أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سيكولوجيا السببية: من أحرق الغابة.. الثقاب..؟ أم الجفاف..؟

صُبرةالأربعاء 8 يوليو 2026، 6:02 م
سيكولوجيا السببية: من أحرق الغابة.. الثقاب..؟ أم الجفاف..؟

ترجمة: عدنان أحمد الحاجي

أي حدث يحدث عادة نتيجة سلسلة طويلة من الأسباب والنتائج؛ فكل سبب لا بد أن يكون له سبب قبله، وقد تستمر هذه السلسلة إلى ما لا نهاية، تمامًا كما يواصل طفل صغير طرح أسئلة من نوع “لماذا” على أمه أو أبيه مرة بعد أخرى، إلى الحد الذي يجعل الواحد منهما يتضايق من كثرة أو تكرار هذه الأسئلة.

فلو تخيلنا أن سيارة تعرضت لحادث. قد ينصرف الذهن إلى أن الحادث كان بسبب السرعة. لكن قد نسأل: ولماذا كان السائق مسرعًا؟ لأنه كان متأخرًا عن العمل. ولماذا تأخر؟ لأنه استيقظ متأخرًا. ولماذا استيقظ متأخرًا؟ لأنه نام متأخرًا… وهكذا تستمر سلسلة أسئلة “لماذا؟” وقد لا تنتهي. بالنتيجة، كل سبب لابد أن يكون له سبب يسبقه. لكن في الواقع، عندما نصف سبب الحادث، فإننا لا نذكر كل هذه السلسلة الطويلة من الأسباب، بل نقتصرعلى سبب أو سببين فقط، مثل “السرعة الزائدة” إذن| كيف يختار العقل البشري أي هذه الأسباب دون غيرها لتستحق أن تكون سببًا حقيقيََا للحدث وأيها لا يستحق؟ وهنا يأتي موضوع هذه الدراسة (1) التي قادها تاديغ كويلين Tadeg Quillien، طالب الدكتوراه في قسم العلوم النفسية والدماغية في جامعة ولاية كالفورنيا في سانتا باربرا ونشرها في مجلة الإدراك Cognition .

تناول كويلين القواعد التي يستخدمها الناس غالبًا لا شعوريََا للحكم على أن عاملًا معينًا هو “السبب” بينما يتجاهلون عوامل أخرى ساهمت أيضًا في وقوع الحدث.

في ورقته البحثية، صمم كويلين نموذجًا رياضيًا للحكم على المسبب المؤدي إلى النتيجة (العلاقة بين السبب والنتيجة causal judgement))) التي تحاكي البديهيات أو الحدس لدى الناس بشكل أفضل من أي نموذج سابق. بالإضافة إلى تقديم أفكار نظرية، لأن معرفة كيف نصدر الأحكام السببية له آثار كبيرة مترتبة على كيف نتعامل مع المشكلات بشكل عام. وفهم هذه الآلية لا يفيد فقط في دراسة التفكير لدى البشر، بل يساعد أيضًا على تحسين أسلوبنا في تحليل المشكلات واتخاذ القرارات.

من الناحية البديهية، الحدث، الذي له الدور الأقوى في تحديد النتيجة، يعتبر بشكل عام هو سبب تلك النتيجة. في الواقع، رصد الفلاسفة وعلماء النفس تصنيف البشر للأسباب التي وراء حدث ما في دراسات مختلفة. على سبيل المثال، إذا وُجد عود ثقاب في حدث حريق في الغابة، فعادة ما ينسبون سبب الحريق إلى عود الثقاب، بالرغم من أن الأكسجين في الهواء كان ضروريًا أيضًا لإشعال الحريق.

هل حريق الغابة كان بسبب عود ثقاب أم الجفاف الطويل الأمد؟

“ولكن ماذا نعني بـ ” الدور الأقوى”؟”سأل كويلين. ” فتعريف معنى “الدور الأقوى” بدقة ليس سهلًا للفلاسفة وعلماء النفس الذين حاولوا فهم العلاقة السببية على مدى العقود الماضية.” فهم يعرفون أن بعض الأسباب تبدو أهم من غيرها، لكنهم لا يتفقون على المعيار الدقيق الذي يجعل سببًا ما أهم من غيره. لذلك ظل الفلاسفة وعلماء النفس يحاولون منذ عقود وضع تعريف واضح لهذه الفكرة، لكنهم واجهوا صعوبة كبيرة، كانت “مصدر صداع” لهم، وذلك لكونها مشكلة فكرية معقدة ما زالت بلا حل.

