في العام 1947.. الجش أخرجت 5471 قلة تمر زكاة 352 بستان نخيل

الجش: صُبرة
في 10 يوليو 1947م، الموافق 22 شعبان 1366هـ، صدرت وثيقة حكومية لتقدير زكاة محصول النخيل في قرية الجش بمحافظة القطيف، بعد اكتمال أعمال خرص الموسم. ولم تكن الوثيقة، عند صدورها، سوى سجل إداري لتحديد مقدار الزكاة المستحقة على ملاك البساتين، لكنها تحولت، بعد مرور نحو ثمانية عقود، إلى واحدة من أهم الوثائق التي تلقي الضوء على تاريخ الزراعة في واحة القطيف.
وتشمل الوثيقة 352 بستان نخيل في الجش، ما يجعلها لا توثق إنتاج بستان أو مالك بعينه، بل تقدم صورة شبه متكاملة لموسم زراعي في قرية كاملة، يمكن النظر إليها بوصفها نموذجًا لفهم طبيعة الاقتصاد الزراعي الذي كان سائدًا في مختلف قرى الواحة قبل عصر النفط.
الجش… نافذة على القطيف
ولا تنبع أهمية هذه الوثيقة من كونها تخص قرية الجش وحدها، بل لأنها تمثل نموذجًا لما كانت عليه الزراعة في واحة القطيف خلال النصف الأول من القرن العشرين.
فالجش كانت واحدة من القرى الزراعية التي اعتمدت حياتها الاقتصادية على النخيل، شأنها شأن القديح والعوامية والتوبي وأم الحمام والجارودية وغيرها من قرى الواحة. وكانت هذه القرى تتشابه في مصادر المياه، وأنظمة الري، ودورة إنتاج التمور، وآلية خرص المحاصيل، وجباية الزكاة.
ومن هنا، فإن قراءة هذه الوثيقة لا تقتصر على تاريخ الجش، بل تفتح نافذة لفهم جانب مهم من تاريخ القطيف الزراعي كله، في زمن كانت فيه النخلة عماد الاقتصاد المحلي، ومصدر الرزق الرئيس لآلاف الأسر.

كيف كانت تُحسب الزكاة؟
قبل صدور الوثيقة، كان الخراصون يجوبون البساتين لتقدير كمية الثمار على رؤوس النخيل قبل جنيها، وهي العملية المعروفة بـ«الخرص». وبعد انتهاء أعمال التقدير، تُحرر الوثيقة الرسمية التي تحدد مقدار الزكاة المستحقة على أصحاب البساتين.
وتحمل الوثيقة توقيع خراصين توليا تقدير المحصول، إضافة إلى كاتبين قاما بإثبات البيانات، وهو ما يعكس وجود نظام إداري منظم لإدارة الزكاة في واحة القطيف آنذاك.

كما تشير المعلومات التي جُمعت من أهل الخبرة إلى أن نسبة الزكاة لم تكن واحدة في جميع البساتين، بل كانت تختلف بحسب طريقة الري؛ إذ تبلغ 10% للنخيل الذي يُسقى من العيون الطبيعية، و7% للنخيل الذي يعتمد على مياه الري الزائدة.
352 بستانًا في قرية واحدة
تكشف الوثيقة أن قرية الجش كانت تضم عام 1947 352 بستان نخيل، وهو رقم يعكس اتساع الرقعة الزراعية في القرية في ذلك الوقت.
ورغم أن الوثيقة لا تذكر مساحات هذه البساتين ولا أعداد نخيلها، فإن مجرد توثيق هذا العدد يمنح الباحثين مؤشرًا مهمًا على حجم النشاط الزراعي الذي كانت تعرفه الجش، ويؤكد المكانة التي احتلتها زراعة النخيل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية لسكانها.
كما يفتح هذا الرقم الباب أمام دراسات مستقبلية تقارن بين أعداد البساتين في قرى القطيف المختلفة، لرسم خريطة أدق للزراعة في الواحة خلال القرن الماضي.

