شفيق اجليح.. أسرار بحار في 3 قارات

البداية في ملوحة السيف في تاروت.. ثم في مياه الخليج.. ثم هناك قفزة إلى ضفتي البحر الأحمر.. لكن المسافة امتدّت بعيداً إلى الكاريبي..
القطيف: معصومة المقرقش
في مياه 3 قارات، لم يجد الغواص شفيق اجليح البحر نفسه مرتين.
في آسيا، بدأ من شاطئ نصف القمر ومياه الجبيل وجزيرتي جنى وجريد، حيث اختبر الخوف والمجهول، وسمع الحياة المختبئة بين الشعاب، وشعر بتيار يجره نحو القاع.
وفي البحر الأحمر، انتقل بين ضفتين وقارتين؛ غاص قرب شبه جزيرة سيناء، الجزء الآسيوي من مصر، داخل حطام سفينة بريطانية تحمل آثار الحرب العالمية الثانية، ثم وصل إلى الساحل الأفريقي قرب سفاجا، حيث ترقد «سالم إكسبريس» ومتعلقات ركاب رحلتها الأخيرة.
أما في أمريكا الشمالية، فنزل إلى البحر الكاريبي قبالة المكسيك، ليجد متحفًا فنيًا لا تُعرض أعماله داخل قاعات، بل تتولى المياه والكائنات البحرية إعادة تشكيله يومًا بعد يوم.
وبين آسيا وأفريقيا وأمريكا الشمالية، لم تكن غوصات شفيق انتقالًا بين مواقع جغرافية فحسب، بل رحلة بين الخوف والمعرفة والفن والتاريخ والذاكرة البشرية.

الصورة مصممة بالذكاء الاصطناعي
الخوف داخل زجاجة
في شاطئ نصف القمر، في المنطقة الشرقية، وجد شفيق زجاجة مستقرة في قاع البحر، وداخلها ورقة ملفوفة.
من الخارج، لم تكن الزجاجة قديمة، ولم تكن الأصداف والترسبات قد بنت طبقاتها عليها. يقول: «كأني أستعيد المشهد الآن؛ الزجاجة ما كانت قديمة واجد. من معالمها الخارجية، لو كانت قديمة، كانت الأصداف بتبني عليها».
كانت زجاجة لمشروب غازي، ربما «بيبسي» أو غيره، ومغلقة بإحكام. ويعتقد شفيق أن من ألقاها ملأها بالماء حتى تهبط إلى القاع بدلًا من أن تظل طافية.
توقع أن يجد رسالة، لكنه أخرج ورقة تحمل أسماء وكلمات ورموزًا وطلاسم لم يفهمها.
يقول: «بصراحة، كان المشهد مخيفًا وغريبًا، ليس لأنني أعرف ما تعنيه تلك الرموز، وإنما لأن وجودها بهذه الطريقة داخل زجاجة في قاع البحر جعلك تشعر أن وراءها قصة لا تعرفها».
من كتب الأسماء؟ ومن كان مقصودًا بها؟ ولماذا أُغلقت الورقة داخل زجاجة وأُلقيت في البحر؟
خرج شفيق بالزجاجة، لكنه لم يخرج بإجابة. بقيت الحكاية معلقة، وتحولت قطعة زجاج عادية إلى أول باب فتحه البحر أمامه على المجهول.

مع سلحفاء في اعماق البحر
ظلال بلا أسماء
في جزيرتي جنى وجريد بالجبيل، اتخذ المجهول شكلًا آخر.
عندما تضعف الرؤية تحت الماء، لا يرى الغواص سوى المسافة التي يسمح بها الضوء وصفاء البحر. وعند آخر مدى للبصر، قد يظهر ظل كبير، أو كتلة تتحرك لثوانٍ ثم تختفي.
هل كانت سمكة كبيرة؟ سربًا متقاربًا بدا كأنه جسم واحد؟ أم خداعًا صنعه الضوء والمسافة؟
يجيب شفيق: «لا أعرف».
لم يدفعه ذلك إلى مطاردة الظل، ولم يحوّل الاحتمال إلى قصة مؤكدة. تعلّم من البحر أن بعض المشاهد تنتهي قبل أن تكشف هويتها، وأن الغواص لا يستطيع أن يمنح اسمًا لكل ما يراه.
ويقول: «ربما بعض أسرار البحر جميلة تحديدًا لأنها بقيت أسرارًا».

للشعاب أصواتها
في مياه جنى وجريد، اكتشف شفيق أن البحر ليس عالمًا صامتًا كما يبدو من فوق السطح.
كلما اقترب من الشعاب، سمع أصواتًا تشبه الطقطقة أو تكسير قطع رفيعة من الخشب. وكان يلاحظ تغيرها باختلاف الوقت وحركة الكائنات حوله.
يقول: «سبحان الله، كل ما كنت قريبًا من المرجان تسمع هذه الأصوات».
وما يسمعه الغواص قرب الشعاب لا يصدر من المرجان وحده؛ فالمشهد الصوتي البحري تصنعه أسماك وقشريات وكائنات صغيرة، بينها «الروبيان الطقّاط» الذي يصدر فرقعات متتابعة، إضافة إلى أصوات تطلقها بعض الأسماك في أوقات النشاط والتكاثر.

