الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

محمد الصويغ.. نصف قرن في صحبة الكلمة

صُبرةالأحد 9 أغسطس 2026، 9:00 ص
محمد الصويغ.. نصف قرن في صحبة الكلمة

الدمام: صُبرة

هناك كتّاب تصنعهم الكتب، وصحافيون تصنعهم غرف الأخبار، وفي تجربة محمد حمد الصويغ اجتمع الاثنان؛ فقد أمضى الرجل أكثر من نصف قرن متنقلاً بين الخبر والقصة والقصيدة والمقال، حاملاً الأحساء في ذاكرته، والمنطقة الشرقية في تجربته، والصحافة في تفاصيل حياته اليومية.

بدأ قاصاً في سبعينيات القرن العشرين، ثم أخذته الصحافة إلى غرف التحرير، ومنها إلى الإدارة، وعبر محطة مهنية في الدوحة، قبل أن يعود إلى المنطقة الشرقية ويواصل رحلة طويلة في صحيفة «اليوم».

وخلال تلك السنوات بقي الأدب رفيقاً دائماً.

صدرت له القصص، ثم الشعر، ثم الدراسات والمقالات، واتسعت دائرة علاقاته الثقافية من الأحساء والدمام إلى القطيف، فيما بقي اسمه حاضراً بين جيل من الأدباء والصحافيين الذين عاشوا زمن الورق بكل تفاصيله.

ابن الأحساء

ولد محمد حمد الصويغ في الأحساء في أربعينيات القرن الماضي، وتلقى تعليمه بين الأحساء والرياض.

وتختلف المصادر المنشورة في تحديد سنة ميلاده؛ بين 1943 و1945، فيما تتفق على المكان الذي انطلقت منه حكايته: الأحساء.

هناك تشكلت علاقته الأولى بالمكان والناس والثقافة، ومنها حمل اهتماماً ظل ملازماً لكتاباته حتى سنوات متأخرة، حين عاد في مقالاته إلى مشروعات الأحساء وقطارها ومساجدها التاريخية وتنميتها وتحولاتها الاجتماعية.

بدأ حياته العملية في وزارة العمل، ثم انتقل إلى المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، قبل أن تقوده الكلمة إلى المهنة التي ستأخذ مساحة كبيرة من عمره.

مبنى جريدة اليوم القديم في الدمام

إلى غرفة الأخبار

التحق الصويغ بصحيفة «اليوم» سكرتيراً للتحرير، وبدأ منها رحلة مهنية طويلة تدرج خلالها في العمل الصحافي حتى وصل إلى منصب مدير التحرير.

وكان ذلك في زمن مختلف من تاريخ الصحافة السعودية؛ زمن كانت فيه الصحيفة الورقية حدثاً يومياً، وغرفة التحرير مصنعاً يعمل لساعات طويلة كي تصل النسخة في صباح اليوم التالي إلى قارئ ينتظرها.

وعاش الصويغ هذه التحولات من الداخل.

غادر في محطة من مسيرته إلى قطر، فتولى إدارة مكتب صحيفة «الجزيرة» في الدوحة، وعمل في السفارة السعودية هناك، ثم عاد إلى «اليوم» واستكمل رحلته معها حتى تقاعده عام 2004.

أما الكتابة فاستمرت.

واصل نشر المقالات ومتابعة القضايا الثقافية والاجتماعية والتنموية، وبقيت الصحافة نافذته إلى المجتمع بعد انتهاء العمل الإداري اليومي.

القاص قبل مدير التحرير

وراء الصحافي الذي عرفته غرف التحرير، توجد حكاية أدبية بدأت مبكراً.

فالصويغ دخل عالم الكتاب قاصاً.

عام 1978 أصدر مجموعته القصصية «ناندا»، وبعد عام واحد صدرت مجموعته «المسحوق» عن نادي الطائف الأدبي.

ثم أضاف إلى تجربته مجموعة «الخلاص»، لتشكل الأعمال الثلاثة جانباً مهماً من تجربته في القصة السعودية.

