الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

الذكاء الاصطناعي لن يمتلك روح الإنسان بثينة النصر: نسيت توثيق تجربتي.. رقمياً

صُبرةالخميس 16 يوليو 2026، 9:00 ص
الذكاء الاصطناعي لن يمتلك روح الإنسان بثينة النصر: نسيت توثيق تجربتي.. رقمياً

سيهات: معصومة المقرقش

دخلت الإعلامية السعودية بثينة النصر تاريخ الإعلام السعودي عندما قدمت أول نشرة أخبار سياسية على شاشة قناة الإخبارية عام 2004، لتصبح أحد أبرز الوجوه التي ارتبطت بمرحلة مفصلية في تطور الإعلام الوطني. إلا أن تلك اللحظة جاءت ثمرة سنوات من الإعداد والتأهيل، بدأت مع العمل في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مرورًا بتجاربها المبكرة في الإذاعة والتلفزيون، وصولًا إلى العمل مع مؤسسات إعلامية عربية ودولية.

في هذا الحوار مع «صُبرة»، تروي بثينة النصر تفاصيل رحلتها المهنية، وتتوقف عند المحطات التي صنعت تجربتها، وتستعرض رؤيتها للإعلام السعودي، وتجاربها مع BBC عربي وقناة الحرة، ومفهوم الحياد الصحفي، ومستقبل المهنة في ظل الذكاء الاصطناعي، كما تكشف جوانب من مسيرتها الدولية، وتسلط الضوء على أهمية التوثيق والأرشفة بوصفهما جزءًا أصيلًا من صناعة الذاكرة المهنية.

نقطة التحول

عندما تنظرين إلى مسيرتك اليوم، ما اللحظة التي تشعرين أنها غيّرت حياتك المهنية بالكامل؟

اللحظة التي أتيقنها وأعيها تماماً، وبقيت حاضرة في ذاكرتي دائماً، كانت عام 2001؛ حيث كنت شابة خريجة اقتصاد وموظفة حديثاً، منهمكة ومتحمسة ومنبهرة بمحتوى دراسات وملفات العمل التنموي الإنساني بمكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) بالرياض.

مرّ بي مديري -جزاه الله خيراً- “خوسيه إيغورين”، وهو الممثل المقيم للأمم المتحدة بالرياض وقتها، وأخبرني على عجالة بلكنته الإسبانية: “بثينة! راجعي بريدك الإلكتروني، فقد أوكلتُ إليك مهام نقطة الاتصال الإعلامي للمكتب القطري، راجعي الدكتور جميل صوفي ليرشدك إلى ما تفعلين”.

فابتسمت ابتسامة عريضة وأجبته “بكل سرور سيدي” (My pleasure Sir). هذه المهمة كانت تعني أنني سأتسلم إدارة العلاقات الدبلوماسية والمؤتمرات الصحفية الدولية للمكتب الأممي، وقَطعاً كانت لحظة التحول نحو ترتيب مسار شغفي الحقيقي بالإعلام.

الخطوة الأولى

أصبحتِ أول سعودية تقدم نشرة أخبار سياسية رئيسية على شاشة الإخبارية. هل كنتِ تدركين يومها أنك تدخلين منطقة مليئة بالحساسيات؟

كنت وقتها بالفعل أعمل في راديو وتلفزيون العرب (art)، وتحديداً في برنامج “الهودج” لإبراز إمكانات نخبة من نساء المملكة اللواتي يمثلن قدوات حقيقيات، وتفعيل المفاهيم التنموية الإنسانية التي استقيتها من عملي في الـ (UNDP). فجاء طلب وزارة الإعلام لانتدابي لتقديم الأخبار في قناة إخبارية رسمية متخصصة هي الأولى من نوعها في المملكة.

وحين حادثتهم والتقيتهم، علمتُ بأنهم أرسلوا ودربوا مجموعة من الفتيات في دبي لقراءة النشرات الإخبارية، فأخبرتهم بأنني سبق وانضممت إلى تلفزيون أبوظبي في إحدى إجازات الصيف بمبادرة خاصة لتعلم كيفية تحرير وإلقاء النشرات الإخبارية منذ أيام دراستي الجامعية! حيث التقيت وقتها القديرة ليلى الشيخلي ونخبة من محترفي العمل الصحفي المتلفز، وهو الأمر الذي استغربته الرائعة مديرة القسم النسائي في قناة الإخبارية هدى الصباغ،

واستفسرت قائلة “لماذا فعلت ذلك؟” فأجبتها: “مجرد تلبية لنداء شغف خاص، وكلٌّ منا يختار كيف يقضي إجازاته!”.

