الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

القاز.. بداية التحول الاجتماعي في القطيف

صُبرةالسبت 11 يوليو 2026، 11:29 ص
القاز.. بداية التحول الاجتماعي في القطيف

القطيف: صُبرة

قصة تحول اجتماعي بدأ بقدرة الفقير على إضاءة ليل بيته باستخدام الكيروسين “القاز”، تماماً مثلما يستطيع الغني ذلك.

وهذه القدرة لم تكن سهلة؛ إلا بعد العام 1938، واكتشاف النفط في المملكة. أما قبل ذلك؛ فقد كان القاز سلعة باهظة لا يقدر عليها إلا الحكومات والأثرياء.

في عام 1918، دوَّنت جردة مصروفات فاتحة الشيخ بدر بن سنبل رقمين متجاورين، يبدوان اليوم أقرب إلى المفارقة.

عجل: 14 ربية.

بيب قاز: 14.5 ربية.

كانت صفيحة القاز أغلى من عجل كامل.

ويختصر هذا السطر الصغير مرحلة كاملة من تاريخ القطيف، حين كان الضوء سلعة مرتفعة الكلفة، وكان الحصول عليه يبدأ من موانئ بعيدة، قبل أن ينتهي داخل فانوس يضيء مجلسًا أو بيتًا.

جردة مصروفات فاتحة الشيخ بدر بن سنبل

من خارج الجزيرة

لم تكن أسواق الجزيرة العربية تنتج الكيروسين في تلك المرحلة، بل اعتمدت على الاستيراد. كان الوقود يُكرَّر في المصافي الخارجية، ثم يُعبأ في صفائح معدنية داخل صناديق خشبية، قبل أن تنقله السفن التجارية إلى موانئ الخليج والبحر الأحمر.

وتكشف الوثائق البريطانية أن تجارة الكيروسين في الجزيرة العربية كانت تدور حول شركات عالمية، وفي مقدمتها «شل»، التي هيمنت سنوات طويلة على جانب كبير من السوق، قبل أن يدخل الاتحاد السوفيتي منافسًا قويًا مطلع الثلاثينيات.

وفي عام 1931، أبرمت الحكومة السعودية صفقة مع الاتحاد السوفيتي لتوريد البنزين والكيروسين، ووصلت إلى جدة وينبع شحنات كبيرة، كان من بينها نحو 42 ألف صندوق من الكيروسين، في واحدة من أكبر صفقات الوقود التي عرفتها المملكة قبل إنتاج النفط محليًا.

ولم تكن المنافسة تجارية فحسب، بل كانت جزءًا من تنافس اقتصادي وسياسي بين القوى الكبرى على أسواق المنطقة.

قاز فارسي

البحرين… محطة الخليج

أما في الخليج العربي، فقد أدت البحرين والكويت دورًا رئيسًا في تجارة الكيروسين وإعادة توزيعه.

فالسفن الكبيرة كانت تفرغ حمولاتها في الموانئ الرئيسة، ثم تُعاد شحن الكميات إلى مدن الساحل، ومنها القطيف، بواسطة السفن المحلية وشبكات التجار.

وبذلك أصبحت القطيف جزءًا من شبكة إقليمية واسعة، يصل إليها الوقود بعد أن يقطع رحلة بحرية طويلة، ويعبر أكثر من محطة تجارية قبل أن يستقر في دكاكين السوق.

وكانت كل مرحلة من هذه الرحلة تضيف كلفة جديدة إلى الصفيحة، حتى بلغت قيمتها ما تكشفه وثيقة الشيخ بدر.

صناديق خشبية داخلها صفائح القاز

الضوء بندًا في المصروفات

لا تسجل الجردة أسعار السلع فحسب، بل تسجل أولويات المجتمع أيضًا.ورد فالطعام حاضر. والذبائح حاضرة. د والقاز حاضر.

وجود «بيب القاز» بين مصروفات الفاتحة يوضح أن الإضاءة كانت جزءًا أساسيًا من تجهيز المناسبة، وأن إنارة الليل استحقت بندًا ماليًا مستقلًا، تمامًا كما استحقت الضيافة والطعام.

ومن هنا تكتسب المقارنة بين القاز والعجل معناها الحقيقي. فهي لا تقارن بين وقود ولحم، بل بين ثمن الضوء وثمن الغذاء.

بيب قاز

سلعة شعبية

ثم شهدت العقود التالية تحولًا جذريًا. فمع توسع إنتاج الطاقة في المملكة، واتساع شبكات التوزيع، ازداد توافر القاز، وتراجعت كلفته، واتسعت استعمالاته في الفوانيس، ثم في المواقد والدفايات وسخانات المياه.

وفي مدن وقرى القطيف، ازدهرت محال بيع القاز، التي استقبلت الوقود في براميل كبيرة، ثم عبأته في صفائح أو براميل أصغر بحسب حاجة الأهالي.

وبحلول الثمانينيات، أصبحت صفيحة القاز تُباع بنحو ثلاثة ريالات فقط، بعد أن حملت قبل عقود قيمة قاربت ثمن عجل كامل.

صفيحة قاز

الضوء للجميع

يحكي هذا التحول أكثر من قصة انخفاض في الأسعار. إنه يروي انتقال الإضاءة من سلعة مرتفعة الكلفة إلى خدمة متاحة لعدد متزايد من الأسر.

ومع اتساع انتشار القاز، اتسعت دائرة البيوت التي تمتعت بإضاءة أفضل، قبل أن تواصل الكهرباء هذه الرحلة، فتغيّر شكل الحياة المنزلية بالكامل.

سطر صغير… يحكي قرنًا كاملًا

قد تبدو عبارة «بيب قاز» بندًا عابرًا في وثيقة عمرها أكثر من مئة عام.

لكنها، في الحقيقة، تختصر رحلة سلعة بدأت في مصافٍ بعيدة، وعبرت البحار، وتنافست عليها شركات ودول، ومرّت عبر البحرين والكويت وشبكات التجار، حتى انتهت في سوق القطيف.

وهناك، دخلت بيتًا قطيفيًا، وأضاءت ليلةً من ليالي عام 1918.

وبقي ثمنها، المكتوب في تلك الجردة، شاهدًا على زمن كان فيه الضوء أغلى من الطعام.

بلدات:القطيف