الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

محمد العلي.. اللغة كائن يتنفس

صُبرةالإثنين 13 يوليو 2026، 3:58 م
محمد العلي.. اللغة كائن يتنفس

نزار المصطفى

في هذا المقطع القصير ينجح محمد العلي في إنجاز واحدة من أصعب مهمات الشعر الحديث: أن يحوّل اللغة من أداة للقول إلى كائن حيّ يتنفس ويتحوّل ويتوالد من داخله. فالنص لا يروي حادثة، ولا يصف مشهداً بالمعنى التقليدي، وإنما يخلق مناخاً رؤيوياً تتشابك فيه العناصر الطبيعية والرموز الدينية والإشارات الصوفية لتكوين تجربة شعورية كثيفة، تبدو في ظاهرها غامضة، لكنها في عمقها شديدة الشفافية لمن يقترب من نبضها الداخلي.

يفتتح الشاعر نصه بقوله: «ليلة ناضجة»، وهي عبارة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، غير أنها تؤسس منذ اللحظة الأولى لعالم النص كله. فالليل هنا ليس زمناً، بل ثمرة بلغت اكتمالها. إننا أمام استعارة تنقل الليل من كونه إطاراً للأحداث إلى كونه كائناً عضوياً بلغ درجة الامتلاء. والنضج في الوعي الإنساني يرتبط دائماً بامتلاء التجربة واقتراب لحظة القطاف، وكأن الشاعر يعلن منذ البداية أننا أمام لحظة بلغت أقصى درجات التوتر الروحي والجمالي.

ثم تأتي الصورة التالية: «مدت النار أعناقها في المزامير». هنا ينتقل النص من الطبيعة إلى الموسيقى، ومن العنصر المادي إلى العنصر الروحي. النار لا تحترق فحسب، بل تمد أعناقها. إنها تتطلع، تتشوّق، تبحث عن شيء يتجاوز مادتها. أما المزامير فهي ليست مجرد آلة موسيقية، بل رمز عريق للترتيل والابتهال والارتقاء الروحي. وهكذا تصبح النار ـ وهي رمز الشهوة والطاقة والحياة ـ ممدودة العنق نحو الموسيقى المقدسة، وكأن المادة نفسها تتوق إلى الخلاص في النغم.

وحين يقول: «حول الزوايا المطهمة الهائجة» يبلغ التوتر الشعري ذروة مدهشة. فالطهارة والهياج ضدان ظاهريان، لكن الشاعر يجمعهما في تركيب واحد. إن الزوايا مطهّمة لأنها تنتمي إلى عالم النقاء الروحي، لكنها هائجة لأنها مفعمة بالحياة والحركة والانفعال. هنا تتجلى إحدى سمات شعر محمد العلي الكبرى، وهي قدرته على المصالحة بين الأضداد، بحيث يغدو التضاد نفسه مصدراً للمعنى لا عائقاً له.

بعد ذلك يظهر المطر: «مطر كأنّ يستبطئ الليل». والمطر في التجربة الشعرية العربية غالباً ما يكون رمزاً للخصب والتجدد والانبعاث، غير أن الشاعر يمنحه هنا وعياً خاصاً. فالمطر لا يهطل فحسب، بل يشعر بأن الليل بطيء، وأن زمن التحول لم يحن بعد بالسرعة التي يريدها. إنه مطر متوتر، مستعجل، ينتظر اكتمال لحظة الكشف.

ومن أبدع صور النص قوله: «يخلطه بالبنفسج». فالبنفسج في المخيال الشعري لون الحنين والرهافة والسر المكتوم. وعندما يختلط الليل بالبنفسج فإن العتمة تفقد قسوتها وتتحول إلى حالة وجدانية شفيفة. هنا لا يعود الليل سواداً، بل يصير لوناً روحياً مشبعاً بالذكرى والحلم.

ثم يبدأ التحول التدريجي: «شيئاً فشيئاً يهيج اللذونة في حطب هامد». وهذه من أكثر الصور عمقاً في النص. فالحطب الهامد هو رمز السكون أو الكمون أو الطاقة المعطلة. أما اللذونة فهي القابلية للتشكل والاستجابة. والمطر لا يشعل النار مباشرة، بل يوقظ القابلية الكامنة فيها. إنه لا يخلق الحياة من العدم، بل يستنفر الحياة المختبئة في أعماق الأشياء. وهذه رؤية فلسفية وجمالية رفيعة؛ إذ تجعل التحول الحقيقي نابعاً من الداخل لا مفروضاً من الخارج.