لقد جهزت نفسي لحلم ولوج باب مقفل، ولإيماني بأنه سيُفتح يوماً، حرصت أن يكون مفتاحه في يدي. وتم اختياري بعدها وتشريفي بتقديم نشرة الأخبار الأولى على الإخبارية عام 2004، وكنت وقتها أرى أمامي امتداد ذات المسار الذي عزمت عليه: عمل تنموي إنساني احترافي في حقل مهني أتقنه ووهبني خالقي خامات الإبداع فيه.

مواجهة التحديات

ما أصعب ما واجهته في تلك التجربة: الكاميرا، أم السياسة، أم المجتمع؟

الكاميرا صديقتي كأي جهاز نافع، والمجتمع أهلي وناسي الذين خبرتهم جيداً وأعي مسؤوليتي تجاههم، أما السياسة فهي السبب الأساسي لاختياري تخصص الاقتصاد أكاديمياً، فهو محركها وقلبها النابض، إذ تعذّر على النساء في زمني التخصص في السياسة. فأصعب ما واجهته هو ذاته ما واجهته منذ طفولتي وحتى اليوم، ويواجهه أغلبنا كبشر؛ أقدار الله! ومن يختار الثقة بنفسه لمواجهة امتحاناتها تكافئه.

ضريبة السبق

هل دفعتِ ثمناً شخصياً أو مهنياً بسبب ظهورك المبكر على الشاشة؟

بالتأكيد، شأني شأن كل من يخلص في عمل يقع خارج إطار السائد من عادات متقادمة أو عقليات متعنتة أو قوى تقليدية. ولكني أؤمن بأن العزيز القدير الحق العدل وأرحم الراحمين يمتحننا لحكمة، وقد أعدّ للمخلصين أسباب النجاح والنصر والنجاة، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً.

تحول مجتمعي

كيف تغيّرت نظرة المجتمع السعودي إلى المذيعة خلال العقدين الماضيين؟

شمل التغيير العظيم النظرة للمذيعة وللمرأة ودورها، بل هو تحول استحقّه الوطن وأهله بجدارة في نظرتهم لأنفسهم وقيمتهم وقدراتهم الكامنة ذكوراً وإناثاً! وكل ذلك تحقق بتضافر جهود القوى الثقافية على اختلافها مع الخط التنويري للقيادة الحكيمة من المليك المفدى، والرؤية القيادية الشابة الجسورة لولي العهد حفظهما الله.

معيار المنافسة

هل تعتقدين أن الإعلامية السعودية اليوم وصلت إلى مرحلة المنافسة الحقيقية، أم ما زالت هناك سقوف غير مرئية؟

في زمني ورفاقي ومن سبقنا، وفي زمن اليوم وغدًا، سواء أكان العاملون في الصحافة المكتوبة أم المتلفزة أم المسموعة، الجميع قادرون -ذكوراً وإناثاً- على المنافسة محلياً وإقليمياً ودولياً متى ما تسلحوا بالعلم والعمل والإيمان، وحملوا راية رسالة هادفة يكونون من خلالها المرآة التي تعكس الحقيقة عن واقعهم، فترتقي بهم للعلا حتماً.

سحر الإذاعة

بين الإذاعة والتلفزيون والمنصات الرقمية أين وجدتِ نفسك أكثر؟

كلها رائعة ومهمة، ولكنني لاحظت على نفسي -مثلاً في تونس في ملتقى الإعلام العربي الرسمي، وفي نيويورك عبر إذاعة الأمم المتحدة الموجهة لجنود اليونيفيل حول العالم، وكذلك في لبنان وروسيا- تفضيلي قبول إجراء اللقاءات المسموعة لأعبر عن رأي أو قضية! لذا أظن أن للإذاعة مكانة خاصة في وجداني، فجمهورها يصغي، وهي ميزة عظيمة لا يستهان بها؛ فأنت أمام ميكروفون الإذاعة في حضرة من بصيرتهم مركزة وخالية من المشتتات.

