جاسم الصحيح من المناسبة إلى الرؤيا والفلسفة والوجود

نزار المصطفى
هل جاسم الصحيح صانع قصيدة جميلة فحسب، أم صاحب مشروع شعري ورؤية للإنسان والوجود؟
حين نتحدث عن جاسم الصحيح، فإننا لا نتحدث عن شاعرٍ أجاد نظم القصيدة وأحسن سبك العبارة فحسب، بل نتحدث عن تجربة شعرية متكاملة استطاعت أن تحجز لها مكانًا بارزًا في المشهد الشعري العربي المعاصر. ومن هنا يبرز السؤال النقدي الجوهري: هل تكمن قيمة جاسم الصحيح في جمال قصائده وحدها، أم أنه صاحب مشروع شعري ورؤية للإنسان والوجود ترفعه إلى مصاف الشعراء المبدعين الكبار؟
إن المتأمل في منجزه الشعري لا يحتاج إلى كثير عناء ليصل إلى نتيجة مفادها أن الجمال في شعر جاسم الصحيح ليس غايةً مستقلة، وإنما هو وسيلة لبلوغ أفق أرحب من التأمل والمعرفة. فالقصيدة عنده ليست بناءً لغويًا مغلقًا، بل كائن حي يتنفس الفكر والوجدان، ويتحرك في فضاءات الإنسان والتاريخ والوجود.
ولعل أول ما يلفت النظر في تجربته أنها تجربة ذات مشروع واضح المعالم، يقوم على تحويل الشعر إلى أداة اكتشاف. فهو لا يصف العالم كما هو، بل يعيد خلقه شعريًا، ويمنحه دلالات جديدة تتجاوز المألوف. ولذلك لا يشعر قارئه بأنه أمام شاعر مناسبات أو شاعر انفعالات عابرة، بل أمام عقل شعري منشغل بأسئلة كبرى تتعلق بالحياة والإنسان والزمن والحقيقة.
وقد يذهب بعض النقاد إلى أن كثرة القصائد المناسباتية لا تصنع مشروعًا شعريًا، وأن الشاعر الذي يرتبط إنتاجه بالمناسبات يظل أسير الحدث الذي كُتبت فيه القصيدة. وهذه الملاحظة تبدو صحيحة من حيث الظاهر، إذ إن جانبًا كبيرًا من شعر جاسم الصحيح ارتبط بمناسبات ثقافية أو وطنية أو اجتماعية أو تكريمية. غير أن هذه الحقيقة نفسها تكشف جانبًا من عبقريته، ولا تنفيها. فهو لا يتوقف عند المناسبة، بل يجعلها نقطة انطلاق إلى أفق أوسع.
المناسبة عنده ليست غاية القصيدة، وإنما شرارتها الأولى، ثم لا تلبث أن تتوارى ليبرز السؤال الإنساني والفلسفي والجمالي. وهنا تتجلى مهارة الشاعر الفذة؛ إذ يحوّل النص من خطاب مرتبط بزمن محدد إلى قصيدة رؤيا، ومن حدث عابر إلى تأمل باقٍ في الإنسان والوجود. وهذه القدرة على تجاوز اللحظة الآنية إلى الأفق الكوني ليست موهبة أسلوبية فحسب، بل علامة من علامات الشعراء الكبار الذين يجعلون من الواقع مادةً للفكر، ومن المناسبة مدخلًا إلى الفلسفة.
في قصيدته «مطالبة متأخرة بدم المتنبي» لا يستدعي المتنبي بوصفه شاعرًا تاريخيًا عظيمًا فحسب، بل بوصفه رمزًا للمبدع العربي الذي ما زالت الأمة مدينة له. فالقصيدة ليست رثاءً للمتنبي، بل محاكمة ثقافية للواقع الذي كثيرًا ما خذل عباقرته. وهنا يتجاوز الشاعر حدود الإعجاب بالشخصية إلى مساءلة العلاقة بين الإبداع والمجتمع، وبين العبقرية والتاريخ.
وفي «العابر في التأويل» نلتقي شاعرًا ينظر إلى العالم بوصفه نصًا مفتوحًا لا ينتهي عند معنى واحد. فالحقيقة عنده ليست يقينًا جامدًا، بل رحلة مستمرة من الاكتشاف. ومن هنا تتجلى النزعة الفلسفية في شعره، حيث يصبح التأويل نفسه فعلًا من أفعال الوجود.
أما «الشعر كائن الدهشة» فهي من النصوص التي تكشف جوهر رؤيته للشعر. فالدهشة عنده ليست زينة جمالية، بل جوهر التجربة الإبداعية. والشاعر الحقيقي في نظره هو الذي يعيد إلينا قدرتنا على رؤية العالم كما لو أننا نراه للمرة الأولى.
وفي «الجبل» يتحول الرمز إلى قيمة إنسانية كبرى. فالجبل ليس حجرًا وصخرًا، بل صورة للصمود والثبات والسمو. وهكذا ترتقي القصيدة من الوصف إلى الرؤية، ومن المشهد إلى الفكرة.
