الدخانُ يسبق النيرانَ إلى ملاذ الآمنين

معصومة المقرقش
خلال أيام معدودات، خيم الصمت الثقيل على ثلاث ديار متباعدة في الجغرافيا، متحدة في الوجع؛ طفلان خمدت أنفاسهما في أم الحمام بالقطيف، وجدة ضمّت حفيدتيها للمرة الأخيرة في الأحساء، وعائلة أطفأ الحريق نورها في نجران حين غيب خمسة أفراد وسيدة تنتظر مولودها.
هذه الفواجع تذكير قسري بأن البيوت التي نلوذ بها من هجير الصيف قد تغدو، في لحظة سكون، مصيدة مخفية بسبب شبكات كهربائية تعمل تحت إجهاد يفوق طاقتها.
في أشهر القيظ، يتحول التكييف إلى شريان حياة مستمر، ومع تشغيله المتواصل ترتفع درجة حرارة الأسلاك المخبأة داخل الجدران. تتراجع كفاءة العزل الحراري للمقابس، وتتسلل حرارة المقاومة الناجمة عن إجهاد الأحمال إلى القواطع القديمة، لتنشأ الشرارة في منطقة خفية.
وتكمن الخطورة الكبرى في الدخان الذي ينبعث أولاً؛ إذ تسلب الغازات المعتمة الخانقة قدرة الإدراك والنجاة قبل وصول ألسنة اللهب.
أمام هذه المأساة، يتضح أن الاعتماد على السلامة الظاهرية للمنزل مخاطرة مجدية؛ فالشبكة الكهربائية بنية حيوية تتطلب عيناً خبيرة تقرأ الإجهاد قبل تفاقمه، عبر فحص التوازن الفني للجهد، واختبار كفاءة قواطع الفصل الآلي التي تقطع التيار فور حدوث الخلل.
وعلى الضفة الأخرى من الوقاية، يقف كاشف الدخان حارساً يقظاً؛ فهذا الجهاز يكسر صمت القاتل الخفي، بصرخة إنذار مبكرة تمنح الساكنين الثواني الفاصلة بين الحياة والعدم، لتبدد خطر الغفلة قبل أن يبتلع الدخان أنفاسهم.
إن الحزن الذي خلفته فواجع أم الحمام والأحساء ونجران يحتم الانتقال من التعاطف إلى الفعل؛ فصيانة الشبكات عبر المختصين وتجهيز المساحات بكواشف الدخان يمثلان الفارق الحقيقي بين بيت ينعم أهله بالسلامة، وآخر تترصد جدرانَه شرارة غادرة. رحم الله الضحايا وألهم ذويهم الصبر والسلوان.