مع أمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان عام 2006م

المدارس الدولية

عملتِ مع مؤسسات إعلامية عربية ودولية، منها BBC عربي. ما الذي تعلمته هناك ولم تجديه في المؤسسات العربية؟

وقناة “الحرة” كذلك عملت معهم خمس سنوات! مع كليهما عملت في قضايا تمكين المرأة وبنود قوانين الأحوال الشخصية للأسرة العربية بعمق. ما وجدته لديهم هو مستوى الاحترافية العالي، منذ بدء العملية الإنتاجية حتى نهايتها؛ فلكل فرد متخصص مهمة يركز عليها ومسؤول عنها، هذا عدا حجم الميزانيات المرصودة لاستقطاب الكوادر والضيوف من كل مكان.

قائمة الضيوف ضخمة، وقيمتهم الفكرية ثقيلة، وهو ما يخدم عناوين القضايا التي تطرحها كل حلقة. وأرى أن القنوات العربية تشهد محاولات جادة من بعضها لتسجيل حضور وازن، بينما تتفوق القنوات الأجنبية بإطلاق أجنحة طواقم عملها وضيوفها ليعبروا بحرية ومرونة أكبر وقيود أقل بكثير.

صناعة الخبر

ما الفرق الحقيقي بين صناعة الخبر في الإعلام السعودي والإعلام الدولي؟

عبارتكِ “صناعة الخبر” هي واقع موجود في الإعلام منذ بداياته؛ حيث انتهج البعض -للأسف- صناعة أخبار تفتقر إلى الأهمية والتأثير الحقيقي على المشاهد، وغرضها في الغالب هو “الإلهاء”، وقد زاد منسوب هذه الصناعة للأخبار في العصر الحالي بشكل مقلق. والحمد لله، أرى أن الإعلام السعودي من أكثر الجهات الإعلامية نجاةً من الانجرار لهذا الفخ، بفضل تركيز طاقات العمل الصحفي بأنواعه على قضايا الداخل ورؤى وطموحات أجياله.

معضلة الحياد

هل تعتقدين أن الحياد الصحفي قيمة قابلة للتحقيق، أم مجرد هدف نظري؟

يحاول الصحفي المحترف أن يكون محايداً قدر الإمكان، ولكنه محكوم بأجندة جهة عمله، وهنا عليه أن يستنهض كل ملكاته الدبلوماسية والإقناع والحجة الحسنة ليفعل ما يراه صحيحاً ويتوافق مع مبادئه العليا! وشخصياً، حين أجد نفسي مقيدة في مكان يجبرني على موقف يتنافى مع القيم العليا التي أعتنقها، أوقن بأنه حان وقت المغادرة إلى فضاء عمل آخر بقلب ناصع البياض.

بقاء الإنسان

في زمن الذكاء الاصطناعي، ما الذي سيبقى للمذيع والصحفي الإنسان؟

قبل شهر تقريباً، تفرغت لنيل شهادة رقمية في المهارات الأساسية للذكاء الاصطناعي من غوغل، وكان فيها فصل كامل يشدد على أنه في العمل والحياة اليومية سيبقى للإنسان ما تعجز الآلة عن امتلاكه بالكامل: الضمير، والروح، والقدرة على فهم السياق الثقافي العميق للمجتمعات. فالذكاء الاصطناعي يسرّع جمع المعلومات وصياغتها، لكنه يفتقر إلى معايشة التجربة البشرية وتحمل مسؤولية الكلمة. ومع تطور التقنية، أعتقد بأن قيمة الصحفي والمذيع القادر على التحليل، والتحقق، وبناء الثقة مع الجمهور ستزداد.

أثر اللقاءات

ما أكثر مقابلة أجريتها وتركت أثراً فيك حتى اليوم؟

يصعب حصر الإجابة عن هذا السؤال، فقد قابلت المئات من المسؤولين التنفيذيين وأعضاء الكونغرس والبنك الدولي ونخبة الرواد في الثقافة وأكاديميين، وحتى العاملين في البادية أو سوق السمك أو كوادر النظافة والصحة العامة! كل من قابلتهم، دون استثناء وعلى اختلاف مستوياتهم الفكرية والأكاديمية والثقافية، أضافوا لي شيئاً، وهو ما دفعني لقرار لقائهم من الأساس.

التوافق المهني

هل سبق أن رفضتِ تقديم مادة أو إجراء مقابلة لأنها تتعارض مع قناعاتك المهنية؟

الحمد لله حظيت باحترام من عملت معهم جميعاً، واستقبلوني في الأساس للشراكة المهنية بناءً على قناعاتي وتوجهاتي وتخصصي وخبراتي، وإن واجهنا اختلافاً توصلنا إلى حل، وإن تباينت الرؤى تمسكنا بالامتنان لفرصة التجربة التي جمعتنا.