بعبارة أبسط: السؤال ليس: “ما السبب؟” بل: “كيف نقرر أن هذا السبب أهم من بقية الأسباب؟” وهذا هو السؤال الذي حيّر الباحثين لسنوات طويلة

حاول كويلين الإجابة عن سؤال: كيف يحدد العقل البشري السبب الذي يعتبره “السبب الحقيقي” لحدث ما؟ من خلال التفكير في الغاية التطورية التي يخدمها تفكيرنا في العلاقة بين السبب والنتيجة (2). اقترح كويلين قائلاً: ” تطورالتفكير السببي (العلاقة بين السبب والنتيجة) ليساعدنا على التركيز على العوامل الأكثر فائدة. فالدماغ لا يريد فقط معرفة ماذا حدث، بل يريد معرفة أي العوامل تساعد على التنبؤ بحدوث النتيجة في المستقبل، وأيها يمكننا تغييره للتأثير في النتيجة. فمثلًا إذا أردت أن تنجح في الاختبار، فمن المفيد أن تعرف أن المذاكرة تؤثر في النجاح، لأنها عامل يمكنك التحكم فيه واستخدامه للتنبؤ بما سيحدث.

عملية بحث العقل البشري عن السبب الحقيقي أو الأكثر أهمية لوقوع حدث ما (نتيجة معينة) تشبه عمل باحث يجري تجارب منضبطة على عدة حالات مختلفة للتعرف على العلاقات التلازمية (correlations) كمياً، ويقارن بين حالات مختلفة ليرى كيف يؤثر تغيير عامل واحد في النتيجة، ثم يقيس قوة العلاقة بين العامل والنتيجة (ما يعرف بحجم التأثير effect size) ليعرف أي عامل من العوامل أحدث تأثيرََا. العقل البشري، عند إصدار أحكامه عن الأسباب (causal judgment)، يعمل بطريقة مشابهة، حيث يقارن بين العوامل المختلفة ليحدد أيها كان الأكثر تأثيرًا، وأيها ساعد على التنبؤ بالنتيجة أو تغييرها. بعبارة أخرى، ما الطريقة التي يحدد بها العقل أي عامل يستحق أن يُسمى “السبب” الحقيقي للنتيجة، بدلًا من اعتبار كل العوامل متساوية في الأهمية.

ولكن لو قبلنا أن هذا هو ما يحاول العقل فعله، فستظهر مشكلة. يعتمد الباحثون على الرصد المتكرر قبل الوصول إلى الحكم بالسببية، ولا يمكنهم حساب مقدار التأثير من

حدث واحد (تجربة واحدة). ومع ذلك، لا يجد الناس عمومًا في الحياة اليومية مشكلة في تحديد العلاقة السببية من تجربة واحدة أو حدث واحد، حيث بإمكانهم أن يحكموا من أول مرة بأن شيئًا ما كان سببًا لنتيجة معينة. لذلك يطرح السؤال: كيف يتمكن العقل البشري من إصدار حكم سببي رغم قلة المعلومات المتاحة؟

يعتقد كويلين أن هذه المفارقة يمكن حلها بالفرضية التالية. لا يعتمد العقل فقط على ما حدث فعلًا، بل يتخيل تلقائيًا ما كان يمكن أن يحدث لو تغيرت بعض الظروف، وهي سيناريوهات تعرف بـ الافتراضات المضادة للواقع (counterfactuals) (أي تخيل أحداث بديلة لما حدث بالفعل، ومناقشة ما كان يمكن أن تؤول إليه الأمور لو سارت بشكل مختلف (3)). ومن خلال مقارنة ما حدث بهذه السيناريوهات المتخيلة، يقدّر العقل بشكل غير واعٍ مدى تأثير السبب في النتيجة، وكأنه يملك بيانات إضافية. وبناءً على هذه الفكرة، وضع كويلين نموذجًا رياضيًا يشرح كيفية تكوِّن الأحكام السببية. بعبارة أخرى، كيف يصل العقل إلى الحكم بأن شيئًا ما هو سبب لحدوث شيء آخر. فعندما ترى حدثين متتاليين، لا يكتفي العقل بملاحظة أنهما وقعا معًا، بل يحاول أن يقرر: هل الحدث الأول هو الذي تسبب فعلًا في الحدث الثاني، أم أن الأمر مجرد مصادفة أو أن هناك سببًا آخر؟ هذه العملية الذهنية تُسمى تكوين الأحكام السببية (أي فهم الآلية الذهنية التي تجعل الإنسان ينسب السبب إلى عامل معين دون غيره). فعلى سبيل المثال، لو شرب شخص مصاب بالصداع دواءََ ثم اختفى الصداع، فقد يحكم العقل بأن الدواء سبب لزوال الصداع. لكن كيف يتوصل العقل إلى هذا الحكم، هذا ما يتناوله الباحثون بالدراسة لمعرفة ما المعلومات التي يعتمد عليها العقل؟ هل يعتمد على ترتيب الأحداث؟ أم على قوة العلاقة بينهما؟ أم يتخيل ماذا كان سيحدث لو لم يُؤخذ الدواء؟ هذا هو المقصود بدراسة كيفية تكوين الأحكام السببية،

