في القديح.. أطول رحلة رعاية خيرية في المملكة

القطيف: زينب آل محسن
بعد 27 عاماً على حريق القديح، ما تزال رحلة الرعاية مستمرة لعشرات من المتضررين، في واحدة من أطول التجارب الإنسانية المرتبطة بحادثة واحدة في المملكة.
فبينما طُويت صفحات الحادثة منذ سنوات، لا تزال احتياجات بعض المصابين الطبية والتأهيلية قائمة، وتواصل جمعية مضر الخيرية متابعتها عبر برنامج متخصص للرعاية والدعم.

وتكشف بيانات حصلت عليها «صُبرة» من الجمعية أن 54 حالة ما زالت بحاجة إلى استكمال العلاج، فيما تحتاج 21 حالة إلى تعويضات جسدية تشمل أطرافاً صناعية وتعويضات للأذن، إضافة إلى احتياج 54 حالة لإجراء عمليات تجميلية وترميمية نتيجة الإصابات التي تعرضت لها.
ووفق بيانات الجمعية، أسفر الحريق عن 76 حالة وفاة، وإصابة 99 شخصاً، وتضرر 101 أسرة، لتبدأ بعد ذلك رحلة طويلة من العلاج والتأهيل والرعاية الاجتماعية امتدت حتى اليوم.

رعاية رسمية منذ اللحظات الأولى
ومنذ وقوع الحادثة، حظي المصابون باهتمام مباشر من الدولة، التي تكفلت بتوفير الرعاية الطبية اللازمة داخل المملكة وخارجها، وسخّرت إمكانات القطاع الصحي لعلاج المصابين ومتابعة حالاتهم، مع استمرار تقديم الخدمات العلاجية والتأهيلية كلما استدعت الحاجة ذلك خلال السنوات اللاحقة.
وشملت جهود الدولة علاج عدد من المصابين في مستشفيات ومراكز طبية متخصصة داخل المملكة، إضافة إلى ابتعاث حالات إلى مراكز علاجية خارج المملكة عندما استدعت أوضاعها الصحية ذلك، بما يضمن حصولها على أفضل الخيارات الطبية المتاحة. كما استمرت الجهات الصحية في متابعة كثير من الحالات التي احتاجت إلى عمليات متكررة أو برامج تأهيل طويلة الأمد.

علاج امتد لسنوات
وتشير بيانات جمعية مضر إلى أن برامج العلاج شملت مراكز طبية داخل المملكة، إلى جانب مستشفيات متخصصة في مصر والأردن والإمارات والكويت وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا وتركيا، بحسب احتياجات كل حالة.
وتنوعت الإصابات بين حروق من الدرجتين الثانية والثالثة، وتشوهات في الوجه والرأس والأطراف والصدر والظهر والبطن، إضافة إلى فقدان أجزاء من الجسم، وهو ما استلزم سلسلة طويلة من العمليات الجراحية والعلاج الطبيعي والتأهيل والعمليات الترميمية.
ورغم مرور أكثر من ربع قرن، ما تزال احتياجات بعض الحالات قائمة، سواء في استكمال العلاج أو التعويضات الجسدية أو الجراحات التجميلية والترميمية، نتيجة طبيعة الإصابات وآثارها الممتدة.

دور الجمعية
وبالتوازي مع الرعاية الصحية الرسمية، واصلت جمعية مضر الخيرية دورها في مرافقة المتضررين وأسرهم، من خلال تقديم الدعم الاجتماعي والنفسي والمالي، ومتابعة الاحتياجات العلاجية للحالات، وتنسيق الخدمات التي تتطلبها.
وأظهرت بيانات الجمعية أن إجمالي المساعدات المقدمة لمتضرري الحريق خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري بلغ 60,204 ريالات، فيما بلغ إجمالي المساعدات خلال عام 2025 203,467 ريالاً، استفاد منها 256 مستفيداً ومستفيدة.

وقال رئيس مجلس إدارة جمعية مضر الخيرية حسين الشيخ، في حديث لـ«صُبرة»، إن الجمعية حافظت على التزامها تجاه المتضررين منذ وقوع الحريق، واستمرت في متابعة احتياجاتهم الصحية والاجتماعية والإنسانية، مشيراً إلى أن بعض المصابين كانوا أطفالاً عند وقوع الحادثة، وأصبحوا اليوم رجالاً ونساءً، بينما لا تزال بعض الإصابات تتطلب رعاية متخصصة.
وأضاف أن الجمعية خصصت برنامجاً مستقلاً لمتابعة متضرري الحريق، يعمل على رصد الاحتياجات المتجددة، وتقديم المساندة المناسبة بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

رسالة تتجاوز الزمن
ويعكس استمرار هذا الملف بعد 27 عاماً نموذجاً للتكامل بين الرعاية الصحية التي وفرتها الدولة، والدور المجتمعي الذي اضطلعت به جمعية مضر الخيرية، في متابعة المتضررين ومساندتهم على امتداد سنوات طويلة. وبينما تجاوزت المملكة آثار الحادثة منذ زمن، ما تزال العناية ببعض المصابين مستمرة، انطلاقاً من مبدأ أن الرعاية لا تنتهي بانتهاء الحادث، بل تستمر ما دامت الحاجة الإنسانية قائمة.