وفي «فلسفة في الحب» يتجاوز الحب معناه العاطفي المباشر ليصبح سؤالًا وجوديًا. فالححب عند جاسم الصحيح ليس حالة وجدانية فحسب، بل قوة كونية تفسر كثيرًا من أسرار الحياة، وتمنح الإنسان قدرته على تجاوز عزلته ومحدوديته.
أما «رماد من مجمرة الحلاج» فتكشف عن عمق حواره مع التراث الروحي العربي والإسلامي. فالحلاج في هذه القصيدة ليس شخصية تاريخية، بل رمز للإنسان الذي يدفع ثمن بحثه عن الحقيقة. ومن خلال هذا الرمز يطرح الشاعر أسئلة الحرية واليقين والمعاناة والمصير.
وفي «بين قوسين من الرغبة» و«الكنز موعدنا» و«حسب توقيت القلب» نجد شاعرًا يغوص في طبقات النفس الإنسانية، ويجعل من التجربة الفردية نافذة على التجربة البشرية الكبرى. أما في قصيدته «القصيدة» فإنه يلتفت إلى فعل الإبداع نفسه، فيجعل الشعر موضوعًا للشعر، وهي سمة لا تظهر إلا عند الشعراء الذين بلغوا درجة عالية من الوعي بطبيعة تجربتهم.
ومن النصوص الدالة على نضج رؤيته الإنسانية قصيدته «لم يهرم ولكن بلغ أشده مرتين» التي احتفى فيها بالشاعر والمفكر الكبير محمد العلي. ففي هذه القصيدة لا يقدم مديحًا تقليديًا، بل يرسم صورة ثقافية وإنسانية لشخصية استثنائية، ويرى في العمر تراكمًا للحكمة والمعرفة لا مجرد تعاقب للسنين. وهنا تتجلى قدرة جاسم الصحيح على تحويل المناسبة إلى رؤية، والشخص إلى رمز، والتجربة الفردية إلى قيمة إنسانية عامة.
أما قصيدته «الأحسائية» فهي في تقديري واحدة من النصوص المفصلية في تجربته الشعرية. وقد حظيت بقراءة نقدية معمقة لما تنطوي عليه من ثراء دلالي وجمالي. ففي هذه القصيدة تتحول الأحساء من مكان جغرافي إلى كيان حي نابض بالذاكرة والتاريخ والوجدان. إنها ليست أرضًا فحسب، بل هوية وثقافة وروح. والشاعر هنا لا يصف المكان من خارجه، بل يتوحد معه حتى يصبح جزءًا من نسيجه الإنساني والشعوري.
ومن خلال هذه النماذج وغيرها يتضح أن جاسم الصحيح يمتلك رؤية متماسكة للإنسان والوجود. فهو شاعر مشغول بأسئلة المعنى أكثر من انشغاله بزخرفة العبارة، ومشغول باكتشاف الحقيقة أكثر من انشغاله بإرضاء الذائقة العابرة. ولهذا ظل شعره محتفظًا بقدرته على الإدهاش والتجدد.
إن الشعراء الكبار لا يُقاسون بعدد القصائد الجميلة التي كتبوها، بل بمقدار ما أضافوه إلى الوعي الجمالي والفكري لأمتهم. فالمتنبي لم يخلده التاريخ لأنه أجاد الوصف وحده، وأبو تمام لم يبق لأنه أبدع الصور وحدها، والمعري لم يرسخ اسمه لأنه أحسن الصياغة فحسب، بل لأن كل واحد منهم حمل رؤية خاصة للعالم والإنسان. ومن هذا المنظور نفسه يمكن النظر إلى تجربة جاسم الصحيح.
فهو شاعر استطاع أن يصنع لغته الخاصة، وأن يؤسس عالمه الشعري المميز، وأن يحافظ على توازن نادر بين الجمال والفكر، وبين العاطفة والتأمل، وبين التراث والحداثة. كما استطاع أن يبرهن، عبر عدد كبير من قصائده المناسباتية، أن المناسبة ليست قيدًا على الشعر إذا امتلك الشاعر رؤية نافذة، بل قد تتحول إلى بوابة واسعة يدخل منها إلى الأسئلة الكبرى، ويمنح القصيدة حياة تتجاوز زمانها ومكانها. وهذه من أصعب المهارات الشعرية، لأنها تتطلب شاعرًا لا يكتب الحدث، بل يكتب ما وراء الحدث، ولا يكتفي بوصف المناسبة، بل يكشف معناها الإنساني والفلسفي.
لذلك فإنني أرى أن جاسم الصحيح ليس مجرد صانع للقصيدة الجميلة، على أهمية هذا الوصف، بل هو صاحب مشروع شعري وإنساني متكامل، وصاحب رؤية عميقة للإنسان والوجود، وشاعر يمتلك من الخصوصية والفرادة ما يؤهله لأن يكون واحدًا من أبرز الأصوات الشعرية العربية في عصرنا، وأن يحتل مكانته المستحقة في سجل الشعراء المبدعين الذين أسهموا في إثراء تاريخ الشعر العربي وإضافة صفحة جديدة إلى مسيرته الطويلة.