ويأتي بعد ذلك مشهد بالغ الرهافة: «ويهمي على ناظريه النخيل». هنا يتداخل الإنسان بالمكان، وتتحول النخلة ـ وهي إحدى أكثر الرموز رسوخاً في وجدان البيئة الشرقية والخليجية ـ إلى مطر بصري ينسكب على العينين. ليست النخلة شجرة فحسب، بل ذاكرة وأرض وأصل وحنين. ولذلك فإن هطولها على العينين يشبه انهمار الذاكرة نفسها.

ثم يبلغ النص مركزه الوجداني في النداء: «ذراعيك، إني مطر». إن المطر هنا يتكلم. إنه يطلب الاحتضان. لم يعد ظاهرة طبيعية، بل أصبح ذاتاً عاشقة تبحث عن اكتمالها في الآخر. وهذه واحدة من أجمل لحظات النص، حيث يذوب الحد الفاصل بين الإنسان والعناصر الكونية، فيغدو المطر عاشقاً، ويغدو الإنسان فضاءً لاستقبال هذا العشق.

وعندما يهتف الشاعر: «يا صلاة النبي، يا مزامير داود» فإنه لا يستدعي شخصيتين دينيتين بقدر ما يستدعي رمزين عظيمين للطهارة والجمال. فالصلاة على النبي تمثل ذروة الصفاء الروحي في الوجدان الإسلامي، ومزامير داود تمثل ذروة الجمال الموسيقي والترتيل السماوي في الذاكرة الإنسانية. وهكذا يربط الشاعر بين القداسة والجمال، بين الإيمان والنشيد، بين الروح والصوت.

أما الصورة الأخيرة: «يا لفتة النهر نحو الوراء» فهي من أعمق صور النص وأشدها إدهاشاً. فالنهر رمز الجريان الدائم نحو الأمام، لكنه هنا يلتفت إلى الوراء. إنها لحظة تأمل في الأصل، في المنبع، في الذاكرة الأولى. كأن الشاعر يقول إن كل اندفاع نحو المستقبل يحتاج إلى التفاتة نحو الجذور. ولذلك تأتي الخاتمة المدهشة: «أسرجوا لي الهواء». فبعد النار والمطر والمزامير والنخيل والنهر، يصل النص إلى الهواء ذاته. والهواء لا يُسرج عادة، لكنه في المخيلة الشعرية يتحول إلى فرس من نور أو وسيلة عبور نحو أفق أعلى. إنها خاتمة تنقل النص من العالم الحسي كله إلى فضاء التحليق المطلق.

إن هذا النص لا يُقرأ بوصفه مجموعة صور متجاورة، بل بوصفه سيمفونية روحية تتدرج من الليل إلى النار، ومن النار إلى المطر، ومن المطر إلى النخيل، ومن النخيل إلى الابتهال، ومن الابتهال إلى النهر، ومن النهر إلى الهواء. وكل صورة فيه تفتح باباً لصورة أخرى، حتى يغدو النص رحلة صعود متواصلة من المادة إلى الروح، ومن المرئي إلى اللامرئي.

وهنا تتجلى فرادة محمد العلي؛ فهو لا يكتب القصيدة بوصفها خطاباً أو حكاية، بل يكتبها بوصفها حالة كشف. الكلمات عنده لا تشير إلى الأشياء بقدر ما تعيد خلقها، والصور لا تشرح العالم بل تمنحه ولادة جديدة. ولذلك يبقى هذا المقطع، على قصره، مثالاً ناصعاً على الشعر الذي يتجاوز الوصف إلى الرؤيا، ويتجاوز اللغة إلى الموسيقى الداخلية، ويتجاوز المعنى المباشر إلى ذلك الأفق الرحب الذي لا تنتهي تأويلاته، لأن جماله الحقيقي يكمن في أنه يظل دائماً أكبر من أي قراءة وأرحب من أي تفسير.

النص:

محمد العلي

ياصلاة النبي

ليلة ناضجة

مدت النار أعناقها في المزامير

حول الزوايا المطهمة الهائجة

مطر كانّ يستبطئ الليل

يخلطه بالبنفسج

شيئا فشيئا يهيج اللذونة في حطب هامد

ويهمي على ناظريه النخيل

ينادي: ذراعيك، إني مطر

ياصلاة النبي

يامزامير داود

يالفتة النهر نحو الوراء

أسرجوا لي الهواء

الدمام 1995