5471 قلة
تسجل الوثيقة زكاة قدرها 5471 قلة من التمور، موزعة على ثلاثة بنود رئيسة:
2470 قلة من الخنيزي.
2313 قلة من البكيرة.
688 قلة من «الأبيض».
وتشير كلمة «الأبيض» في الوثيقة إلى مجموعة من الأصناف الصفراء المختلفة، لا إلى صنف واحد بعينه، وهو أسلوب إداري كان يُستخدم لتجميع عدد من الأصناف المتقاربة تحت مسمى واحد، في حين أفردت الوثيقة بندين مستقلين للخنيزي والبكيرة، بما يعكس مكانتهما بين أصناف التمور المزروعة في المنطقة.
كما تكشف هذه الأرقام أن الخنيزي والبكيرة كانا يمثلان القسم الأكبر من محصول التمور الذي شمله الخرص في ذلك الموسم.
أكثر من 175 طنًا زكاة
وبحسب المقاييس المحلية المتداولة آنذاك، تتسع القلة لنحو 32 كيلوغرامًا من التمر.
وبناءً على ذلك، فإن كمية الزكاة المثبتة في الوثيقة تعادل 175,072 كيلوغرامًا، أي أكثر من 175 طنًا من التمور.
ويتوزع الوزن على النحو الآتي:
الخنيزي: 79.040 طنًا.
البكيرة: 74.016 طنًا.
الأبيض: 22.016 طنًا.
وهذه الأرقام تمثل كمية الزكاة المقدرة، لا إجمالي إنتاج البساتين، لأن الوثيقة لم تُعد لإحصاء المحصول، وإنما لتحديد مقدار الزكاة الواجبة.
لماذا لا يمكن حساب الإنتاج الكلي؟
قد يبدو من الممكن الوصول إلى إجمالي إنتاج الجش من خلال نسبة الزكاة، إلا أن الوثيقة لا تقدم البيانات الكافية لذلك.
فهي لا تحدد عدد البساتين التي كانت تُسقى من العيون، ولا تلك التي تعتمد على مياه الري الزائدة، وهو ما يجعل من الصعب تطبيق نسبة واحدة على جميع البساتين للوصول إلى رقم دقيق للإنتاج.
ولهذا، فإن أي تقدير لإجمالي محصول الجش يحتاج إلى وثائق إضافية توضح توزيع البساتين بحسب نظام الري، حتى يكون الحساب مبنيًا على أسس تاريخية موثقة، لا على افتراضات.

مشروع لإعادة كتابة التاريخ الزراعي
تكمن القيمة الحقيقية لهذه الوثيقة في أنها تتجاوز الجانب المالي أو الفقهي، لتصبح مصدرًا تاريخيًا يوثق ملامح مجتمع زراعي كامل.
فهي تحفظ عدد البساتين، وأبرز أصناف التمور، وآلية الخرص، وطريقة توثيق الزكاة، وحجم الكمية المقدرة في موسم واحد، وهي معلومات نادرًا ما تجتمع في وثيقة واحدة.
ولعل الأهمية الأكبر تكمن في أنها تفتح الباب أمام مشروع أوسع لجمع وثائق الزكاة والخرص الخاصة ببقية قرى القطيف. فإذا أمكن العثور على سجلات مماثلة للقديح، والعوامية، والتوبي، وأم الحمام، والجارودية، وغيرها، فسيمكن للمرة الأولى إعادة رسم خريطة الإنتاج الزراعي في واحة القطيف خلال النصف الأول من القرن العشرين، اعتمادًا على وثائق رسمية وأرقام دقيقة، لا على الروايات الشفوية وحدها.
وبهذا المعنى، لا تعد وثيقة الجش مجرد سجل لموسم زراعي مضى، بل تمثل حجر أساس في مشروع أوسع لإعادة بناء التاريخ الاقتصادي لواحة القطيف، عندما كانت النخلة هي الثروة الأولى، وكانت العيون تروي البساتين، ويُدار هذا الاقتصاد الزراعي بمنظومة دقيقة من الخرص والزكاة والتوثيق الرسمي.