مسترشدًا بهذه الأفكار، صمم كويلين نموذجََا رياضيََا بسيطََا عن كيف يحدد الناس العلاقة السببية. من أجل أن يختبر نموذجه، حلل بيانات من تجربة سابقة أجراها باحث علم النفس من جامعة هارفارد، آدم موريس Adam Morris))، وزملاؤه تناولت بالدراسة كيف تؤثر الاحتمالات والبنية المنطقية للظروف في حدس الناس السبب والنتيجة. التجربة استخدمت لعبة من ألعاب اليانصيب لاستكشاف تأثير احتمال وقوع حدث ما والترتيب المنطقي على ما يعتقده المرء أنه السبب الحقيقي للنتيجة. بعبارة أخرى، هو لا يحدد المرء السبب والنتيجة بمجرد ملاحظة ما حدث، بل يعتمد أيضًا على تقديره لاحتمال وقوع الأحداث وعلى الطريقة التي ترتبط بها منطقيًا. فإذا كان أحد الأحداث نادرًا ويبدو أنه أدى مباشرة إلى النتيجة، أو كانت العلاقة بينهما منطقية وواضحة، يميل المرء إلى اعتباره السبب الحقيقي أكثر مما يعتبر حدثََا شائعََا لا توجد بينه وبين النتيجة علاقة منطقية واضحة

“إحتمالية وقوع الأحداث تؤثر في احساسنا بالسببية بطريقة غريبة.” كما أوضح كويلين: خذ مثلاً، أحد الأساتذة، واسمه كارل، كان يرغب في تمويل مشروع بحثي. تمت مراجعة طلبه من قبل رئيسي القسم، أليس Alice وبيل Bill، كل منهما يحتاج أن يوافق على الطلب. أليس Alice توافق على كل طلب يقدم لها، لذلك، فإن موافقتها أمر متوقع وعادي. ولكن بيل مشهور بأنه يرفض الموافقة على معظم الطلبات التي تقدم أليه. والسؤال هو، لو استلم كارل التمويل الذي طلبه، من المسؤول الأكثر احتمالية، الذي وافق على طلبه؟ قد يقول معظم الناس أن بيل كان السبب في الموافقة على طلب كارل للحصول على التمويل، لأن الحصول على مباركته (تأييده للطلب) له تأثير أكبر بشكل عام في الموافقة على التمويل. رغم أن موافقة الاثنين كانت ضرورية. وذلك لأن موافقة بيل كانت العقبة الأصعب والأقل احتمالًا، لذلك يرى الناس أن قراره كان الأكثر تأثيرًا في النتيجة. أي أن عقولنا لا تنظر فقط إلى الشروط اللازمة، بل أيضًا إلى مدى ندرة أو احتمال قوع كل حدث عند تحديد “السبب” الحقيقي.

أحكام الناس على السبب الحقيقي في حدوث النتيجة تتغير إذا تغير الشرط، الذي يجب أن يتحقق حتى يحصل كارل على التمويل، من الحاجة إلى موافقة الاثنين معًا إلى الاكتفاء بموافقة أحدهما فقط. فإذا كان حصول كارل على التمويل يتطلب موافقة أحدهما فقط، وحصل على موافقة كليهما، فإن معظم الناس يرون أن أليس هي السبب الأهم في حصوله على التمويل، لأن موافقتها عادةً ما تكون مضمونة دائمََا. في هذه الحالة، يصبح دعمها المعتاد هو العامل الذي يفسر نجاح الطلب أكثر من موافقة بيل.

