القحطاني يقطع مسافة 140 كيلومترًا ليقدم دمه في سيهات

سيهات: معصومة المقرقش
في كل مرة يقرر فيها إبراهيم محمد حسين القحطاني التبرع بالدم، لا يكتفي بقطع دقائق إلى أقرب مركز صحي، بل يشد الرحال من منزله في الجبيل إلى سيهات، قاطعًا نحو 140 كيلومترًا ذهابًا وإيابًا، ليمنح مريضًا لا يعرفه فرصة جديدة للحياة.
هذه الرحلة لم تكن استثناءً، بل أصبحت جزءًا من حياته، يكررها كلما سنحت له فرصة المشاركة في حملات التبرع بالدم، مؤمنًا بأن المسافة لا تُقاس بالكيلومترات، وإنما بالأثر الذي يتركه كيس دم واحد في حياة إنسان ينتظر النجاة.
ويبلغ القحطاني من العمر 63 عامًا، وهو متقاعد من شركة أرامكو السعودية، وكان يقيم سابقًا في رحيمة برأس تنورة، ويرى أن التبرع بالدم رسالة إنسانية ودينية ومجتمعية، تستحق أن يبذل الإنسان من أجلها الوقت والجهد.

موقف غيّر حياته
ويعود القحطاني بذاكرته إلى الموقف الذي غيّر مسار حياته، حين شاهد بعد صلاة الجمعة في جامع عثمان بن عفان برحيمة رجلًا يحمل ابنته الصغيرة بيد، ويمسك طفلًا آخر باليد الثانية، يناشد المصلين التبرع بالدم لإنقاذ ابنته التي كانت تحتاج إلى تغيير دمها بصورة دورية.
ويؤكد أن ذلك المشهد ظل حاضرًا في ذاكرته طوال السنوات الماضية، ورسخ لديه قناعة بأن التبرع بالدم ليس عملاً تطوعيًا عابرًا، بل مسؤولية إنسانية ينبغي ألا تتوقف.
رحلة بدأت قبل 47 عامًا
بدأ القحطاني التبرع بالدم عام 1979 داخل شركة أرامكو السعودية، ثم انتظم في التبرع عبر مستشفى القطيف المركزي منذ يوم الاثنين 5 سبتمبر 1994، محافظًا على هذه الرسالة الإنسانية طوال أكثر من ثلاثة عقود.
ويقول إن دافعه الأكبر يتمثل في قول الله تعالى: ﴿ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا﴾، وهي الآية التي يراها تختصر المعنى الحقيقي للتبرع بالدم.
احتياج لا ينتهي
ويشير إلى أن المنطقة الشرقية تشهد احتياجًا مستمرًا للدم، في ظل وجود بعض أمراض الدم، الأمر الذي يجعله حريصًا على مواصلة التبرع كلما أتيحت له الفرصة، حتى وإن تطلب الأمر السفر من الجبيل إلى سيهات.
ويضيف أن مستشفى القطيف المركزي يؤدي دورًا مهمًا في خدمة شريحة واسعة من سكان المنطقة، وهو ما يجعل دعم بنوك الدم فيه واجبًا مجتمعيًا.
نشر ثقافة العطاء
ويرى القحطاني أن جهود الدولة أسهمت في ترسيخ ثقافة التبرع بالدم، خاصة بعد منع استيراد الدم من الخارج، وما رافق ذلك من حملات توعوية، ومشاركة الجهات الحكومية، والشركات، والأندية الرياضية، ووسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما انعكس على زيادة أعداد المتبرعين.
وفي المقابل، يعتقد أن الخوف وضعف الوعي بالفوائد الدينية والصحية والإنسانية للتبرع، لا يزالان من أبرز أسباب عزوف بعض الأشخاص، مؤكدًا أهمية استمرار التوعية في المساجد، والمجالس، والأماكن العامة.
قدوة داخل أسرته
وامتدت رسالة القحطاني إلى منزله، إذ يؤكد أن أبناءه وبناته يشاركون في التبرع بالدم بين حين وآخر، بعد أن نشأوا على قيمة العطاء وخدمة الآخرين.
كما شارك ثلاث مرات في حملة «ومن أحياها»، مشيدًا بدورها في نشر ثقافة التبرع بالدم، وتشجيع المجتمع على دعم بنوك الدم وخدمة المرضى.
ويختتم رسالته بكلمات يوجهها إلى الجميع قائلاً «تبرع بدمك الآن، فربما تكون أنت المحتاج التالي»، مؤكدًا أن الدم هو «الذهب الأحمر» الذي قد يصنع الفارق بين الحياة والموت.



