أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

«يهب لمن يشاء».. امرأة تنتظر ومجتمع مدعوّ إلى أن يفهم

صُبرةالأحد 9 أغسطس 2026، 3:54 م
«يهب لمن يشاء».. امرأة تنتظر ومجتمع مدعوّ إلى أن يفهم

القطيف: معصومة المقرقش

في كتابها «يهب لمن يشاء»، تتناول الكاتبة إيمان الجصاص تجربة النساء اللاتي حُرمن من الإنجاب، وتقترب من مشاعرهن وما يحيط بهن من ضغوط أسرية واجتماعية.

فالكتاب يخاطب في المقام الأول من حُرمن من الإنجاب، ويمتد برسالته إلى المحيط الأسري والاجتماعي، داعيًا إلى كف الأذى والفضول، وإحلال الفهم والاحتواء مكانهما.

وترى الجصاص أن الحديث عن المرأة التي حُرمت من الإنجاب يمتد إلى المحيط الذي تعيش فيه؛ لذلك يجد القارئ بين دفتي الكتاب ما يختص بالمرأة، وما يتصل بأسرتها ومجتمعها وطريقة التعامل مع هذه التجربة.

نافذة أمل

بعد الصفحة الأخيرة من الكتاب، تتمنى الجصاص أن تشعر القارئة بالأمل والتفاؤل، وأن تواجه تجربتها بروح أكثر قوة، مدركة أن كل شيء بأمر الله، وأن الإنجاب، إن كان رزقًا مكتوبًا لها، فسترزق.

وتؤمن بأن الله سبحانه وتعالى يقدّر للإنسان ما فيه صلاحه، وما يكتنفه الخير، وأن القناعة بقضاء الله وقدره تمنح الإنسان قوة تساعده على مواصلة الحياة والتعامل مع ما يمر به من ظروف.

وتريد الجصاص للمرأة أن تشعر بأن هناك من يرى معاناتها ويشعر بأحاسيسها، ويستمع إلى حديثها الداخلي، وإلى ندائها الخفي والظاهر، وإلى نظراتها إلى نفسها وعائلتها.

ولهذا تتمنى أن تغلق القارئة الكتاب وهي امرأة قوية، قادرة على مواجهة تجربتها، وأن تنفض عن روحها البؤس والشقاء، وتفتح نافذة جديدة للحياة، ملؤها الرضا والتفاؤل والقناعة بقضاء الله وقدره.

فالإنجاب أمنية، فيما تظل حياة المرأة أوسع من هذه الأمنية.

دعم حقيقي

ترى الجصاص أن الدعم الاجتماعي الحقيقي هو الدعم الصادق الذي «ينبض بالحياة»، وقد يأتي في صورة معلومة مفيدة أو نصيحة تفتح أمام المرأة مساحة من الأمل.

وتشبّه هذا الدعم بشرفة يدخل منها ضوء الشمس إلى غرفة يحيط بها الظلام؛ فالمعلومة المفيدة والنصيحة الواعية يمكن أن تمنح المرأة ضوءًا في مواجهة اليأس.

وترى أن الدعم يمكن أن يأخذ أيضًا صورة اهتمام بالجانب الديني والثقافي والتوعوي المتعلق بالنساء اللاتي حُرمن من الإنجاب، وإدخال هذه القضية ضمن الفعاليات التي تهتم بالجانب الصحي والثقافي.

فالتوعية الصحية والاجتماعية والثقافية بطريقة التعامل مع هذه التجربة تسهم في دعم النساء اللاتي حُرمن من الإنجاب، والمحافظة على الجانب النفسي لديهن، وتنشيط حالتهن المعنوية، وزرع الأمل في نفوسهن.

وهنا يصبح المجتمع عونًا لهن.

أما التعاطف المجهد، فقد يتحول إلى عبء إضافي حين يُثقل الطرف الآخر بما يتجاوز قدرته على التحمل ماديًا أو معنويًا، أو حين تُستخدم أساليب في إيصال الفكرة لا تحقق النتيجة المرجوة.

فالدعم يحتاج إلى مراعاة قدرة الإنسان على الاحتمال، وطريقة إيصال الكلمة إليه، والظرف الذي يمر به.

ضغط متواصل

تصف الجصاص أثر الضغط النفسي القادم من البيئة المحيطة بأنه كبير، خصوصًا حين يكون ناتجًا عن الإلحاح المتواصل على المرأة والرجل، ثم يمتد إلى العائلة.

وترى أن هذا الضغط يؤثر في شخصية المرأة والرجل، وقد يخلق بينهما مشكلات نتيجة عدم القدرة على تحمل الإلحاح المستمر، وقد يصل الأمر إلى الانفصال.

وتشير إلى أن مستخدمي الضغط النفسي قد لا يدركون النتائج التي يمكن أن يتركها الإلحاح المفرط، وما قد يترتب عليه من آثار تتجاوز السؤال نفسه إلى حياة الزوجين وعلاقتهما.

