الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أخبارهم

فاطمة اليعقوب.. رحلتِ وبقي الأثر

صُبرةالخميس 16 يوليو 2026، 12:55 م
فاطمة اليعقوب.. رحلتِ وبقي الأثر

كفاح بنت حسن المطر

رحلت المعلمة فاطمة اليعقوب – رحمها الله – تاركةً إرثًا تربويًا نبيلًا يليق بمعلمةٍ حملت لغة الضاد بقلبٍ محب، ورسالةٍ صادقة، وروحٍ مخلصة؛ تؤمن أن التعليم أمانة، وأن غرس القيم فضيلة لا تقل شأنًا عن بناء العقول.

من خلال إشرافي عليها وجدتُها مثالًا لمعلمة اللغة العربية التي تُنمّي مهارات طالباتها بعنايةٍ تربوية واعية، وتتابع تقدّمهن باهتمامٍ دؤوب، وتدير صفّها بهدوءٍ واتزان، وتواجه المواقف بصبرٍ يكسو من حولها سكينةً وطمأنينة.

وقد يسّر الله لي الإشراف عليها في ثلاث دورات إشرافية، كانتْ كافيةً لأدركَ عن قرب ما امتازت به من مهنيةٍ رفيعة، وخلقٍ كريم، وحرصٍ صادق على التطوير. رأيت فيها معلمةً سريعةَ الاستجابة، دقيقةَ التقدير، تُنجز ما يُسند إليها برحابة صدر، وتتلقّى التوجيهات بحبٍّ وشغف، فتغدو كلُّ ملاحظةٍ عندها خطوةً نحو مزيدٍ من الإتقان.

كانت – رحمها الله – من المعلمات اللاتي يُعوَّل عليهن عند الحاجة؛ فإذا دعت المصلحة إلى ندب معلمةٍ لسدِّ عجزٍ في مدرسةٍ أخرى، بادرت إلى تلبية النداء برحابة صدر، وتفهُّمٍ كبير، وسرعةِ تقبُّلٍ تعكس نُبلها وصدق انتمائها للمهنة. لم تكن ترى الندب عبئًا، بل رسالةً أخرى تؤديها حيثما استدعتها الحاجة، فتكون في المكان الذي يحتاج إليها قبل أن تُفكّر فيما قد يترتب على ذلك من مشقة.

كم كانت لبقةً في تعاملها، طيبةَ المعشر، عذبةَ الحديث، تجمع بين اللطف والحزم، والتواضع، ذلك التواضع الجَمُّ الذي يرفع قدر صاحبه، ويمنحه منزلة في القلوب، ويورثه محبة الناس واحترامهم، ويخلدُ أثرَه في النفوس.

أختي العزيزة وطفى…

نعلم أن فقدَ الأخت ليس كأيِّ فقد؛ فهي قطعةٌ من القلب، ورفيقةُ العمر، وشريكةُ الذكريات. وحقًّا، إن فقدَ حبيبةِ قلوبنا المعلمةِ فاطمة خسارةٌ لا تُعوَّض، وألمٌ لا يجبره إلا الرضا بقضاء الله وقدره.

نعزّيكِ من القلب، ونسأل الله أن يربط على قلبك بالصبر الجميل، وأن يخفف عليك وطأة الفقد، ويجبر كسرك، ويعظّم أجرك.

وقد عرفنا أسرتكم الكريمة أهل إيمانٍ ورضا واحتساب، يستقبلون البلاء بقلوب مطمئنة، ويجعلون من الدعاء والعمل الصالح وفاءً دائمًا لمن أحبوا. نسأل الله أن يجعل فقدها رفعةً في درجاتها، ورحمةً واسعةً تغمرها، وأن يبدلها دارًا خيرًا من دارها، وأهلًا خيرًا من أهلها، وأن يجمعكم بها في جنات النعيم.

ولعلَّ أعظمَ ما تركته في الأفئدة سموُّ أخلاقها، وحسنُ تعاملها، وجميلُ تعاونها؛ ومنه نستشفُّ رسالةً بليغةً تقول: إن الأخلاق الفاضلة هي الجوهر الذي لا يرحل، والأثر الذي يبقى، والذكرى التي لا تمحوها السنون. فما أعظمُ أن ينقضي العمر، وتبقى السيرة عطرة، ويظلُّ الدعاء شاهدًا على ما غرسه صاحبها من خير.

سلامًا لروحكِ الزاكية يا فاطمة…

لقد كان رحيلُكِ مفاجئًا، وفقدُكِ موجعًا؛ غابَ وجهُكِ التربويُّ المشرق، وسكتَ صوتُكِ الحاني، غير أن نورَ خُلُقكِ، وصفاءَ روحكِ، وأثرَكِ الطيب سيظل حاضرًا في القلوب، يروي سيرةَ حياةٍ امتلأت عطاءً وإخلاصًا.

يا فاطمةُ الخير… إلى روحٍ وريحان.

نسأل الله الكريم، ربَّ العرش العظيم، أن يتغمّدكِ بواسع رحمته، ويجعل قبركِ روضةً من رياض الجنة، ويرفع درجاتكِ في عليين، ويتقبّل ما قدّمتِه من علمٍ وجهد، وما غرستِه من أدبٍ وإحسان، ويجعل ذلك كلَّه في موازين حسناتكِ، ويحشركِ مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.