أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

القرآن أولاً 11 | الرُّكَّعِ السُّجُودِ

صُبرةالجمعة 17 يوليو 2026، 4:08 م
القرآن أولاً 11 | الرُّكَّعِ السُّجُودِ

الشيخ علي الفرج

بعد الفراغ من استعراض الأدلة الدالة على هيئة الصلاة وتفاصيلها في القرآن، يحسن إيراد جملة من المؤيدات التي تؤكد هنا عذه النتيجة وهي: أن الفريضة التي دل عليها القرآن في الصلاة إنما تتمثل في الركوع والسجود، فهما الركنان اللذان تقوم بهما حقيقة الصلاة، وأما سائر الأجزاء والشرائط والهيئات فلا يثبت وجوبها بورودها في الروايات، وإنما تحتاج إلى دليل مستقل قرآني، وإلا كان مقتضى الدليل حملها على الاستحباب، كان ما كان:

ورد التعبير عن المصلين في القرآن بعنوان ﴿الرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ في أكثر من موضع، قال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: 29]، وقال سبحانه: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26].

وقال عزّ وجلّ: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125]، وتكرار هذا الوصف في هذه الآيات يشعر بالمكانة المحورية للركوع والسجود في حقيقة الصلاة، الأمر الذي يجعلهما أصلًا في تحديد أركانها، وتمييزها عما عداها من التفاصيل أي الأجزاء والشرائط.

ويستفاد من مجموع هذه الآيات أمران مهمان:

الأول: أن التعبير بـ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾، و﴿الرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، لم يرد لبيان وصفين منفصلين، وإنما سيق في صورة وصف واحد مركب، يجمع بين الركوع والسجود، بما يؤكد شدة الارتباط بينهما، حتى غدا كل منهما متمّمًا للآخر في حقيقة الصلاة، فلا تنفك ماهيتها عنهما.

الثاني: أن القرآن، مع كثرة ما ورد فيه من الحديث عن الصلاة، لم يجعل تكبيرة الإحرام، ولا الأذكار، ولا التشهد، ولا السلام، ولا سائر هيئات الصلاة عنوانًا لها، ولم يصف المصلين بشيء منها، وإنما خصّ الركوع والسجود بالذكر، حتى صار المصلون يُعرَفون بهما، فوصفهم بقوله: ﴿الرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ و﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾. وهذا ظاهر في أن الركوع والسجود هما قوام الصلاة بل الركنان الأساسيان، وأما سائر الأجزاء والهيئات فلا يثبت وجوبها من القرآن، وكان مقتضى الأصل عدم الوجوب، غايته أن يثبت استحبابها إذا دل عليه الدليل.

ومن المؤيدات الكبيرة هي رواية المشهورة المعتبرة عند العلماء وهي (لا تعاد)، والرواية الكاملة عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود، ثم قال: القراءة سنة، والتشهد سنة، ولا تنقض السنة الفريضة» الكافي، ج 3، ص 347 (بحسب طبعة دار الكتب الإسلامية). من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 225.

ومقتضى قوله (عليه السلام): «ولا تنقض السنة الفريضة» أن ما ثبت بالسنة وحدها لا يكون واجبًا يترتب على تركه بطلان الصلاة؛ لأن الفريضة هي ما فرضه الله في كتابه، وأما ما زاد عليها وثبت بالسنة فهو سنة، وترك السنة لا يبطل الفريضة.

ثمرات الركوع والسجود:

ومن ثمرات هذا المبنى أن جملة من المسائل المشهورة تنتقل من دائرة الوجوب إلى دائرة الاستحباب، وإن كان هذا الاستنتاج قد يبدو صادمًا لمن اعتاد المنهج الروائي في الاستنباط، إلا أن المدار ليس على المألوف أو المشهور، وإنما على ما يقتضيه الدليل القرآني. ومن أبرز تلك المسائل:

– الأذكار الواردة في الصلاة؛ كسورة الفاتحة وغيرها، فإنها من المستحبات المؤكدة جدًا.

– السجدة الثانية في كل ركعة؛ فإن القدر المتيقن من الوجوب هو أصل السجود، وأما التكرار فيحتاج إلى دليل خاص قرآني.

– تكبيرة الإحرام، فإنها ـ على هذا المبنى ـ من المستحبات المؤكدة كالملزمة التي واظب عليها النبي صلى الله عليه وآله.

– السجود على التربة، أو على الأرض، أو على ما أنبتته الأرض مما لا يؤكل ولا يلبس؛ فإنه من المستحبات المؤكدة، لا من شرائط صحة السجود.

– التكتف، وهو وضع إحدى الكفين على الأخرى في حال القيام في الصلاة، وقد دلت روايات أهل البيت (عليهم السلام) على كراهته الشديدة، وإن لم يكن تركه أو فعله داخلًا في أركان الصلاة التي يثبت وجوبها بالقرآن.

– وغيرها …

وهذه النتائج ليست إلا نماذج لهذا المنهج الاستنباطي القائم على مرجعية القرآن، فإن اعتماد القرآن أصلًا محوريًا في الاستدلال يفضي إلى إعادة النظر في أكثر أبواب الفقه، ويترتب عليه تقويم نسبة كبيرة من الأحكام المشهورة، تتجاوز ـ وفق هذا المبنى ـ سبعين في المئة من المسائل الفقهية المتداولة.

وخلاصة البحث:

أن الفريضة التي أثبتها القرآن في الصلاة هي المركّب العبادي المؤلف من الركوع والسجود، فهما ركن الصلاة وعمودها، وما عداهما لا يثبت وجوبه إلا بدليل قرآني ملزم، وإلا بقي على مقتضى الأصل من عدم الوجوب.