الشيخ علي المرهون قراءة في المسؤولية المجتمعية

عبدالإله التاروتي
يُعد الشيخ علي المرهون -رحمة الله تعالى عليه- (1334 – 1431 هـ) واحدًا من الأسماء التي سجلت حضورها في المشهد الثقافي الاجتماعي القطيفي؛ وذلك بما حفلت به شخصيته من مقومات وسمات نقلتها من خانة المرور العابر إلى ماكثٍ في الأرض بما ينفع الناس.
ندرك تمامًا أن المشهد والحراك الذي لازم الشيخ المرهون منذ بداياته الأولى في خط مشواره التحصيلي في الوسط الحوزوي النجفي درسًا وتدريسًا ومطالعة، يستلزم بالضرورة إذ ذاك وضوح رؤية في المنهج والتفكير؛ وهذا بدوره أيضًا بحاجة إلى صبر في السير في طريق ذات الشوكة، وجميعها محتاجة إلى حسن ظن بالله تعالى وتوفيق لرشاد وبصيرة.
وضمن سياق المقاربة في مجال دراسة بُعدٍ من أبعاد شخصية الشيخ علي المرهون، وهو حقل المسؤولية المجتمعية، نقف على بعض الجوانب منها:

أولاً: استثمار الخبرات والتجارب
من موقع ما يمر به الفرد والمجتمع عادةً من الخبرات والتجارب المتشكلة ضمن متصلها الزمني القريب، الوسيط، البعيد، ضمن ما يُعرف بالتاريخ الثقافي الاجتماعي للمجتمع؛ فترسم بذلك خارطة طريق للإفادة من منتجها الثقافي الاجتماعي الشفهي منه والمكتوب من جانب، والعمل على تطوير هذا المنتج ورفده بما يحقق له الحيوية والاستمرار من الجانب الآخر، ضمن مسيرة تعاقب الأجيال.
باعتبار أن هذه الخبرات والتجارب مكتسبات ترد في أشكال عدة من الحضور والممارسة ضمن ما يُعرف بمسارات التفاعل الاجتماعي، وما يصاحب ذلك من عمليات التغير الاجتماعي الذي يلزم المجتمعات إما إيجابًا أو سلبًا.
وتأتي في طليعة تلك الخبرات والمنجزات تلك النمطيةُ من الأداء والسلوك في مجال تنمية الفرد والمجتمع وبث روح المسؤولية المجتمعية في وسطه.
والذي يظهر من مجمل الخطوط العامة لشخصية الشيخ علي المرهون؛ نلمح جانبًا مشرقًا من رسم خارطة طريق نحو تحقيق هذه الرؤية ضمن ما يمكن الاصطلاح عليه بالتنمية المجتمعية، ومن ثم توظيف هذه الموارد البشرية المتاحة من أجل بناء الإنسان وتنميته، وذلك بإثارة الوعي بأهمية المشاركة المجتمعية في البناء الثقافي والمعرفي للمجتمع؛ باعتباره العتبة التي يعبر من خلالها الفرد والمجتمع نحو التفاعل والإدراك الواعي لحاضرها ومستقبلها ربطًا بماضيها كرافعة للدفع للنمو والارتقاء، لا للاسترخاء؛ وهذا بالضرورة يستلزم شوطًا طويلاً من العمل كي تنمو هذه الثقافة فتنتقل من حقل التصور والأمنيات إلى حيز الممارسة والسلوك بما تتحول معه هذه الممارسة إلى سمة تنطبع على شخصية هذا المجتمع أو ذاك.
بمعنى آخر تتحول هذه الخبرة إلى بُعدٍ ثقافي تنعكس آثاره على مجمل الخريطة الاجتماعية؛ أي يكون هذا المجتمع في طابعه العام صاحب روح تعاون ومبادرة.

وهذا الاتجاه في السلوك لدى الشيخ علي المرهون والمتصل بوعي المسؤولية المجتمعية؛ يضع بين أيدينا جانبًا من الجوانب المهمة التي تُعرّفنا على نمط شخصيته التي انطبعت على مجمل الأدوار والمهام التي كان يقوم بها إما بشكل مباشر أو غير مباشر -من موقع دوره كعالم في العلوم الشرعية- حتى أصبحت هذه السمة من الوضوح الذي لا يحتاج معه إلى دليل؛ فدليلها معها.
وعلى صعيد المقاربة في قراءة المسؤولية المجتمعية لدى الشيخ علي المرهون؛ يمكن لنا تلمس جانبٍ منها، وذلك ضمن ما أورده في مقالته “له دعوة الحق”، وهو مقال من حيث السياق التاريخي متقدم زمنيًا والمؤرخ في (1361هـ – 1942م)، وهي القراءة التي تُقرأ بلحاظ ظرفه الزمني ومتغيراته الاجتماعية والثقافية، لا من خلال تقييمه وإسقاط متغيرات ومعطيات واقع اليوم عليه.
ومن الجديد الذي تحمله المقالة أنها تكشف عن الحس الاجتماعي المتقدم لدى الشيخ علي المرهون؛ مفصحة عما تتمتع به شخصيته من وعي ومسؤولية؛ مستعينًا في ذلك بمشاهداته وملاحظاته في المواقف المختلفة فيما خبرته بعض البلدان والمجتمعات المجاورة من تجارب؛ وما يتمخض عن تلك المشاهدات والملاحظات من انعكاس على طبيعة قراءته لواقع تلك البلدان والمجتمعات على صعيد العمل الاجتماعي التعاوني؛ من موقع الاستفادة من دلالتها على مستوى التلقي الذاتي، وكذا في نقلها كتجارب إلى وسطه الاجتماعي من الجانب الآخر.

