أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

عبدالخالق عبدالحي.. أستاذ العلوم السياسية الذي باع «الخنفروش» ونظّف غرف فندق الخاجة

صُبرةالثلاثاء 7 يوليو 2026، 9:00 ص
عبدالخالق عبدالحي.. أستاذ العلوم السياسية الذي باع «الخنفروش» ونظّف غرف فندق الخاجة

القطيف: زينب آل محسن

عند الثانية ظهراً، كان جرس المدرسة يعلن نهاية الدوام. أما بالنسبة لعبدالخالق عبدالله آل عبدالحي، فكانت تلك اللحظة بداية يوم جديد.

يحمل حقيبته، ويغادر القطيف إلى الظهران على متن حافلات أرامكو، ثم يستقل سيارة أجرة إلى الخبر، ليباشر عملاً يمتد ثماني ساعات في فندق خاجة.

هناك، لم تكن مهمته واحدة. تنقّل بين تنظيف الغرف، وتشغيل السنترال، وإدارة المستودع، وإعداد الطعام، والاستقبال. وعند انتهاء العمل، يعود إلى البيت وهو يحمل في داخله هدفاً واضحاً؛ أن يواصل تعليمه مهما بلغت مشقة الطريق.

ذلك الصبي الذي كان يقضي نهاره بين المدرسة والعمل، سيجلس بعد سنوات على الطرف الآخر من الرحلة، أستاذاً في قسم العلوم السياسية بجامعة الملك سعود.

بداية صنعتها المسؤولية

بعد وفاة والده عبدالله، وجدت الأسرة نفسها أمام مسؤوليات كبيرة. وكانت أوقاف العائلة تمر بمرحلة لم تحقق فيها دخلاً يكفي احتياجاتها، فدخل عبدالخالق سوق العمل في سن مبكرة، بينما ظلت الدراسة محور مشروعه الشخصي.

كانت أولى محاولاته التجارية تدور في منزل العائلة بحي القلعة، المعروف بـ«البارجة». باع ثمار الكنار والكعك التي تنتجها أشجار المنزل، ثم التفت إلى فتحة قديمة في جدار البارجة كانت مخصصة لإلقاء النفايات من الطابق العلوي إلى الأرض.

نظفها، وأعاد استخدامها، وحولها إلى نافذة صغيرة يبيع منها الحلويات واليانصيب، لتصبح أول متجر يصنعه بيديه.

طفل البراحة

في شهر رمضان، انتقلت التجارة إلى «براحة الحليب»، حيث باع الخنفروش والبهلوان والعقيلي، في زمن كانت صناعة الكيك تحتاج إلى أدوات خاصة وخبرة وصبر طويل.

ثم استأجر دكاناً بجوار البارجة، وحوله إلى بقالة صغيرة يبيع فيها النخي، والفاصوليا، واللوبياء، والباقلاء المسلوقة، كما صنع الصبعبلي، والإيسكريم، وغزل البنات.

واتسعت دائرة التجربة مع مرور السنوات، فعمل في «بنشري» بن فردان، ثم في محل للخضار بالدمام، وبعدها موزعاً للمشروبات، قبل أن يستقر في فندق خاجة بالخبر، الذي كان يحرص على شراء احتياجاته اليومية من سوق القطيف.

عبدالخالق آل عبدالحي أمام فندق الخاجة

مدرسة الحياة

يتحدث الدكتور عبدالخالق عن تلك السنوات بابتسامة وحنين، ويصفها بأنها المدرسة التي صاغت شخصيته.

فالبيع علمه الحساب، والطريق علمه الصبر، والعمل اليومي علمه الانضباط، والاحتكاك بالناس منحه فهماً مبكراً للمجتمع، بينما صنعت المسؤولية لديه قدرة على اتخاذ القرار وتحمل نتائجه.

وخلال الفترة بين عامي 1965 و1971، كان طالب المرحلتين المتوسطة والثانوية يعمل براتب بلغ 300 ريال، ويواصل دراسته في الوقت نفسه، وهو يحمل قناعة راسخة بأن التعليم هو الطريق الأوسع للمستقبل.

الطريق إلى الجامعة

وُلد الدكتور عبدالخالق عبدالله آل عبدالحي في القطيف عام 1950، وأكمل دراسته الثانوية في حي المدارس، ثم انتقل إلى الرياض ملتحقاً بكلية التجارة.

هناك أيضاً، واصل العمل إلى جانب الدراسة، فقاد سيارة أجرة بسيارته الخاصة لتوفير نفقات الجامعة، حتى تخرج عام 1976 بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى، ضمن الدفعات المبكرة في تخصص العلوم السياسية.

