الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أخبارهم

فاطمة اليعقوب.. الهدوء الذي رحل

صُبرةالإثنين 13 يوليو 2026، 5:56 م
فاطمة اليعقوب.. الهدوء الذي رحل

ليلى العوامي

تجلس صباحاً تتأمل السماء وهي تعزف سمفونية جميلة من الصفاء، رغم حرارة الجو ورطوبته إلا أنه يزرع فيك حرارة لا تعرف من أين أتت.

تحتار من أين هذه الحرارة، تتكئ على نفسك تأخذك الأنفاس إلى أبعد مكان.

وفجأة تتلقى من الأخبار ما لا يسرك.

هنا عرفنا معنى الحرارة المنبثقة من جدران صدورنا.

تأتيك بعض الأخبار على غير موعد، فتترك في القلب دهشةً وحزنًا يصعب وصفهما. وهكذا كان خبر الرحيل المفاجئ للغالية على قلوبنا فاطمة اليعقوب، “أم جواد”، الذي نزل كالصاعقة على كل من عرفها وأحبها. فالموت حق، لكنه حين يأتي بغتةً يذكرنا بقصر الدنيا، وأن الإنسان لا يحمل معه سوى عمله الطيب وأثره الحسن.

عرفت أم جواد خلال سنوات الدراسة في المتوسطة والثانوية الأولى بدارين، لم نستمر معاً بسبب الرغبة في النقل لمدرسة أخرى، لكن الود بيننا باقي.

أم جواد كانت من الشخصيات التي يبعث وجودها في المكان شعورًا بالسكينة. لم تكن ممن يسعون إلى الظهور أو لفت الأنظار، بل كانت هادئة بطبعها، رزينة في حديثها، راقية في تعاملها، حتى أصبح هدوؤها سمةً تميزها في ذاكرة كل من التقاها.

كانت صاحبة قلب كريم، لا تتردد في العطاء، وتؤثر الآخرين على نفسها بمحبة ورضا. كرمها كان حاضرًا في وقته، واهتمامها مستمر، وكلماتها الطيبة بلسم، وحرصها الدائم على أن يكون من حولها بخير صفة من صفاتها. وكأن العطاء جزء من طبيعتها التي فُطرت عليها.

ومن أجمل ما عُرفت به أنها كانت شديدة الحرص على مشاعر الآخرين. كانت تخاف أن تُحرج أحدًا أو أن تتسبب في ضيق إنسان، فتختار كلماتها بعناية، وتتعامل مع الجميع بلطف واحترام. وإذا استطاعت أن تجبر خاطرًا أو تخفف همًا، سارعت إلى ذلك بصمت، دون أن تشعر من أمامها بأنها تقدم له معروفًا.

في أحد الأيام وأثناء وقت الفسحة رأت طالبة جالسًة، ذهبت إليها بسرعة تسألها (ويش فيش حبيبتي)، اتضح أنه لا أحد معها وصديقتها قد تركتها.

ضحكت فاطمة ومسكت يدها قائلة: تعالي اليوم أنا صديقتك.

فاطمة خدومة بطبعها، لا تتأخر عن مساعدة أحد، ولا تتردد في بذل جهدها من أجل الآخرين. كانت ترى أن خدمة الناس خلقٌ قبل أن تكون واجبًا، ولذلك أحبتها القلوب، واحترمها كل من تعامل معها، لأنها كانت صادقة في إنسانيتها، نقية في سريرتها.

في أحد الأيام أتذكر كنتُ حاملاً وكنتُ متعبة للغاية، تركتني أرتاح وجلست مع طالباتي الحصة كاملةً، يا لها من إنسانة!

يا ربي لا استعظام على قدرك والأمر أمرك.

فعلاً تمر السنوات وتتبدل الوجوه، لكن بعض الأشخاص يتركون أثرًا لا يزول. واليوم، ونحن نستعيد سيرة أم جواد، ندرك أن الإنسان لا يُخلد بما يملك، بل بما يغرسه من محبة في قلوب الناس. وهذا هو الإرث الحقيقي الذي تركته خلفها؛ سيرة عطرة، وذكرًا حسنًا، ودعوات صادقة تخرج من قلوب من عرفوها.

لقد جاء رحيلها مفاجئًا، لكنه كشف مقدار المحبة التي كانت تحظى بها. ففي لحظات انتشر خبر وفاتها، وتتابعت كلمات الدعاء والثناء عليها، وكأن الجميع اتفقوا على أن هذه السيدة عاشت حياة عنوانها الطيبة، والكرم، والإيثار، وحسن الخلق. وما أجمل أن يغادر الإنسان الدنيا تاركًا وراءه هذا الرصيد من المحبة والدعاء.

نسأل الله تعالى أن يتغمد فقيدتنا الغالية فاطمة اليعقوب “أم جواد” بواسع رحمته، وأن يجعل كرمها، وإيثارها، وخدمتها للناس، ومراعاتها لمشاعرهم، في ميزان حسناتها، وأن يرفع درجاتها في جنات النعيم، وأن يلهم أهلها وذويها ومحبيها الصبر والسلوان.

رحم الله أم جواد… فقد جاء رحيلها مفاجئًا، لكن أثرها الجميل سيبقى حاضرًا في القلوب، وستظل سيرتها الطيبة تُروى كلما ذُكر أصحاب الإخلاص.