في تجربتهم، تمكن موريس وزملاؤه من التحديد الدقيق لمقدار هذا التأثير لاحتمال وقوع حدث ما على حكم الناس على المسبب. بعبارة أخرى أي كيف تؤثر احتمالية وقوع الحدث في حكم الناس على السبب.

وكانت النتيجة مفاجئة، لأنها بينت أن الناس لا يحددون السبب اعتمادًا على ما حدث فقط، بل أيضًا على مدى توقعهم لحدوث كل حدث. ووفقًا لـ كولين، لم تكن النظريات النفسية الموجودة في تلك الفترة قادرة على تفسير هذا النمط من الأحكام السببية، ما كشف عن وجود جانب مهم في طريقة تفكير الإنسان لم يكن مفهومًا بعد.

وبعد أن أعاد كولين تحليل بيانات الدراسة التي قام بها موريس وزملاؤه، وجد أن نموذجه الرياضي، الذي وضعه لتفسير كيفية إصدار الناس لأحكامهم السببية، وجد بعد أن قارن توقعات هذا النموذج بأحكام المشاركين الفعلية على إرجاع السببية للأحداث المختلفة، أن نموذجه يطابق طريقة تفكير الناس بدرجة كبيرة، بل وكان أكثر دقة من جميع النماذج الأخرى التي اقتُرحت سابقًا لتفسير الأحكام السببية.

تسلط النتائج الضوء على كيف تفيد احتمالية وقوع حدث ما والتنظيم المنطقي معًا بداهتنا السببية. عندما يكون كلا التصويتين ضروريان لكارل للحصول على التمويل، فلن يحدث ذلك إلا إذا وافق عضو اللجنة الأكثر صرامة في المجلس. ونتيجةً لذلك، ينسب الناس النتيجة الإيجابية إلى التصويت الأقل احتمالًا. وعلى النقيض من ذلك، في الحالات التي يكفي فيها صوت واحد، فإن موافقة عضو اللجنة الأكثر تساهلاً هي التي تحدد النتيجة في أغلب الأحيان. “نحن منسجمون مع الأسباب التي تميل إلى التزامن (التلازم) مع التأثيرات”كما قال كويلين.

الطريقة التي يحكم بها العقل على الأسباب ليست مجرد فكرة نظرية، بل لها آثار عملية مترتبة عليها وتؤثر في قراراتنا العملية. تأمل مثال حريق الغابة مرة أخرى. فمن الناحية العلمية، يحتاج الحريق إلى ثلاثة عناصر: الأكسجين، والوقود (الأشجار والأخشاب والأوراق)، ومصدر اشتعال، مثل عود الثقاب. وجميع هذه العناصر ضرورية لحدوث الحريق، لكن العقل البشري لا ينظر إليها على أنها متساوية في الأهمية عند تحديد السبب.

“قد لا يكون لدينا نموذج دقيق لكيف تعمل حرائق الغابات، إلّا أنه ما يزال لدينا شعور بوجود أكسجين طوال الوقت، وأن الغابات لا تشتعل فيها الحرائق دائمََا.” “لذا فإن العلاقة التلازمية بين وجود الأكسجين والحريق ضعيف نسبيًا.” نفس الاستدلال المنطقي ينطبق على الوقود (خشب الأشجار والأوراق، في هذه الحالة). لذلك، لا يراهما العقل السبب الرئيس للحريق، لأن العقل يركز أكثر على العامل الذي يغيّر احتمال وقوع الحدث، بحسب كولين. لذا عندما يُشعل شخص عود ثقاب، فإن احتمال اندلاع الحريق يرتفع فجأة، ولذلك يميل الناس إلى اعتبار عود الثقاب هو السبب الحقيقي للحريق، رغم أن الحريق ما كان ليحدث أيضًا من دون أكسجين وخشب واوراق.

