أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

من جمعية مضر.. أطول برنامج رعاية صحية خيرية في السعودية

صُبرةالإثنين 10 أغسطس 2026، 9:00 ص
من جمعية مضر.. أطول برنامج رعاية صحية خيرية في السعودية

القديح: زينب آل محسن

بعد سبعةٍ وعشرين عاماً على حريق القديح، ما تزال رحلة الرعاية مستمرة لعشرات من المتضررين، في واحدة من أطول التجارب الإنسانية المرتبطة بحادثة واحدة في المملكة.

فبينما طُويت صفحات الحادثة منذ سنوات، لا تزال احتياجات بعض المصابين الطبية والتأهيلية قائمة، وتواصل جمعية مضر الخيرية متابعتها عبر برنامج متخصص للرعاية والدعم.

وتكشف بيانات حصلت عليها «صُبرة» من الجمعية أن 54 حالة ما زالت بحاجة إلى استكمال العلاج، فيما تحتاج 21 حالة إلى تعويضات جسدية تشمل أطرافاً صناعية وتعويضات لأعضاء فقدت كالعين والأذن، إضافة إلى احتياج 54 حالة لإجراء عمليات تجميلية وترميمية نتيجة الإصابات التي تعرضت لها.

ووفق بيانات الجمعية، أسفر الحريق عن 76 حالة وفاة، وإصابة 99 شخصاً، وتضرر 101 أسرة، لتبدأ بعد ذلك رحلة طويلة من العلاج والتأهيل والرعاية الاجتماعية امتدت حتى اليوم.

رعاية رسمية مستمرة

ومنذ وقوع الحادثة، حظي المصابون باهتمام مباشر من الدولة، التي تكفلت بتوفير الرعاية الطبية اللازمة داخل المملكة وخارجها، وسخّرت إمكانات القطاع الصحي لعلاج المصابين ومتابعة حالاتهم، في صورة جسدت حرص القيادة على رعاية المواطنين وتخفيف آثار الفاجعة.

ولم يتوقف هذا الدور عند السنوات الأولى التي أعقبت الحادثة، بل استمرت الجهات الصحية في تقديم الخدمات العلاجية والتأهيلية للحالات التي استدعت أوضاعها ذلك، ومتابعة المصابين الذين احتاجوا إلى عمليات متكررة أو برامج علاج وتأهيل طويلة الأمد.

وشملت جهود الدولة علاج عدد من المصابين في مستشفيات ومراكز طبية متخصصة داخل المملكة، إضافة إلى ابتعاث حالات إلى مراكز علاجية خارج المملكة عندما استدعت أوضاعها الصحية ذلك، بما يضمن حصولها على أفضل الخيارات الطبية المتاحة.

علاج امتد لسنوات

وتشير بيانات جمعية مضر إلى أن برامج العلاج شملت مراكز طبية داخل المملكة، إلى جانب مستشفيات متخصصة في مصر والأردن والإمارات والكويت وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا وتركيا، بحسب احتياجات كل حالة.

وتنوعت الإصابات بين حروق من الدرجتين الثانية والثالثة، وتشوهات في الوجه والرأس والأطراف والصدر والظهر والبطن، إضافة إلى فقدان أجزاء من الجسم، وهو ما استلزم سلسلة طويلة من العمليات الجراحية والعلاج الطبيعي والتأهيل والعمليات الترميمية.

ورغم مرور أكثر من ربع قرن، ما تزال احتياجات بعض الحالات قائمة، سواء في استكمال العلاج أو التعويضات الجسدية أو الجراحات التجميلية والترميمية، نتيجة طبيعة الإصابات وآثارها الصحية والجسدية والنفسية الممتدة.

آثار مستمرة

وتكشف أوصاف الحالات التي ما تزال مدرجة ضمن الاحتياج العلاجي أن آثار الحريق لم تتوقف عند الإصابات الظاهرة، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية للمصابين. فمن بين الحالات من فقدت عيناً أو صيوان أذن أو قدماً، ومن فقدت أصابع أو جزءاً من الكف، إضافة إلى حالات فقدت حاسة اللمس أو القدرة على الإمساك بالأشياء.

وتواجه حالات أخرى صعوبة في الوقوف والمشي لفترات طويلة، أو عجزاً عن فتح إحدى العينين، إلى جانب تشوهات في الوجه والأطراف، وفقدان الشعر في مناطق من الرأس، وهي آثار تحدّ من القدرة على الحركة وممارسة بعض شؤون الحياة باستقلالية.

وتوضح هذه الحالات أن العلاج بعد 27 عاماً لم يعد مرتبطاً بمرحلة التعافي الأولى من الحروق فحسب، بل يشمل جراحات ترميمية وتعويضات جسدية وبرامج تأهيل متخصصة، تستهدف تخفيف الآثار الممتدة للإصابات وتحسين جودة حياة المتضررين.

