وقفة مع الدكتور الطلالوة

علي عبدالرحمن آل فريج*
نشر جناب الدكتور وسيم الطلالوة تعليقًا على دراسة جينية سكانية تعود لعام 2024، والتي تفضل الأستاذ طاهر المدن بإعادة نشر بعض حيثياتها، مما لاقى رواجًا، نتج عنه نشر مقال تفصيلي حول الدراسة في صحيفة صبرة.
هذه الدراسة، التي كشفت عن وجود طفرة نقص إنزيم G6PD في رفات بشرية تعود إلى فترة تايلوس القديمة في جزيرة البحرين، خلص الدكتور الطلالوة، في تعليقه المستند إلى الأساليب الطبية الحديثة، إلى أن عدد العينات المفحوصة فيها لا يكفي لتعميم هذه النتائج. وهذه الملاحظة صحيحة في ذاتها إذا كان المقصود تقدير نسبة انتشار المرض في حقبة تايلوس بالبحرين.
إلا أن الدراسة لم تكن دراسة سريرية، ولم يكن هدفها تقدير نسبة انتشار المرض، بل كانت دراسة في الحمض النووي القديم (Ancient DNA) والوراثة السكانية (Population Genetics)، مما يمثل فرقًا جوهريًا في هدف الدراسة وكيفية قراءتها واستخلاص نتائجها.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى النظر في السياق الصحيح لقراءة مثل هذه الدراسات الجينية الأثرية، إذ إن قراءتها لا تتطلب فقط الإلمام بعلم الطب والدراسات السريرية، بل تتطلب أيضًا معرفة بعلم الأثار الجيني، وعلمي التاريخ والآثار، لارتباطها الوثيق بفهم نتائج هذه الدراسات واستخلاص دلالاتها.
وأولى قرائن ذلك أن النجاح في استخلاص حمض نووي من رفات في الجزيرة العربية يعد إنجازًا كبيرًا في حد ذاته، فضلًا عن استخلاصه من أربعة رفات تعود إلى مقابر وأزمنة مختلفة -وإن كانت جميعها تدخل ضمن ما يعرف بحقبة تايلوس- وذلك بسبب الظروف المناخية القاسية في الجزيرة العربية، وبالتالي ندرة العثور على رفات قديمة سليمة يمكن إجراء الفحوصات عليها.
فعلى سبيل المثال، عند الرجوع إلى قاعدة بيانات AADR التابعة لجامعة ريتشموند، نجد أن الرفات الأربع من مملكة البحرين هي الوحيدة المنشورة من كامل الجزيرة العربية.

في حين كانت هناك عينة لرفاة واحدة من سلطنة عُمان، إلا أنها لم تُدرج ضمن هذه القاعدة بسبب انخفاض جودة بياناتها الجينية.
اختلاف السؤال العلمي يعني اختلاف المنهج
في الدراسات الطبية الحديثة، قد يتطلب إثبات انتشار مرض في مجتمع معين عددًا كبيرًا من العينات قد يصل إلى المئات.
أما في علم الآثار الجينية (Archaeogenetics)، فإن السؤال يختلف؛ إذ يبحث الباحث عن أمور مثل: هل كانت الطفرة موجودة أصلًا في مجتمع معين؟ وهل كانت حالة فردية أم جزءًا من الحوض الجيني للمنطقة؟ وهل استمرت عبر الزمن أم اندثرت؟ وهل يتوافق وجودها مع بقية الأدلة التاريخية والأثرية والبيئية؟ ولذلك فإن معايير تقييم الأدلة ليست هي نفسها المستخدمة، إجمالًا، في الدراسات السريرية الحديثة للسكان الحاليين.
لماذا تعد نتائج الدراسة مهمة؟
لم تفحص الدراسة أربعة أفراد من أسرة واحدة أو من قبر واحد ولا من سنة واحدة، بل أربعة أفراد من مقبرتين أثريتين مختلفتين، هما: أبو صيبع ومدينة حمد. كما يمتد تاريخ هذه العينات عبرما يزيد عن 750 سنة؛ إذ تعود عينة أبو صيبع إلى الفترة ما بين 300 و200 قبل الميلاد، بينما تعود العينة MH3_LT من مقبرة مدينة حمد إلى الفترة ما بين 577 و647 ميلادية.
وهنا نحن نتحدث عن فارق زمني كبير، لا يمكن التقليل من أهميته لمجرد أن جميع العينات تدخل ضمن فترة تايلوس، وهي فترة تاريخية طويلة وممتدة.
كما أوضحت الدراسة بوجود اختلاطات جينية قد تشير إلى تزاوج بين أفراد محليين وآخرين غير محليين. وفي الوقت نفسه، أظهرت القراءات الجينية أن العينات الأربع جميعها تنتمي إلى حوض جيني واحد، بل إن الأمر الأهم أن ثلاثة من أصل أربعة يحملون الطفرة نفسها: G6PD Mediterranean (c.563C>T).
وهنا لا نتحدث عن مجرد نقص إنزيم G6PD بصورة عامة، بل عن طفرة بعينها، وهي نفسها الطفرة المعروفة اليوم بأنها الأكثر شيوعًا في البحرين والقطيف والأحساء، كما أشارت إلى ذلك دراسات جزيئية حديثة عديدة.
الفرق بين المرض والطفرة
من الأخطاء الشائعة التعامل مع G6PD على أنه مرض واحد في جميع أنحاء العالم، بينما الحقيقة أن هناك الكثير من المتغيرات الجينية المختلفة لجين G6PD، ولكل منطقة طفراتها الأكثر شيوعًا.
ومن المهم الإشارة إلى أن الدراسة لم تعمم القول بأن جميع رفات تايلوس كانت مصابة بنقص إنزيم G6PD، وإنما حددت بدقة أن الطفرة المكتشفة هي: G6PD Mediterranean (c.563C>T)، وهي نفسها الطفرة التي أثبتت الدراسات الجزيئية الحديثة أنها السائدة في منطقتنا حتى يومنا هذا.
ماذا تقول الوراثة السكانية؟
لقد قمت بمقارنة عينات تايلوس باستخدام تحليل Global25 (G25) مع متوسط 24 عينة حديثة من القطيف.
وأظهرت النتائج تقاربًا وراثيًا واضحًا، حيث كانت المسافة الجينية بين متوسط عينات القطيف وعينات تايلوس منخفضة (≈0.0168)، وأقرب بكثير من المقارنة مع مجموعات أخرى، مثل نجد، في الاختبار الذي أُجري.

