هل أسست الحكاية الشعبية للرواية الحديثة في مجتمعنا؟

عيد الناصر
أمامنا سؤال يستحق التأمل: هل أسست الحكاية الشعبية العربية للرواية الحديثة في مجتمعنا؟ وربما يكتسب هذا السؤال أهمية أكبر حين نطرحه على منطقة مثل القطيف، وهي منطقة تاريخية عاشت على هذه الأرض منذ آلاف السنين، واحتفظت عبر تاريخها الطويل بقدر كبير من الحكايات والأساطير والقصص الشعبية والذاكرة الجماعية.
الرأي الغالب بين النقاد ومؤرخي الأدب هو أن الحكاية الشعبية العربية لم تؤسس بصورة مباشرة للرواية العربية الحديثة. فمنذ قرون طويلة عرف العرب السير الشعبية والقصص المتوارثة مثل سيرة عنترة بن شداد، وألف ليلة وليلة، والسيرة الهلالية، وسيرة الظاهر بيبرس وغيرها من الأعمال التي شغلت المخيال الشعبي لأجيال متعاقبة. ومع ذلك لم تظهر الرواية العربية بوصفها فناً أدبياً مستقلاً إلا في مطلع القرن العشرين متأثرة بالرواية الأوروبية الحديثة وتقنياتها وأساليبها الفنية.
صحيح إن الروائيين العرب عادوا لاحقاً إلى التراث السردي العربي واستفادوا من السير الشعبية والمقامات والحكايات التراثية في إثراء أعمالهم وربطها بجذورها الثقافية، إلا أن هذه العودة جاءت بوصفها عملية استلهام وإعادة توظيف، لا بوصفها امتداداً تاريخياً متصلاً قاد بصورة طبيعية إلى نشوء الرواية الحديثة كما حدث في أوروبا.
وفي المملكة العربية السعودية يسجل مؤرخو الأدب أن البدايات الأولى للرواية كانت مع رواية “التوأمان” لعبد القدوس الأنصاري عام 1930م، ثم جاءت أعمال أحمد السباعي ومحمد علي مغربي في أربعينيات القرن الماضي، قبل أن تدخل الرواية السعودية مرحلة أكثر نضجاً فنياً مع رواية “ثمن التضحية” لحامد دمنهوري عام 1959م.
أما في منطقة القطيف، فيشار إلى رواية “شيخة” التي كتبها الأديب الراحل علي أبو السعود عام 1954م (كتبت في ضهور الباشق، لبنان)، إلا أنها لم ترَ النور إلا عام 2014م، أي بعد أكثر من ستة عقود من كتابتها، بعد مراجعتها وإعدادها للنشر من قبل الأديب عدنان السيد محمد العوامي، وتظهير الروائي عبد الله العبد المحسن، وقام بطباعتها نادي المنطقة الشرقية الأدبي.
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر إثارة للاهتمام: كيف لمنطقة عرفت الاستقرار البشري منذ آلاف السنين، وامتلكت هذا الرصيد الكبير من الحكايات والقصص والأساطير، أن تتأخر فيها الرواية الحديثة إلى هذا الحد؟
يبدو لي أن المشكلة لم تكن في غياب الحكاية، بل في غياب الشروط الاجتماعية والثقافية التي تحول الحكاية إلى رواية مكتوبة.
فالقطيف عرفت قصص البحر والغوص والسفر إلى الهند وشرق أفريقيا، وعرفت الحكايات الشعبية وقصص الجن والأماكن المهجورة والعيون والنخيل. كما تميزت تاريخياً بحضور “المنبر والمجالس الدينية” التي قامت بدور محوري في نقل السرد التاريخي والعاطفي عبر الأجيال؛ حيث كان المنبر يمثل شكلاً مهماً من “المشافهة السردية المشهدية” التي أشبعت لقرون حاجة المجتمع الفطرية للقصص والوعظ والتأثر، وكأن ذلك أدى إلى الاكتفاء بهذا التلقي الشفهي الحي وتأجيل الحاجة إلى السرد المكتوب.
لقد بقي هذا الثراء السردي في معظمه ينتمي إلى الثقافة الشفوية أكثر من انتمائه إلى ثقافة الكتابة والنشر والطباعة. وكانت غالبية المجتمع حتى منتصف القرن العشرين تعتمد على السماع أكثر من القراءة والكتابة، وكانت المدارس محدودة العدد والانتشار؛ إذ تشير المصادر التاريخية إلى أن أول مدرسة نظامية في القطيف افتتحت في أواخر أربعينيات القرن الماضي، ثم تبعتها مدارس أخرى بصورة تدريجية، بينما افتتحت أول مدرسة أهلية للبنات في نهاية الخمسينيات.
ولم تبدأ الملامح الهيكلية للمجتمع بالتبدل إلا مع التحولات التنموية الكبرى وظهور النفط (وتأسيس شركة أرامكو)، حيث أسهمت هذه الطفرة في نقل المجتمع من فضاء الفلاحة والبحر التقليدي إلى فضاء الوظيفة والتعليم الحديث، وهو التحول السوسيولوجي الذي بدأ يفرز مفهوم “الفردية” والوعي الذاتي المستقل، وهما شرطان أساسيان لنشوء الرواية الحديثة.
فالرواية كانت تحتاج إلى بيئة مختلفة تماماً: جمهور قارئ، ومدارس، وصحف، ومطابع، ودور نشر، ونقاد، وحركة ثقافية قادرة على استقبال هذا الفن الجديد والتفاعل معه. يضاف إلى ذلك أن المجتمع كان ينظر إلى الرواية الحديثة لفترة طويلة بوصفها فناً وافداً أو قريباً من ثقافة التغريب، في الوقت الذي كانت فيه القصص التاريخية المنبرية والشعر يؤديان الوظائف الثقافية والتربوية التي يحتاجها المجتمع آنذاك. كما أن ظهور وسائل الترفيه الحديثة لاحقاً، مثل الإذاعة ثم التلفزيون، ساهم في تراجع ما تبقى من حضور الحكواتي والرواية الشعبية الشفوية التي كانت تنتقل عبر التجمعات الاجتماعية.
لهذا ربما يكون من الأدق القول إن الحكاية الشعبية في مجتمعنا لم تؤسس للرواية الحديثة بالمعنى الفني والتنظيمي المباشر، لكنها وفرت المخزون الحكائي الضخم والخيال الخصب الذي عاد إليه الروائيون لاحقاً واستلهموه وأعادوا تشكيله داخل البناء الروائي الحديث.
ويبرز السؤال المهم: لماذا بقيت تلك الحكايات قروناً طويلة حبيسة الذاكرة الشفوية قبل أن تجد طريقها إلى الورق؟
فالمجتمعات لا تنتقل من الحكاية إلى الرواية بمجرد امتلاك القصص، وإنما عندما يمتلك المجتمع وعياً جديداً بذاته، يتحول فيه الأديب من “حكواتي” شفهي يسلّي الحضور أو يوجههم وعظياً، إلى “مشرّح” روائي يملك القارئ والمؤسسة، ويعيد قراءة تحولات مجتمعه على الورق وبأدوات العصر الذي يعيشه، لأن لكل زمن حكاياته وأساليبه التي تلبي حاجة العصر موضوعياً وفنياً.