دور الجمعية

وبالتوازي مع الرعاية الصحية الرسمية، واصلت جمعية مضر الخيرية دورها في مرافقة المتضررين وأسرهم، من خلال تقديم الدعم الاجتماعي والنفسي والمالي، ومتابعة الاحتياجات العلاجية للحالات، وتنسيق الخدمات التي تتطلبها.

وأظهرت بيانات الجمعية أن إجمالي المساعدات المقدمة لمتضرري الحريق خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري 2026 بلغ 60,204 ريالات، فيما بلغ إجمالي المساعدات خلال عام 2025 نحو 203,467 ريالاً، استفاد منها 256 مستفيداً ومستفيدة.

وأكدت الجمعية أن هذه المبالغ لا تعكس التكلفة الفعلية لملف علاج المتضررين، إذ تقتصر على مساعدات خيرية لتغطية احتياجات علاجية وصحية ومعيشية متنوعة، تشمل الأدوية، والفحوصات، والمراجعات الطبية، والعلاج الطبيعي، إلى جانب بعض الأمراض والاحتياجات الصحية الاعتيادية.

أما الاحتياجات العلاجية الرئيسة للحالات الأكثر تضرراً، والمتمثلة في العمليات الترميمية والتجميلية، والجراحات المتخصصة، والتأهيل الطبي طويل الأمد، والتعويضات الجسدية كالأطراف الصناعية وتعويضات الأذن وغيرها، فتتطلب برامج علاجية تمتد لسنوات، وقد تبلغ تكلفتها الإجمالية عدة ملايين من الريالات للحالة الواحدة، نظراً إلى تعدد العمليات التي يحتاج إليها كثير من المصابين، واستمرار بعضهم في تلقي العلاج حتى اليوم، بعد مرور سبعة وعشرين عاماً على الحادثة.

وقال رئيس مجلس إدارة جمعية مضر الخيرية حسين الشيخ، في حديث لـ«صُبرة»، إن الجمعية حافظت على التزامها تجاه المتضررين منذ وقوع الحريق، واستمرت في متابعة احتياجاتهم الصحية والاجتماعية والإنسانية، مشيراً إلى أن بعض المصابين كانوا أطفالاً عند وقوع الحادثة، وأصبحوا اليوم رجالاً ونساءً، بينما لا تزال بعض الإصابات تتطلب رعاية متخصصة.

وأضاف أن الجمعية خصصت برنامجاً مستقلاً لمتابعة متضرري الحريق، يعمل على رصد الاحتياجات المتجددة، وتقديم المساندة المناسبة بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

تكافل ممتد

وفي موازاة الرعاية التي وفرتها الدولة منذ اللحظات الأولى للحادثة، واستمرت في تقديمها للحالات التي تستدعي أوضاعها الصحية المتابعة والعلاج، تبرز الحاجة إلى توسيع دائرة التكافل المجتمعي للمساهمة في تلبية الاحتياجات العلاجية والتأهيلية المتبقية.

وبحسب القائمين على ملف متضرري الحريق في جمعية مضر الخيرية، فإن استكمال علاج الحالات التي ما تزال بحاجة إلى عمليات وجراحات وتعويضات جسدية يتطلب تضافر جهود أفراد المجتمع ورجال الأعمال والجهات الخيرية وأصحاب المبادرات الإنسانية، إلى جانب ما يقدم من رعاية وخدمات علاجية، للمساهمة في تلبية هذه الاحتياجات الممتدة.

وتوضح الجمعية أن هذه المساهمات لا تمثل دعماً علاجياً فحسب، بل يمكن أن تسهم في إعادة جانب من القدرة على الحركة أو السمع أو الرؤية أو الاعتماد على النفس لبعض المصابين، وتخفيف آثار إصابات ظلت ترافقهم منذ الحريق حتى اليوم.

رسالة تتجاوز الزمن

ويعكس استمرار هذا الملف بعد 27 عاماً نموذجاً للتكامل بين الرعاية الصحية التي وفرتها الدولة منذ وقوع الحادثة، وما تزال تقدمها للحالات التي تستدعي الرعاية، والدور المجتمعي الذي اضطلعت به جمعية مضر الخيرية في متابعة المتضررين ومساندتهم على امتداد سنوات طويلة.

وبينما تجاوزت المملكة آثار الحادثة منذ زمن، ما تزال العناية ببعض المصابين مستمرة، انطلاقاً من مبدأ أن الرعاية لا تنتهي بانتهاء الحادث، بل تستمر ما دامت الحاجة الإنسانية قائمة، ويظل التكافل المجتمعي شريكاً في استكمال هذه الرحلة.