أنت لا تتعافى.. أنت فقط تعرف أسماء جروحك

فاطمة عبد المنعم
اليوم، يمكنك أن تعرف كل شيء بلمسة شاشة، حتى عناء ضغطة الزر انتهى، فهل انتهى عناء الحياة؟ المفارقة الصادمة أنه كلما تكدست في عقولنا المعلومات، تفاقم اغترابنا. فهل قراءة الكتب، وحضور الدورات، ومحادثة AI ومعرفة أندق المصطلحات النفسية يبرئ حقاً؟ أم أننا نشتري وهماً مريحاً؟
الكتب والدورات ليست عبثاً، بل هي مصابيح تفتح أعيننا وتساعدنا على تسمية الأشياء بأسمائها. لكن هذا الوعي يظل واقفاً عند حدود الفهم النظري، لا الشفاء؛ فالمعرفة تمنحك الخريطة، لكنك أنت من يسير في الرحلة، ومداواة الندوب النفسية تحتاج إلى ما هو أعمق من مجرد فكرة.
الرحلة الحقيقية من خوفٍ إلى سكينة، ومن انكسارٍ إلى اتساع.
وهنا يأتي السؤال: هل تبحث عن جمع الكلمات ووصف مشاكلك من الخارج، أم تملك الشجاعة لخوض التجربة الحقيقية؟ والتجربة ليست مجرد العيش وتكرار الأيام، بل هي تلك المواجهة الشجاعة التي نراقب فيها أنفسنا في قلب الحدث. وبدون هذا الالتفات للداخل، سنظل نكرر المأساة ذاتها بأشكال مختلفة بينما الوجع واحد؛ وهو ما سمّاه فرويد بـ “التكرار القهري” حيث يعيد الفرد، بلا وعي، إنتاج صدماته وخيباته، ظناً منه أنه يعالجها.
انظر حولك؛ كثيراً ما تشتكي امرأة في لحظة فضفضة: “أنا لا يصادفني إلا النرجسيون والاستغلاليون”، وتُرمى هذه الألقاب الجاهزة للهرب من الحقيقة. لكن السؤال المغيب الذي نتفاداه دائماً هو: لماذا يتكرر هذا النمط معكِ بالذات؟ التكرار ليس حظاً سيئاً، بل هو نداء خفي لعادات وسلوكيات ضارة ننجذب إليها برغبة لا ندركها، رغم معرفتنا التامة بعواقبها.
فهل معرفة أعراض الإنفلونزا تشفي الإنفلونزا؟ وهل تفكيك المشكلة عبر الدردشة مع الذكاء الاصطناعي يداوي جرحاً؟
اللجوء إلى AI كبديل للمشهد العلاجي هو وهم الاكتفاء الرقمي الذي يباعد بيننا وبين أنفسنا. فالآلة مجرد أداة رقمية صُممت لتقدم معرفة بلا ذات حقيقية، وهي تحرمك تماماً من مواجهة “آخر حقيقي”، إنسان يختلف معك، أو يلمس مناطق العتمة والظل المخفية فيك. أنت لا تتعافى في تلك المحادثات، أنت فقط تلجأ إلى طمأنينة زائفة تكرس عزلتك.
الحقيقة التي نتهرب منها هي أن الوعي وحده لا يشفي؛ الوعي يريك الندبة، لكنه لا يفكك سر بقائك في الأذى. التعافي يحتاج أن تلتقي الذات بذاتٍ إنسانية أخرى في فضاء آمن؛ فالوجدان الذي جُرح يوماً ما في حضرة الآخرين وداخل سياق بشري مشوه، لا يمكن مداواته بالانكفاء على الكتب أو الاستنجاد بالذكاء الاصطناعي.
نحن بحاجة إلى أفق إنساني رحب يحتضن انكساراتنا الأولى، ويمنحنا فرصة ثانية لاختبار الأمان؛ فالتفاعل الحي الصادق هو ما يرمم الشعور ويقود الرحلة. وكما تعبّر الكاتبة لويز إردريتش بعمق عذب: «سوف تُحطمك الحياة. ولن يستطيع أحد أن يحميك من ذلك، والعيش وحيداً لن يحميك كذلك… يجب عليك أن تُحب، ويجب أن تشعر بالحب… أنت على هذا الكوكب لتغامر وتقامر بقلبك».
ومن هنا ندرك أن العلاقات البشرية لا تكشف لنا الآخر فقط، بل تعيد كشفنا نحو أنفسنا حين نشتبك مع الصدمات والعلاقات المعقدة. هناك، وسط قلق التفاعل، نستدل على نقاط ضعفنا؛ ذلك “الثقب المؤلم” الذي نستطيع عبره النفوذ إلى أعمق نقطة نخشى رؤيتها. ولكن، من خلال هذا الثقب تحديداً، يولد الكلام، ونبدأ في المعرفة، والبدء من جديد. وحين نعرف هذا الضعف ونحتويه بلين، يسقط سلطانه ولا يعود محركاً لخطواتنا في الخفاء.
هذه المواجهة لا تقوم على الكبرياء والشدة، بل على انحناءة ناعمة تحتضن انكسارنا؛ فالصلابة حتماً تُكسر في مهب الصدمات، بينما يمنحنا اللين مرونة العشب في عمق العاصفة، مهما اشتدت الرياح يتمايل ولا ينكسر. ومن هذا اللين المرمم ينبثق شفاءٌ ممتد بامتداد العمر، يهب الذات مخزوناً حامياً ودافئاً لمعانقة الحياة واختبار عواصفها دون خوف.