وكان توقيت صدورها مهماً؛ فالسبعينيات مثلت مرحلة حيوية في تشكل القصة السعودية الحديثة، وكان الصويغ واحداً من كتّاب الجيل الذي أسهم في تلك الحركة، ودخلت أعماله لاحقاً ضمن الدراسات والقراءات التي تناولت مسيرة القصة في المملكة.

وفي أغسطس 1979 عبرت «ناندا» إلى فضاء عربي أوسع، حين نشرت مجلة «آفاق عربية» نصاً للصويغ يحمل الاسم نفسه.

وتكشف فهارس المجلات الثقافية القديمة امتداد حضوره بعد ذلك؛ فنشر نصوصاً ودراسات من بينها «سوق عكاظ في التاريخ والأدب»، و«الشائعة»، و«ثرثرة في منتصف الليل»، و«الحسناء».

كان يقضي حياته المهنية مع الخبر، ويحتفظ للقصة بمكانها في الجانب الآخر من الطاولة.

بعد القصة.. «تقاسيم»

ومع نهاية التسعينيات، أظهر الصويغ وجهاً آخر من تجربته الأدبية.

عام 1999 صدر ديوانه «تقاسيم» عن النادي الأدبي في تبوك.

وجمع الديوان تجربة شعرية تميل إلى الوجدان والرومانسية وتتنقل بين أكثر من شكل شعري.

وفي قراءة نشرتها صحيفة «الجزيرة» عام 2001، رصدت الكاتبة منى عبدالله الذكير تنوع نصوص «تقاسيم» بين النثر الشعري والشعر الحر وأشكال تقترب من البناء التقليدي، فيما وجد الأديب عبدالله أحمد الشباط في شعر الصويغ روحاً رومانسية وانسياباً وجدانياً.

وهكذا اكتملت صورة مختلفة للرجل الذي عرفته الصحافة مديراً للتحرير: خلف الأخبار والعناوين والمواعيد اليومية كان هناك شاعر يكتب بلغة أخرى.

«في دائرة الوعي»

وفي عام 2004، وهو العام الذي انتهت فيه رحلته الوظيفية مع «اليوم»، صدر للصويغ كتاب «في دائرة الوعي» عن نادي المنطقة الشرقية الأدبي.

ويكشف الكتاب مقدار اتساع اهتماماته؛ فقد توزعت موضوعاته بين اللغة والأدب، والإبداع الأدبي، والشعر والشعراء، والقصة والرواية، والنقد الأدبي، والثقافة العامة.

وبذلك تبدو كتبه وكأنها ترسم مراحل حياته نفسها: القصة في البدايات، والشعر بعد تراكم التجربة، ثم النقد والتأمل الأدبي بعد عقود من القراءة والكتابة.

وكان للصويغ رأيه الخاص في الأدب، يقوله بوضوح وحسم.

ففي حوار نشرته صحيفة «المدينة» عام 2010، تحدث عن القصة بوصفها بناء فنياً يقوم على عناصر وحبكة ونهاية، واتخذ موقفاً شديداً من «القصة القصيرة جداً»، انطلاقاً من مفهومه الخاص لفن السرد.

وفي الحوار نفسه أشاد بتجربة المرأة السعودية في القصة والرواية، وتعامل مع الإبداع بوصفه تجربة تقاس بقيمتها الفنية.

بين جيل من الكبار

عاش الصويغ داخل شبكة واسعة من العلاقات الأدبية والصحافية في المنطقة الشرقية، وشارك زملاءه الكتابة والنشاط الثقافي، وقدم بعض أعمالهم.

ومن ذلك كتابته مقدمة «أيام أندلسية» للأديب والصحافي خليل إبراهيم الفزيع، وهو الآخر واحد من أبرز أبناء جيل الصحافة والأدب في المنطقة الشرقية.

وفي عام 2010 أخذ حضوره الثقافي بعداً مؤسسياً؛ إذ اختير عضواً في مجلس إدارة نادي المنطقة الشرقية الأدبي ضمن التشكيل الذي صدر بقرار وزير الثقافة والإعلام آنذاك الدكتور عبدالعزيز خوجة.

