الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أخبارهم

حين يرحل الطيبون بهدوء

صُبرةالثلاثاء 14 يوليو 2026، 8:20 م
حين يرحل الطيبون بهدوء

سهام آل مسيري

أم جواد…

لا أدري لماذا يأتي الموت أحياناً بهذه الصورة المفاجئة، من دون مقدمات تهيئ القلب لاستقبال الخبر، ولا أدري لماذا حين يرحل الأحبة لا يأخذون معهم كل شيء؛ بل يتركون صورهم معلقة في الذاكرة، ونبرة أصواتهم، وضحكاتهم، وأحاديثهم العابرة، ومواقفهم الصغيرة التي لم نكن ندرك أنها ستصبح يوماً من أثمن ما نحتفظ به منهم.

يتركون كل تلك التفاصيل خلفهم… ثم يرحلون.

اليوم، تسارع إلى مسامعي صوت بكاء لم يكن عادياً. كان بكاءً حاراً ومتقطعاً، ومن نبرته وحدها كان يمكن معرفة أنه بكاء فقد، وأن خلفه خبراً ثقيلاً لم يستطع القلب تحمله.

ثم سمعت الخبر:

فاطمة اليعقوب توفيت.

حاولت أن أكرر الاسم والخبر أكثر من مرة، لعلني أستوعب ما سمعت، أو ربما لأنني كنت أبحث في داخلي عن احتمال آخر. فتحت هاتفي، وبدأت أقلب الرسائل والأخبار.

ربما تشابهت الأسماء.

ربما أخطأ أحدهم في نقل الخبر.

ربما هي متعبة فقط وتحتاج إلى الدعاء.

فلم نكن قد سمعنا أنها مريضة، ولم تكن هناك مقدمات تهيئنا لهذا الرحيل المفاجئ. لكن الخبر كان صحيحاً.

رحلت أم جواد.

وتلك هي الحقيقة المتعبة للروح والمفجعة للقلب، والتي مهما كررناها تظل أكبر من قدرتنا على التصديق.

عرفتها إنسانة هادئة ومتزنة، تحمل في ملامحها سكينة واضحة، وفي حديثها عقلاً رزيناً وحكمة لا تحتاج إلى ضجيج. كانت تعرف متى تتحدث، وكيف تتخذ قرارها، ولا تستثار بسهولة.

كانت كريمة الطبع، مبتسمة المحيا، زميلة وأختاً وقريبة من القلب. جمعتنا ساعات طويلة من العمل، وشاركتني كثيراً من الأحاديث، رغم أنها كانت من الأشخاص الذين يحافظون على خصوصيتهم، ولا يكشفون الكثير مما في داخلهم.

في آخر لقاء جمعني بها، قدمت لها اعتذاري عن عدم تمكني من حضور مناسبة خاصة بها، وهي خطوبة ابنتها، فردت علي مبتسمة كعادتها:

«الزواج إن شاء الله تشاركيني».

لم أكن أعلم أن تلك الابتسامة، وتلك العبارة البسيطة، ستصبحان آخر ما أحمله منها.

بمجرد أن سمعت خبر رحيلها، عادت سنوات التدريس معها دفعة واحدة. حضرت أحاديثها وصورتها ومواقفها، واجتمعت التفاصيل كلها في رأسي في لحظة واحدة، فتشتت تفكيري، وازدحمت الذاكرة بكل شيء عنها.

أشياء كثيرة كنا نظن أننا نسيناها، أعادها الرحيل فجأة. رأيتها أمامي كما كانت: بهدوئها، واتزانها، وابتسامتها التي لا تتكلفها.

هكذا يفعل الموت بنا؛ لا يكتفي بأن يأخذ إنساناً نحبه، بل يفتح في اللحظة نفسها كل أبواب الذاكرة، ويتركنا واقفين أمام سنوات كاملة، لا نعرف من أين نبدأ الحزن عليها.

رحلت أم جواد فجأة، لكنها لم ترحل من ذاكرة من عرفوها، ولا من قلوب من أحبوها.

فالطيبون حين يرحلون، يرحلون بهدوء، ومن دون ضجيج، ويتركون خلفهم سيرة طيبة، وذكراً جميلاً، وقلوباً موجوعة تبكيهم كلما مرت بها تفاصيلهم.

رحمك الله يا أم جواد، وجعل طيبتك وابتسامتك وما تركته من أثر جميل شاهداً لك، وربط على قلوب أهلك ومحبيك، وأسكنك فسيح جناته.