أيها الموت.. أتحسب أنك انتصرت؟

كفاح بنت حسن المطر
أيها الموت، أتحسب أنك انتصرت؟
حين أوصدتَ بيني وبين توأم روحي بابَ الفراق، أظننتَ أنك اجتثثتَ جذورَها من أعماقي؟ ما أشدَّ وهمك!
لقد غيّبتَها عن عيني، أخذتَ حضورها، وتركتَ لي منها حياةً كاملةً تنبض في داخلي؛ فأنّى لك أن تنتصر؟
لقد حجبتَ عني إشراقتها قسرًا، لما أطفأت مصباحها القمري الذي كان يغمر وجودي بشاشة وتفاؤلًا، لكنك وقفت عاجزًا أمام تلك الهالة النورانية التي ما زالت في محرابها تصلي بخشوع ودموع، فلم تستطع اختراق سكونها أو إيقاف نبضها السابح في الملكوت.
لقد أدرجتَ جسدها الطاهر في ذلك الرداء الأبيض لتنامَ بهدوء، لكن رائحة الكافور أيقظتْ روحَها الأبية، فحلقتْ في الفضاء كحمامةٍ تهدهدُ الكونَ بتسبيحاتها.
يا لقسوتك أيها الموت!
أخفيتَ عن ناظري محاسن ذلك الوجه الصبوح الذي غادرني على عجل، وطالتْ يدُك نضارةَ ذلك الغصن الأخضر دون هوادة، وسلبتَ ابتسامته العذبة التي تكسو الكون سماحةً وبهاءً؛ لكن هيبتك سرعان ما خارت قواها، وعجزت عن أن تُسكت صدى الذكريات التي ما زالت تصدح في خلايا الروح، كأنها نداءات الأذان التي توقظ بهمَساتها الندية فضاءات الفجر؛ لعله يتنفس الهدى، وتنثال على وجنتيه قطرات الندى.
أيها الموت…لن تدرك حقيقة الوصال، ولن تكشف سر الميثاق، فلا تحاول عبثًا أن تسأل تلك الأرجوحة عن حكايا ودادنا التي خضّبتْ خافقيْنا، وكحّلتْ بلطفها مقلتْينا، فلن تبوح لك بشذرات مآقينا، ولن تفضي لك بأسرارٍ ما كان لها أن تُقال إلا بين قلبين آمن كلٌّ منهما أنه وجد في الآخر وطنه.
حبيبة روحي:
في مسرح الحياة الواسع ائتلفت أفكارنا تارةً، واختلفت تارةً أخرى، حتى غدونا روحًا تتوزع في جسدين؛ وبين فصول روايتنا تسطع تفاصيل ذلك المشهد الوادع حيث تكونين طفلتي المدللة التي يتملكها الحنين، وتتدفق على وجنتيك الناعمتين دمعاتُ براءةٍ لا توصف، ولا تسكن موجات الأنين إلا إذا ارتميت في أحضاني، وتتسلسل الأحداث سريعًا لتقفَ المشاهدُ مذهولةً، وهي تراك تقودين زمام الأمور بحكمة لقمان، وتلتقطين برجاحة عقلك نبضاتي اللاهثة من وعثاء الأيام؛ لتجد أمانيها في شرفة رشدك، ويغمرها الاطمئنان ، ثم تعيدين ترتيب الفوضى في داخلي برسالةٍ يغلّفُها رجاءٌ مطرّزٌ بالحب.
أميرتي النائمة في أطياف الخلد…
كيف لروحي أن تسلو عنك، وأنت قلب الوفاء الذي تقاسم معي حلو الحياة ومرّها؟!
كم أفتقد فؤادك الكبير الذي احتضن بحبه ونبله إخفاقاتي قبل نجاحاتي! بين رحاب حجراته الواسعة ترعرعت أفكاري، وتهادت طموحاتي، فقد أنبتَ إيمانُك بها جناحين من يقينٍ وعزمٍ لا يلين.
حبيبة عمري
جمعتِ شريفَ الخصال، وتزينتِ برفيعِ الأوصاف، فكنتِ وصفيةَ السمات، فراشةً رقيقةَ الطباع، بحضورك البهي تزهرُ بساتينُ اللقاءات، وبحماسك الجميلِ تثمرُ الأمنيات، تعابير قاموسي تنحني لك خجلا يا ديمةَ عطاءٍ لا يَمل، وسندَ عزٍّ لا يميل، وظهرَ وفاءٍ لا ينكسر، ونهرَ أملٍ لا ينضب.
أشعارُ رثائك ثكلى، أرهقتْها لواعجُ الاشتياق، واكتنفتها تراتيلُ الابتهال، ففاضتْ أصداؤُها أشجانًا تروي رياحينَ روضتكِ، حيث ترقدين بسكينةٍ وأمان.
وصايف… يا رحيقَ نداءٍ ما زال يُثمل الروحَ لهفةً، وإن غابَ صداه؛ على أغصان الذاكرة تتناجى أمسياتٌ، ووعودٌ ما أطفأها الرحيل، وأحلامٌ تيتمتْ في صباها، وما زالت أطواقُ الورد تذرفُ دمعَها كلما اشتدَّ غيابُ أُنسكِ، تبكيكِ بصمتٍ كلما تنفّستْ عطرَ ياسمينكِ؛ لأنكِ ربيعُها الذي غربتْ شمسُه، وخلّفَ في روحها خريفًا لا ينتهي.
واهًا لوجع رحيلكِ!
ثلاثةُ أعوامٍ مضت، وما زال الحنينُ الجارفُ يوقظني كلَّ صباحٍ على صدى تغريداتِ صباحيّاتكِ اللطيفة؛ كأنَّ الزمنَ توقّف عند آخر إشراقةٍ حملتْها كلماتُكِ.
ثلاثة أعوامٍ، وما زال قلبي يأبى أن يستوعب حقيقةَ غيابكِ؛ فكلما مررتُ بأماكن جمعتنا، استحضرتُ خُطاكِ، وكلما سمعتُ أو قرأتُ كلمةً كنتِ ترددينها، حلّقتْ بي أجنحةُ الشوقِ ولهًا على أهدابِ الذكريات، فأشعرُ بدفئكِ يحيطني، وظلّكِ الحاني يرافقني، وتهمسُ لي أنفاسُكِ بأنكِ معي، لم ترحلي، وإنما اخترتِ السكنى في موضعٍ آخر من هذا الوجود.
مَهْلًا أيها الموت…
لا تحسبنَّ أنك انتصرت؛ لقد غيَّبتَ كيانَ حبيبتي عن عيني، لكن هيهات أن تبلغَ مدى طُهرِها؛ فطُهرُها جُمانٌ من الخُلد، يفيضُ نُورًا لا يأفل. وكيف لنورها أن يخبو، وهي لؤلؤةُ الجِنان ودوحةُ الأمان؟!
رحمكِ الله يا رفيقةَ الدرب، وسنديانةَ الروح، وأجملَ مَن مرَّ في العمر. قَرِّي عينًا واطمئنّي؛ سيبقى أثرُكِ حيًّا في القلوب، وسيبقى حبُّكِ دعاءً لا ينقطع، وسيبقى صفاؤكِ الروحيُّ رمزًا للفضيلة والتُّقى.