ثانياً: عتبات الاقتباس
ونعني بها ما سوف نقتبسه من مقالته المشار إليها بعنوان: “له دعوة الحق”، تاركين قراءة ما بين سطورها للمتلقي؛ مؤكدين من جديد على قراءتها كتجربة اجتماعية ضمن نطاقها الزمني، والمتغيرات الثقافية والاجتماعية التي تحيط بها، وهي:
العتبة الأولى:
“إن مجلس سيدي الوالد أمس كان في شأن إقامة مدرسة علمية تؤوي إليها طلبة العلم من أهالي القطيف الصادر منه مساء أمس الغابر قد حرك العواطف من الشباب الناهض …. فخرجوا متأوهين متلهفين يدعون الله في إنتاج هذه الدعوة موجهين جل مقالهم نحوي.”
العتبة الثانية:
“أتعلمون أن الأجنبي إذا دخل بلادًا يسأل عما فيها من المكتبات والنوادي العلمية والمجتمعات الأدبية والمدارس فيخرج منها ذامًا أو مادحًا؟ وبلادنا القطيف خالية من كل خير؛ فلا يخرج منها الأجنبي إلا ذامًا، أفترضون بهذا؟ كلا؛ لا يرضى الغيور لوطنه المحبوب بالخيبة والذم.”
العتبة الثالثة:
“كلكم عارفون أن بلادكم القطيف منقطعة عن كل خير، نائية عن البلدان التي هي محط للمعارف وشتى العلوم كالنجف وكربلاء والكاظمية وسامراء في العراق؛ وقم وشيراز وأصفهان وطهران وخراسان في إيران؛ وفي الأفغان وبربر وتبت والهند إلى غير ذلك من الأمصار العربية والعجمية من المدارس ما لا يخفى، وفي مصر الجامع الأزهر وما أدراك ما الجامع …. وكل ما ذُكر من الأقطار يسير أهلها مثابرين في ذلك بحسب الطاقة والاقتدار.”
العتبة الرابعة:
“بلادكم القطيف فيها من الاستعداد … فإن فيها من العلماء الفطاحل الذين يستطيعون بأنواع أبحاث الخارج، وفيها من الجهابذة الأفاضل المترشحين لدرجة الاجتهاد كثير؛ ومن الطلاب المحصلين عدد ليس بالقليل، ومن المتعلمين الراغبين ينوف على المائة.”
العتبة الخامسة:
“وإني ومن سمع بالأمر ليشرك الصنيع لتجار البحرين؛ فقد جُمِعَت لفقرائها خمسة عشر ألف روبية أيام كنت هناك للعلاج؛ وإن من الجمعيات لتؤسس الكثير من المدارس والنوادي والحسينيات والمواكب الحسينية التي يعجز القلم عن وصفها ..”
العتبة السادسة:
“كنت جالسًا ذات يوم مع الطلاب في ساحة مدرسة كاشف الغطاء أيام كنت فيها أمام الأستاذ نتذاكر دروسنا، وإذا برجل معيدي قد أقبل وبيده طومار كبير يسأل عن الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (1294 – 1373 هـ) حيث كان بالكوفة، فقال له الأستاذ: ما شأنك يا هذا؟
فقال: أريد الشيخ ليوقع في هذه الورقة.
فقال له: وما هذه؟
فقال: ورقة وقفية لحسينية بنيناها في بلادنا.
فقال له: كم مبلغ مصاريفها؟
قال: سبعمائة دينار، البالغة عددًا حسب الروبيات عشرة آلاف؛ ففتشنا عن بلادهم وإذا هي أقل بلدان العراق، بلاد محفرة تقع على شاطئ الفرات تسمى “عفك”.”
العتبة السابعة:
“أفتكرهون لبلادكم أن تكون كغيرها من البلدان العلية مناخًا لذوي الألباب السليمة؛ ومنزلاً لذوي المعارف ومحطًا لرواد العلوم ….”
العتبة الثامنة:
“أنتم معشر الإخوان ممن يحبون الخير … لا يهمكم قول قائل … إن القطيف ليست صالحة لأن تكون فيها مدرسة علمية؛ فإنكم تعلمون أن رضا الناس غاية لا تدرك …”
العتبة التاسعة:
“أتدرون أن تأسيس مدرسة علمية في القطيف يحييها ويطير باسمها، بعد أن كانت خاملة الذكر كأنها لم تُخلق في الدنيا … تكفيكم مؤونة دينكم وتضمن الرقي لأولادكم فترقى بهم إلى أوج الاجتهاد بعد أن كانوا في حضيض التقليد؛ أفتكرهون لأولادكم الوصول إلى الدرجات الرفيعة والمراتب العالية ..”
ختاماً:
تلك نتف واقتباسات من مقالة “له دعوة الحق” تكشف في تناص عنوانها وسيميائية تضاعيف بيانها الروحَ الاجتماعية التي كانت تتسم بها شخصية الشيخ علي المرهون -رحمه الله- منذ بداياته الأولى، التي ترى في مسيرة التعلم والتعليم وحركة الرفد الثقافي والمشاركة المجتمعية ليست مسألة ترفية، بل هي قيمة مضافة تضفي على المجتمع الحيوية والنماء؛ وهي بذلك معين خير لا ينضب يُضاف إلى حقيبة مكتسباته الثقافية والاجتماعية في أبعادها ومجالاتها المختلفة في الحاضر والمستقبل.
وبالتالي التوفر على رصيد ثرٍّ من التجارب والخبرات التي تمت صياغتها وعنونتها على غير واحد من رواد العمل والإصلاح الاجتماعي والديني، وهو ما يستدعي تداول منجزات هؤلاء الرواد -ومنهم الشيخ علي المرهون- ضمن هذا السياق الفاعل تداولاً وقراءاتٍ جديدة.