فلسفة الخيارات

لو عاد بك الزمن إلى عام 2004، هل ستتخذين الخيارات المهنية نفسها؟

الزمن يمضي دائماً يا معصومة، وأنا أعيش دائماً واقع خياراتي ومتصالحة معها بالكامل. علمتني الحياة من نجاحاتي وتحدياتي على حد سواء، وكل ذلك شكّل خبرتي وصاغ قصتي.

الهوية والنشأة

كيف أثرت خلفيتك القادمة من المنطقة الشرقية في شخصيتك الإعلامية؟

كل منطقة لها سمات عامة تميز أهلها، لذا أؤمن بأن نشأتي في كنف والد حر يعشق القراءة، متصالح مع ذاته، وأسس بيتاً يقدس القيم العليا والعلم والعمل والانفتاح الفكري، هي نشأة وفرت ظروف رعاية حظيت بها، وكان لها الدور الأكبر في صقل شخصيتي وتمكيني مبكراً.

قالب المرأة

هل شعرتِ يوماً أن الإعلام العربي يضع المرأة في قالب محدد يصعب الخروج منه؟

على العكس، الإعلام فتح المجال، خصوصاً اليوم، لمن يريد أن يبدع من الذكور والإناث، والإنسان هو من يحدد المساحة التي يرغب أن يسعى فيها سعياً مشكوراً.

درس التوثيق

ما الخطأ المهني الذي تعلّمتِ منه أكثر من أي نجاح؟

انشغلت كثيراً وأهملت التوثيق! وجعلت محطاتي المهنية والإنجازات والتكريمات والألقاب العالمية، وكل ما يمكن أن يكون مصدر إلهام وفخر لمن حولي أو للأجيال المقبلة، حبيس الأدراج.

الصحافة المحلية تناولت الموضوع وقتها بالطبع، ولكن الأخبار بقي معظمها قصاصات يعلوها الغبار ومنسية رقمياً في عالم اليوم. لقد قصرت في حق نفسي حين لم أهتم بإبراز وتوثيق حقائق توازي في أهميتها تقديم نشرة الأخبار الأولى، إذ يغيب عن الكثيرين أن كامبريدج وضعت اسم بثينة النصر بصفة مفكرة بارزة على قوائمها في عام 2003، أي قبل النشرة الإخبارية التاريخية بعام! وبأنني رشحت للقب عالمي وهو سيدة العام 2004! وحزت على المركز الثاني في القيادة من الشباب في عام 2006 من معهد أيزنهاور الدولي!!

كتبت لكم مقالاً عن خطئي ذاك، لأشجع من خلاله الجميع على التوثيق الرقمي حسب متطلبات العصر، وتكرمتم عنايتكم مشكورين بنشره على منصتكم الإخبارية الغراء “صبرة“، التي أتمنى أن تولي عناية فائقة بالأرشفة لمحتواها الغني من أخبار ومقالات وسير ذاتية لرواد ومؤثرين من المنطقة وللإرث المعرفي الوطني، ولتبقى الحقيقة معكم حاضرة.

هيبة الشاشة

هل ما زال التلفزيون يحتفظ بهيبته، أم أن المنصات الرقمية أصبحت اللاعب الأول؟

ما زال التلفزيون يحتفظ بهيبته ومصداقيته، خاصة في الأحداث الكبرى والأخبار العاجلة، لكن المنصات الرقمية أصبحت اللاعب الأول في الوصول إلى الجمهور وسرعة التأثير. اليوم يتجاوز الأمر حدود التنافس إلى التكامل بينهما.

ركائز التأسيس

إذا طُلب منك إعداد مشروع إعلامي سعودي جديد من الصفر، فما أول ثلاثة أشياء ستغيرينها؟

بما أن المشروع جديد ومن الصفر، فلن أبدأ بالتغيير بل بالتأسيس. وأول ثلاث ركائز سأركز عليها هي المحتوى الموثوق، والكفاءات المهنية، والتحول الرقمي المدروس.

سيرة ومآل

بعد كل هذه السنوات، كيف تحبين أن تُذكر بثينة النصر: أول مذيعة أخبار سعودية، أم إعلامية كسرت حاجزاً تاريخياً، أم شيئاً آخر؟

بنت البلد، التي عشقت عملها، فاجتهدت، وله أخلصت.