حين يصبح النور منهجاً للحياة

نزار المصطفى
كان عنوان المحاضرة التي ألقاها سماحة العلامة الشيخ حسين المصطفى في دولة الكويت خلال العشرة الأولى من شهر محرم الماضي: «كيف يصير النور سبيلًا ومنهجًا؟». وقد فتحت هذه المحاضرة القيمة آفاقًا واسعة للتأمل في دلالات النور بوصفه قيمةً معرفيةً وأخلاقيةً وحضاريةً، وما يرد في هذا المقال ليس تلخيصًا لما طرحه سماحته، وإنما هو إضافة وتأمل شخصي انطلق من الأفكار التي أثارتها تلك المحاضرة، في محاولة لتوسيع بعض معانيها واستكمال جوانب من أفقها الفكري، مع خالص التقدير لسماحته على ما قدّمه من رؤية عميقة جديرة بالتأمل.
ليس النور كلمةً تُتلى على الألسنة، ولا فكرةً تُحفظ في الصدور، ولا شعاعًا ينساب من مصباح إلى جدار؛ إنما النور في أعمق معانيه سرٌّ من أسرار الحياة، وقوةٌ خفيةٌ ترفع الإنسان من حضيض التيه إلى ذرى البصيرة، وتنقله من ضيق الرؤية إلى سعة الإدراك، ومن ظلمات الحيرة إلى فسحة اليقين. ولأجل ذلك ظل النور، منذ فجر الوعي الإنساني، رمزًا لكل هداية، وعنوانًا لكل حقيقة، ورايةً لكل خير.
في اللغة، النور هو الضياء الذي تنكشف به الأشياء بعد خفائها، وتظهر به المعالم بعد استتارها، وتتبين به السبل بعد التباسها. ولكنه ما لبث أن تجاوز معناه الحسي إلى آفاق أرحب، فصار يعبّر عن العلم بعد الجهل، وعن الحكمة بعد السفه، وعن الهداية بعد الضلال. فإذا ذُكر النور انصرف الذهن إلى كل ما يكشف الحقيقة، ويزيل الحجاب، ويبدد العتمة.
أما في الاصطلاح، فالنور حالةٌ من الانجلاء الباطني، تستيقظ بها البصائر كما تستيقظ الأبصار عند مطلع الصباح. هو إشراق الحقيقة في العقل، واطمئنانها في القلب، وتجسدها في السلوك. إنه ذلك الشعور العميق الذي يجعل الإنسان يرى الأمور على ما هي عليه، لا على ما توهمه الأهواء، ولا على ما ترسمه الأوهام، ولا على ما تفرضه المصالح العابرة.
وقد عبّر النبي محمد صلى الله عليه وآله عن هذا المعنى حين جعل العلم نورًا يبدد ظلمات الجهل، وجاء في الدعاء المأثور: «اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا». فالنور في جوهره حياةٌ للقلب كما أن الضوء حياةٌ للبصر.
وقد أدرك الحكماء هذه الحقيقة منذ القدم، فقالوا: «من عرف الحق استنار قلبه»، وقالوا: «ليس الأعمى من فقد بصره، وإنما الأعمى من فقد بصيرته». ولهذا قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: «العلم نور»، وهي عبارة قصيرة في ألفاظها، عظيمة في معانيها، إذ تختصر مسيرة الإنسان كلها بين ظلمة الجهل وإشراق المعرفة.
غير أن النور لا يصبح سبيلًا لمجرد معرفته، فكم من إنسان عرف الحق ولم يتبعه، وأبصر الخير ولم يسلك طريقه، ووقف على منابع الحكمة ثم عاد إلى ظمأ الجهل بإرادته. إن النور يصير سبيلًا حين يتحول من معرفة إلى حركة، ومن قناعة إلى عمل، ومن يقين إلى ممارسة. فالطريق لا يُصنع بالأفكار المجردة، وإنما تصنعه الأقدام التي تسير، والعزائم التي تثبت، والقلوب التي تؤمن بما عرفت. عندئذ يغدو النور رفيق المسير، لا زينة الحديث.
ولعل أبا الطيب المتنبي أشار إلى هذا المعنى حين قال:
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ
وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
فالعزم هو الذي يحول المعرفة إلى واقع، ويجعل النور قوةً دافعة لا فكرةً ساكنة.
وإذا كان السبيل مسلك الأفراد، فإن المنهج نظام الجماعات والأمم. والنور لا يغدو منهجًا حتى يتحول إلى ميزان تُوزن به الأقوال والأفعال، وإلى قاعدة تُبنى عليها العلاقات، وإلى قيمة حاكمة تتسلل إلى تفاصيل الحياة كلها. حين يكون العلم مكرمًا لأنه علم، والعدل مطلوبًا لأنه عدل، والصدق محبوبًا لأنه صدق، والإنسان محترمًا لأنه إنسان، يكون النور قد تجاوز حدود الشعور الفردي ليصبح روحًا عامة تسري في جسد المجتمع.