بعدها حصل على بعثة إلى مدينة دنفر الأمريكية، وهي التجربة التي يصفها بأنها كانت نقطة تحول كبيرة في حياته، لما وفرته من احتكاك بثقافات وأساليب تفكير ومناهج أكاديمية مختلفة.

وكان يكتفي بنحو ست ساعات من النوم، ويمنح بقية يومه للدراسة، حتى تمكن من اللغة الإنجليزية، وواصل رحلته العلمية نحو الدكتوراه.

أستاذ الجامعة

عاد عبدالخالق إلى المملكة حاملاً درجة الدكتوراه، وعُيّن أستاذاً مساعداً في جامعة الملك سعود عام 1983، بعد أن عمل معيداً بين عامي 1976 و1977، ثم واصل مسيرته الأكاديمية في قسم العلوم السياسية حتى تقاعده.

وخلال سنوات الجامعة، جمع بين التدريس والبحث العلمي، وأسهم في تخريج أجيال من طلاب العلوم السياسية.

عقل التاجر

لم تغادر التجارة شخصية عبدالخالق بعد انتقاله إلى العمل الأكاديمي.

افتتح مع أحد شركائه مطعم «الروشن» في الرياض، عند تقاطع طريقي العليا والملك عبدالله حالياً، ثم أسس مكتباً لخدمة الطلاب، قبل أن يتفرغ لعمله الجامعي.

الدكتور عبدالخالق آل عبدالحي مع زملائه

كما خاض تجارب في سوق الأسهم والعقار، وعمل على تطوير أملاك الوقف العائلية وتحويلها إلى مشاريع تجارية واستثمارية، لتنمو مواردها بصورة أكبر.

ويرى أن التجارب التجارية المبكرة رسخت لديه التفكير العملي، ودقة الحساب، والترشيد في اتخاذ القرار، وأثرت في طريقته في قراءة التفاصيل الصغيرة قبل بناء الأحكام الكبرى.

كما خاض تجارب في العمل الحقوقي واهتم بالوعي الحقوقي بوصفه جزءا من تطور المجتمعات الحديثة، لا مجرد إطار قانوني منفصل عن الثقافة والإنسان فكان عضو مؤسس في الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان بالمملكة.

بجانب الدكتور عبدالرحمن القاسم

أثر الأم

وسط هذه السيرة العملية، تحتفظ والدته بمكانة خاصة في ذاكرته.

كان يراها تعمل في الخياطة للمساهمة في إعالة الأسرة، ويشاهد نساء القرى والبادية وهن يحملن أعباء الحياة والعمل، فتشكلت لديه مبكراً أسئلة حول مكانة المرأة ودورها في المجتمع.

كبرت تلك الأسئلة مع سنوات الدراسة، وقادته إلى البحث في النصوص الشرعية، وإلى دراسة الفجوة بين الحقوق التي قررها الإسلام، وبين الممارسات الاجتماعية التي حدّت من حضور المرأة.

دعوة للقاء حول المرأة مع الدكتور عبدالخالق آل عبدالحي

وتوج هذا الاهتمام برسالته للدكتوراه التي حملت عنوان: «دور المرأة في الحياة العامة: مقارنة بين تعاليم الإسلام وتفسيرات المسلمين مع التركيز على المملكة العربية السعودية».

ويرى الدكتور عبدالخالق أن المرأة تمتلك القدرات الذهنية نفسها التي يمتلكها الرجل، وأن العلم والخبرة والتقوى هي معايير التفاضل، بينما يعكس الحضور المتنامي للمرأة السعودية حجم الطاقات التي وجدت اليوم مساحات أوسع للمشاركة والعطاء.

مع بعض عائلته

سيرة صعود

حين تُقرأ سيرة عبدالخالق آل عبدالحي، تبدو كل محطة امتداداً لما قبلها.

فالطفل الذي باع الخنفروش في براحة الحليب، هو نفسه العامل الذي نظف غرف فندق خاجة، وهو الطالب الذي قاد سيارة أجرة في الرياض، وهو الأستاذ الجامعي الذي عاد حاملاً الدكتوراه، وهو المستثمر الذي طوّر أملاك الوقف العائلية.

إنها رحلة بدأت من حي صغير في القطيف، وامتدت إلى قاعات الجامعة، وصاغتها المبادرة والعمل والتعليم، حتى أصبحت سيرة إنسان آمن بأن الفرص تُصنع بالإرادة، وأن الطريق يتسع لكل من يواصل السير فيه.

في ضيافة “صبرة”