كان ذلك امتداداً طبيعياً لمسيرة ارتبطت بالأندية الأدبية منذ وقت مبكر؛ فمن نادي الطائف خرجت «المسحوق»، ومن نادي تبوك خرجت «تقاسيم»، ومن نادي المنطقة الشرقية خرج «في دائرة الوعي».

ثلاث مدن، وثلاثة أندية، وثلاث محطات مختلفة في حياة كاتب واحد.

حين جاء إلى القطيف

وفي جانب آخر من رحلة الصويغ، حضرت القطيف ومجالسها الثقافية.

شارك الرجل في نشاطها الأهلي، وجلس بين مثقفيها، وظهر عام 2018 ضمن حضور منتدى الخط الثقافي في منزل الصحافي فؤاد نصر الله، إلى جانب أسماء ثقافية من بينها محمد رضا نصر الله، وخليل الفزيع، وحسن الزاير، وجعفر الشايب.

ويبدو أن مجالس القطيف تركت في ذاكرته شيئاً يستحق الكتابة.

ففي سبتمبر 2020 نشر مقالاً بعنوان «مجالس القطيف ومردوداتها الثقافية»، توقف فيه عند منتدى الخط الثقافي لفؤاد نصر الله، ومنتدى الثلاثاء الثقافي لجعفر الشايب.

كتب عن المجالس بوصفها فضاءات للحوار والمعرفة، وعن القطيف بوصفها بيئة تزخر برموز أدبية وفكرية ذات حضور محلي وإقليمي وعربي.

واستمرت متابعته لهذا المشهد، فكتب في سنوات لاحقة عن فعاليات منتدى الثلاثاء الثقافي وبعض محاضراته وندواته.

كانت علاقة مثقف بمكان عرفه من أهله ومجالسه، ثم حمل صورته إلى مقاله.

الأحساء.. العودة

ومهما اتسعت جغرافيا الصويغ، ظلت الأحساء تظهر بين وقت وآخر في كتاباته.

كتب عن التنمية فيها، وعن مشروعاتها، وعن القطار، والمساجد التاريخية والخدمات، وتابع تحولات المكان الذي بدأ منه.

وبين الأحساء والدمام والدوحة والقطيف امتدت جغرافيا حياة كاملة؛ لكل مدينة منها شيء في سيرته، فيما جمعت الصحافة والأدب تلك الأمكنة في تجربة واحدة.

خمسة كتب..

وآلاف الأيام

يمكن وضع كتب محمد الصويغ الخمسة المعروفة على رف صغير:

«ناندا».. «المسحوق».. «الخلاص».. «تقاسيم».. «في دائرة الوعي».

لكن المسافة بين أولها وآخرها تحمل قصة أكبر من خمسة عناوين.

في تلك المسافة عاش الرجل آلاف الأيام داخل الصحافة، وقرأ وكتب وحرر، وعاصر أجيالاً من الصحافيين والأدباء، وشهد تحولات المهنة والثقافة والمجتمع.

بدأت رحلته في زمن كان الكاتب يرسل نصه إلى مجلة وينتظر صدورها، والصحافي يعمل من أجل نسخة ورقية تصل صباحاً إلى قارئه.

ثم تغير كل شيء تقريباً.

تغيرت الصحافة، وتغيرت أدوات الكتابة، وتغيرت طريقة وصول النص إلى الناس.

وبقيت للكلمة قيمتها

وبقي لمحمد حمد الصويغ مكانه بين أبناء جيل جمعوا الصحافة والأدب في حياة واحدة؛ قاصاً حمل «ناندا» إلى القارئ منذ السبعينيات، وصحافياً أمضى عقوداً في غرفة الأخبار، وشاعراً ترك «تقاسيم»، وكاتباً ظل يتابع الأحساء والمنطقة الشرقية والناس بعين اعتادت أن ترى في الحياة مادة تستحق أن تُكتب.

مع رفيق دربه خليل الفزيع قبل أسابيع