ولهذا، فإن التعامل مع قضية الإنجاب يحتاج إلى وعي بحجم الضغط الذي يمكن أن يصنعه السؤال المتكرر والإلحاح المستمر.

قيمة المرأة

يحمل الكتاب دعوة إلى إعادة النظر في قيمة المرأة، بحيث تتسع صورتها عن دور الأمومة البيولوجية.

فالمرأة قد تكون متزوجة، وقد تتعدد أسباب عدم الإنجاب؛ فقد يتعلق السبب بأحد الزوجين، وقد لا يظهر سبب طبي يمنع الإنجاب.

وترى الجصاص أن الأمر في النهاية رزق وتوفيق رباني، وأن قيمة المرأة وحضورها في الحياة يرتبطان بإنسانيتها وتجربتها وحياتها، إلى جانب دورها في الأسرة والمجتمع.

وتمنح هذه الرؤية المرأة مساحة أوسع للنظر إلى ذاتها وحياتها، وتضع تجربة الإنجاب ضمن مسار حياتها الإنساني.

قصص غائبة

اختارت الجصاص أن يخلو كتابها من قصص لأشخاص لم ينجبوا، انطلاقًا من حرصها على مشاعر أصحاب هذه التجارب.

وتوضح أنها لم ترغب في وضع قصص لأناس لم ينجبوا؛ فبعض النساء مررن بظروف مرضية، واستعراض هذه التجارب في صورة قصص قد يكون سببًا في كسر الخاطر.

لذلك فضّلت أن تقدم الكتاب في إطار وجداني وتوعوي، مع مراعاة مشاعر أصحاب التجارب واحترام ما مروا به من ظروف.

فالحديث عن المعاناة يحتاج إلى حساسية في تناول التجارب الإنسانية، وإلى تقدير لمشاعر أصحابها.

وعي مجتمعي

وترى الجصاص أن للإعلام والصحافة الثقافية دورًا مهمًا في تصحيح المفاهيم النمطية المرتبطة بالعقم وتأخر الإنجاب.

وتدعو إلى تناول الموضوع من خلال المقالات التي تتحدث عنه باستمرار، والاستفادة من المناسبات التي تهتم بقضايا المرأة والرجل لفتح مساحة للتوعية والنقاش.

كما تقترح إقامة دورات عمل ومحاضرات، وإرسال رسائل توعوية قصيرة بصورة مستمرة، حتى يصل الوعي إلى المجتمع بصورة متكررة.

ومن الأفكار التي تطرحها أيضًا إنشاء جمعية تتناول موضوع المرأة غير المنجبة، وتنشر رسالتها في المجتمع، بما يسهم في رفع مستوى الوعي بطريقة التعامل مع هذه القضية.

فالمعالجة الإعلامية تمثل مساحة للتوعية الاجتماعية، وتفتح المجال لفهم أعمق لتجربة النساء اللاتي حُرمن من الإنجاب.

رسالة الكتاب

في «يهب لمن يشاء»، تضع إيمان الجصاص تجربة المرأة التي حُرمت من الإنجاب في مساحة تجمع بين الجانب الإيماني والوجداني والتوعوي.

رسالتها إلى المرأة تبدأ من الأمل؛ أن تؤمن بأن الإنجاب رزق مكتوب، وأن ما يقدره الله للإنسان فيه الخير، وأن تواصل حياتها بقوة ورضا وتفاؤل.

ورسالتها إلى الأسرة والمجتمع تتجه نحو الوعي؛ كف الأذى والفضول، وفهم مشاعر المرأة، والاحتواء، وتقديم الدعم الذي يعينها ويخفف عنها.

أما رسالتها إلى الإعلام، فتتمثل في الاستمرار في تناول القضية، وإدخالها ضمن مساحات التوعية الصحية والاجتماعية والثقافية، حتى يصبح المجتمع أكثر وعيًا بطريقة التعامل معها.

وبين هذه الرسائل، تظل المرأة في قلب الكتاب؛ امرأة تحمل أمنية، وتعيش تجربة لها خصوصيتها، وتحتاج إلى الأمل والدعم والاحتواء.

وتريد الجصاص للمرأة، بعد أن تغلق الكتاب، أن تنفض عن روحها البؤس، وتفتح نافذة حياة ملؤها الرضا والتفاؤل والقناعة بقضاء الله وقدره.

امرأة تنتظر، ومجتمع مدعوّ إلى أن يفهم.

غلاف الكتاب

يقع كتاب «يهب لمن يشاء» في 80 صفحة، وصدر عن دار العربية الفصحى، فيما تولّى عبدالله البنيان تصميم الغلاف.

ويأتي الغلاف بتصميم هادئ يغلب عليه اللون الأبيض، وتتوسطه صورة زهرة الهندباء ذات البذور الخفيفة، في معالجة بصرية بسيطة تتناسب مع الطابع الوجداني للكتاب.

ويمنح حضور زهرة الهندباء الغلاف طابعًا بصريًا رقيقًا، فيما تحافظ المساحة البيضاء الواسعة على هدوء التصميم وبساطته.