وقد جعل الإمام جعفر الصادق عليه السلام العقل سراجًا للإنسان، إذ لا يمكن لمجتمع أن يسير في النور إذا أطفأ مصابيح الفكر فيه. فالعقول هي المنافذ التي يدخل منها الضوء إلى حياة الأمم، وإذا أُغلقت تلك المنافذ سادت العتمة ولو كثرت الأضواء.
وما أحوج مجتمعاتنا إلى هذا النور الذي لا يكتفي بإضاءة الطرقات، بل يضيء الضمائر. فما قيمة المدن المشرقة إذا كانت النفوس معتمة؟ وما قيمة الأبراج الشاهقة إذا كانت القيم واهية؟ وما قيمة وفرة الوسائل إذا افتقد الإنسان الغاية؟ إن النور الذي تُبنى به المجتمعات ليس نور الكهرباء ولا نور الشاشات، بل نور العقل حين يتحرر من الجهل، ونور الضمير حين يتحرر من الأنانية، ونور القلب حين يتحرر من القسوة.
ويتجسد النور في المعلم الذي يرى في كل تلميذ مشروع نهضة، فيغرس فيه السؤال قبل الجواب، ويوقظ فيه الفكر قبل الحفظ. ويتجسد في القاضي الذي لا تغريه قوة القوي ولا تستضعفه حاجة الضعيف، فيقيم ميزان العدل مستقيمًا لا يميل. ويتجسد في التاجر الذي يجعل الأمانة رأس ماله، وفي العامل الذي يجعل الإتقان عبادته، وفي الكاتب الذي يرى الكلمة أمانة لا سلعة، وفي المسؤول الذي يعد المنصب تكليفًا لا تشريفًا. هؤلاء جميعًا مشاعل صغيرة، ولكن الليل مهما طال لا يقوى على مقاومة اجتماع المشاعل.
ولقد صوّر البحتري مشهد انبثاق الضوء من العتمة تصويرًا خالدًا حين قال:
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًا
من الحسن حتى كاد أن يتكلما
وكأن النور حين يحل في حياة الناس يبعث فيها ربيعًا أخلاقيًا وفكريًا تتفتح فيه المعاني كما تتفتح الأزهار.
والنور لا يعرف العصبية، لأن الحقيقة أوسع من الأهواء، ولا يعرف التعصب، لأن الحكمة ابنة الإنصاف. وحين يسود النور يتعلم الناس أن الاختلاف لا يفسد المودة، وأن التنوع لا يهدم الوحدة، وأن الحوار ليس معركة يُهزم فيها الخصم، بل جسرًا تعبر عليه العقول نحو آفاق أرحب. أما حين تغيب أنوار البصيرة، فإن الكلمات تتحول إلى متاريس، والآراء إلى خصومات، والاختلاف إلى قطيعة.
وقد جسّد الشاعر والمفكر محمد العلي في تجربته الفكرية والشعرية قيمة البحث عن الحقيقة، وجعل من السؤال نافذةً للمعرفة، ومن الوعي سبيلًا للخروج من ظلمات الجمود. كما جعل الشاعر جاسم الصحيح الضوء رمزًا للإنسان الذي يقاوم العتمة، ويواصل رحلته نحو المعنى والجمال، لتبقى الكلمة المخلصة قادرةً على إشعال مصباح في زمن تزداد فيه الحاجة إلى الضوء.
وللنور خاصية عجيبة لا يشاركه فيها شيء؛ فهو كلما أُعطي ازداد انتشارًا، وكلما اقتُبس منه اتسعت دائرته. لا ينقص العلم حين يُعلَّم، ولا تضعف الحكمة حين تُنشر، ولا تفتقر الرحمة حين تُمنح. بل إن أجمل ما في النور أنه يعيش في الآخرين أكثر مما يعيش في صاحبه، ويثمر في القلوب التي يلامسها أكثر مما يثمر في اليد التي تحمله.
وهكذا فإن النور لا يصير سبيلًا إلا إذا سلكناه، ولا يصير منهجًا إلا إذا أقمناه في ضمائرنا قبل أن نقيمه في مؤسساتنا، وفي سلوكنا قبل أن نطالب به غيرنا. فالنور ليس خطابًا يُلقى، ولا شعارًا يُرفع، بل قيمة تُعاش، وعمل يُمارس، وعدل يُقام، ورحمة تُبذل، ومعرفة تُثمر.
فإذا استقر النور في الإنسان أضاء ما حوله، وإذا استقر في المجتمع أصبح حضارةً قادرةً على صناعة المستقبل. وما الأمم في نهاية المطاف إلا بمقدار ما تحمله من نور في عقول أبنائها، وصدق في ضمائرهم، وعدل في سلوكهم.