إن طريقة اصدار الأحكام السببية التي وصفها كويلين في دراسته مفيدة لأنها تجعلنا نركز على العامل الذي يتنبأ بحدوث النتيجة بشكل قوي، ويمكن التدخل فيه أو التحكم به. ففي مثال الحريق، يلفت انتباهنا عود الثقاب لأنه العامل الذي غيّر الوضع وجعل الحريق مرجحًا، ولذلك يساعدنا هذا الحدس على تحديد ما يجب منعه أو تغييره إذا أردنا تجنب اندلاع الحريق. لكن كولين ينبه إلى أن هذه الطريقة ليست مناسبة دائمًا إذا كان هدفنا هو فهم كيف حدثت ظاهرة الحريق من الناحية العلمية فهمََا كاملََا. “فإذا أردنا فهمًا عميقًا لكيف تحدث ظاهرة الحريق، فلا يكفي أن نركز على عود الثقاب وحده، بل يجب أن نأخذ في الاعتبار أيضًا دور الأكسجين، لأنه عنصر أساس لا يمكن للحريق أن يحدث بدونه. غير أن حدسنا السببي قد يجعلنا نقلل من أهمية الأكسجين لأنه موجود دائمًا ولا يبدو وكأنه سبب مباشر للحريق. ونتيجة لذلك، قد يقودنا هذا الحدس إلى إهمال عوامل مهمة في تفسير الظواهر، رغم أنها ضرورية لفهم كيف تعمل الأشياء من حولنا فهمََا صحيحََا.

التفكير السببي جزء أساس من طريقة عمل العقل البشري، فهو حاضر في معظم ما نفكر فيه ونفسره. بعبارة أخرى، التفكير السببي هو الطريقة التي يستخدمها العقل لربط الأسباب بالنتائج. فعندما يحدث شيء ما، يحاول المرء أن يجيب عن أسئلة مثل: ما الذي أدى إلى حدوث هذا؟ أو ما الذي سيحدث إذا غيّرت هذا العامل؟ أي أن العقل لا يكتفي بملاحظة الأحداث، بل يحاول فهم العلاقات التي تربط بينها

ويرى كولين أن الناس يفسرون أغلب الأحداث من خلال هذين السؤالين الآنفين، ولهذا خطط كولين حينئذ لدراسة كيف يؤثر هذا الإحساس بالسببية في جوانب أخرى من علم النفس، مثل طريقة تفسيرنا للأحداث، واتخاذنا للقرارات، ونظراتنا إلى الظواهر من حولنا. وبما أننا نعتمد على السبب والنتيجة في تفسير معظم ما يحدث حولنا، فإن كثيرًا من المفاهيم التي نستخدمها لفهم ذلك تقوم في أساسها على فكرة السببية.

“إذا تمكنا من معرفة مفهوم السببية (أو الطريقة التي يحدد بها العقل ما السبب وعلاقته بالنتيجة)، فسنتمكن حينئذٍ من فهم الطريقة التي تعمل بها الكثير من المفاهيم الأخرى أيضًا.” فإذا عرفنا كيف يحدد العقل ما يعتبره سببًا وما لا يعتبره، فسنفهم بصورة أفضل كيف يبني الإنسان تفسيراته واستنتاجاته وأحكامه على الأحداث. أي أن السببية ليست مجرد مفهوم مستقل، بل هي لبنة أساسية تُبنى عليها الكثير من العمليات العقلية والمفاهيم الأخرى، ولذلك فإن دراستها قد تكشف كيف يعمل جانب كبير من التفكير البشري. فعلى سبيل المثال، إذا اعتقد شخص أن فشله في اختبار سببه عدم المذاكرة، فسيكون ذلك دافعََا له للمذاكرة أكثر في المستقبل. أما إذا اعتقد أن السبب هو سوء الحظ، فقد لا يبذل جهدًا مضاعفََا. إذن، الطريقة التي ننسب بها الأسباب تؤثر في مشاعرنا، وقراراتنا، ودوافعنا، وتوقعاتنا، وأحكامنا على أنفسنا وعلى الآخرين. لهذا أراد كولين أن يتناول بالدراسة كيف تؤثر طريقة العقل في إصدار الأحكام السببية في هذه الجوانب النفسية المختلفة، وليس فقط في تفسير سبب وقوع الأحداث.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

1- https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0010027720302298

2-https://en.wikipedia.org/wiki/Causal_reasoning

3- https://ar.wikipedia.org/wiki/تفكير_مخالف_للواقع

المصدر الرئيس

https://www.news.ucsb.edu/2020/020120/psychology-causality