعنه..

أَدْخِلْ كَفَّيكَ بِذَاكِرَتِي

واَغْرِسْ أَلْوَانَكَ بَيْنَ شُقُوقِ عُيُونِي

أَنْتَ ..

وَأنتَ ..

وَأَنْتَ..

لِنَافِذَتِي أَبْعَادٌ تَفْتَحُ صَمْتَ الْأَشْيَاءْ

اضْحَكْ ..

مِنْ خَلْفِ زُجَاجَةِ هَذَا الْقَدَرِ الْجَاثِمِ فَوْقَ رُمُوشِي

سَتُصَارِحُنِي رِئَتَاكَ عَنِ الضَّوْءِ الْمَحْمُولِ

عَلَى كَتِفَيْكَ

وَأُصَارِحُ كُلَّ كُرَيَّاتِ دِمَاكَ الْمَزْرُوعَةِ

فِي رَائِحَةِ النَّخْلِ الأَخْضَرِ

ظِلُّكَ .. لَمْ يَتَشَقَّقْ

حَدِّقْ مِنْ ثُقْبِ صَلَاتِكِ فِي لَوْنِي

حَدِّقْ ..

تَتَقَوَّسُ كُلُّ اللَّحَظَاتِ عَلَى عَيْنِيْ حُزْنًا

خَطَوَاتٌ تَسْكُنُ أَرْصِفَتِي الْمُلْقَاةِ عَلَى صَحْرَائِي

كَمْ كَانَتْ تَعْلَقُ فِي قَدَمَيْكَ

* * *

أَدْخِلْ كَفَّيْكَ بِذَاكِرَتِي

واَقْرَأْ فِي سَاعَتِيَ الْمَغْرُوسَةَ فِي حَائِطِ عُمْرِي

سَتُهَرْوِلُ كُلُّ دَقَائِقِهَا

فِي مَاءِ وُجُودِكْ

وَاقْرَأْ وَجْهِي الْمَنْقُوعَ بِمِلْحِ الْغُرْبَة

حَتَّى لَا تَهْرُبَ أَلْوَانِي

وَاقْرَأْنِي كَيْ أَلْمَسَ ذَاتِي

* * *

أَدْخِلْ كَفَّيْكَ بِذَاكِرَتِي

إِنِّي أَعْلَمْ:

الْمَوْتُ حُرُوفٌ تَتَآكَلُ مِنْ فَوْقِ أَصَابِعِكَ الْمَنْصُوبَةْ

الْقَبْرُ عَجُوزٌ

لَا يُحْسِنُ أَنْ يَتَوَكَّأ

لَا يُحْسِنُ أَنْ يُخْفِيَ شَيْئًا أَعْلَى مِنْ قَامَتِهِ الْمَكْسُورَة