وتشير إحداثيات G25 إلى تقارب الحوض الجيني بين سكان تايلوس وسكان منطقة القطيف، الذين تتماثل قراءاتهم الأوتوزومالية مع سكان البحرين البحارنة.
ماذا عن البيئة؟
تصف المصادر التاريخية بلاد البحرين التاريخية والقطيف بأنها كانت تضم واحات ومياهًا راكدة، وبيئة مناسبة لانتشار الملاريا.
فقد ورد في مسند أحمد، في خبر الأشج ووفد عبد القيس، أنهم شكوا إلى النبي ص وخامة الجو وما يسببه من أمراض.
حيث روى عن شهاب بن عباد أنه سمع بعض وفد عبد القيس يقول: قال الأشج: «يا رسول الله، إن أرضنا ثقيلة وخمة، وإنا إذا لم نشرب هذه الأشربة هيجت ألواننا وعظمت بطوننا…» إلى آخر الحديث.
ويوضح هذا الحديث وخامة الجو في بلاد البحرين التاريخية، بما يدل على كونها بيئة موبوءة بمثل هذه المرض.
كما ورد عن عمر بن الخطاب قوله المشهور: «عجبت لتاجر هجر وراكب البحر»، يريد أنهما في التعرض للخطر سواء. وهجر اسم آخر لبلاد البحرين، والمقصود هنا ذات المعنى المتعلق بوخامة الجو وما يسببه من أمراض، كمرض الملاريا.
ويتوافق هذا التفسير مع ما تقرره الأدبيات العلمية الحديثة حول تطور هذه الطفرة وأصل ظهورها.
في الختام
لا أختلف مع الدكتور الطلالوة حفظه الله في أن أربع عينات لا تكفي لتقدير نسبة انتشار المرض في حقبة تايلوس، لكني أختلف معه في أن هذه الحقيقة تقلل من قيمة نتائج الدراسة التي تشير إلى تأصل وجود الطفرة في المجتمع.
فالنتيجة لا تستند إلى ثلاث حالات تحمل الطفرة فحسب، وإنما إلى مجموعة من القرائن المتكاملة؛ إذ لدينا ثلاث عينات من الرفات تحمل الطفرة نفسها، تعود إلى أفراد غير أقارب، ومن مقابر مختلفة، وتمتد فتراتها الزمنية عبر نحو 750 سنة وأكثر، رغم الندرة الشديدة في الرفات المفحوصة على مستوى الجزيرة العربية عمومًا.
كما أن الطفرة نفسها لا تزال هي السائدة في البحرين والقطيف والأحساء، مع وجود تقارب وراثي عام بين عينات تايلوس والسكان الحاليين وفق تحليل G25، بما يشير إلى استمرار الحوض الجيني، وذلك في سياق تاريخي وبيئي يتوافق مع تأثير الملاريا عبر الأزمنة.
لذلك، فإن القراءة المنهجية لهذه الدراسة لا تقود إلى القول إن جميع سكان تايلوس كانوا يحملون الطفرة، وإنما تقود إلى نتيجة أكثر تفصيلاً، وهي أن الدراسة تقدم دليلًا مهمًا متعدد المصادر على أن طفرة G6PD Mediterranean كانت متجذرة في الحوض الجيني لبلاد البحرين التاريخية منذ العصور القديمة، وأن الأدلة الحالية تتوافق مع فرضية استمرارها بين سكان المنطقة حتى الوقت الحاضر.
——————
*اختصاصي أول مختبرات طبية
باحث في التاريخ والتراث
مهتم ومتابع لعلم الآثار الجيني
اقرأ أيضاً
أكاديمي سعودي: دراسة G6PD تمثل بداية مهمة.. لكنها لا تكفي لتعميم النتائج