الشعاب المرجانية في أعماق البحر،
وتزداد التجربة غرابة بسبب طريقة انتقال الصوت في الماء؛ إذ تبلغ سرعته نحو 1500 متر في الثانية، مقابل قرابة 340 مترًا في الهواء، أي أكثر من 4 أضعاف. ولهذا يصل الصوت إلى أذني الغواص بفارق زمني ضئيل، فيصعب عليه تحديد الجهة التي صدر منها.
فوق الماء، يلتفت الإنسان نحو الصوت. أما تحته، فقد يسمعه قادمًا من كل الجهات في وقت واحد، بينما يبقى مصدره مختبئًا بين الشعاب.

شعاب مرجانية متفرعة في أعماق البحر، تضيئها كشافات الغواص وسط ظلام المياه.
ما وراء دائرة الضوء
في الغوص الليلي والعميق، تصبح دائرة الكشاف هي العالم المرئي كله.
يكشف الضوء بضعة أمتار، بينما يبقى ما وراءه مفتوحًا على الاحتمالات. يعرف الغواص أن البحر يمتد من حوله، وأن كائنات تتحرك خارج الدائرة، لكنه لا يرى ما يوجد على بعد 10 أو 20 مترًا.
بالنسبة إلى شفيق، لا يصنع هذا الشعور خوفًا فقط، بل يفرض احترامًا للمكان. فالغواص، مهما امتلك من أدوات وخبرة، لا يرى سوى جزء صغير من عالم واسع يتحرك حوله.
وربما لهذا يعود إلى البحر؛ لأن كل غوصة تكشف مشهدًا، وتترك خلفه مساحة أكبر لا تزال خارج الضوء.
البحر يسحب إلى القاع
في مياه الجبيل، واجه شفيق خوفًا لم يكن هذه المرة مجرد ظل أو صوت.
اعترضه تيار هابط؛ لا يجرف الغواص أفقيًا بعيدًا عن موقعه، بل يدفعه من الأعلى إلى الأسفل، نحو عمق أكبر.
كان يعرف التيارات البحرية وطرق التعامل معها، لكنه لم ينسَ إحساس الماء وهو يسحبه إلى القاع. وفي تلك اللحظة حضرت في ذهنه العبارة التي يسمعها الناس منذ طفولتهم: «البحر يبلع».
لم تعد العبارة مجازًا. شعر أن البحر يستطيع فعلًا أن يأخذ الإنسان إلى الأسفل إذا لم يفهم طبيعة التيار ولم يحافظ على هدوئه.
خرج شفيق من التجربة بدرس ظل يرافقه: جمال البحر لا يلغي خطورته، والخبرة لا تعني تحديه، بل معرفة قوانينه وحدود الغواص داخله.

شفيق يستكشف حطام سفينة سالم غارقة في أعماق البحر
البحر الأحمر.. التاريخ على ضفتين
في البحر الأحمر، تغير معنى ما يجده شفيق تحت الماء.
هنا لم يعد القاع يخفي ظلالًا وطلاسم فقط، بل أصبح يحمل تاريخًا يمكن تحديد زمنه وأسماء أصحابه: حربًا عالمية على الضفة الآسيوية، ومأساة ركاب على الضفة الأفريقية.

دراجات نارية غارقة في قاع البحر، وقد غطتها الترسبات البحرية، بينما تسبح حولها أسراب من الأسماك

قرب سيناء.. دراجات الحرب
قرب شرم الشيخ وشبه جزيرة سيناء، غاص شفيق داخل حطام السفينة البريطانية «SS Thistlegorm»، ليجد دراجات نارية وشاحنات ومعدات عسكرية ما زالت داخل عنابرها منذ الحرب العالمية الثانية.
لم تكن «ثيستلغورم» سفينة حربية، بل سفينة شحن بريطانية مسلحة دفاعيًا. بُنيت عام 1940، وكانت تحمل إمدادات إلى قوات الحلفاء في مصر، بينها مركبات مدرعة وبنادق وذخائر وقطع طائرات وعربات سكك حديدية وقاطرتان ودراجات من طرازي «Norton» و«BSA».
وفي 6 أكتوبر 1941، كانت السفينة راسية في البحر الأحمر تنتظر دخول قناة السويس في طريقها إلى الإسكندرية، حين قصفتها طائرتان ألمانيتان. أصابت القنابل مخزن الذخيرة، فوقع انفجار ضخم أغرقها وقتل 9 من بحارتها ورجال المدفعية الذين كانوا على متنها.

الغواص يستكشف حطام السفينة الغارقة، وبجواره دراجة نارية مغطاة بالترسبات والكائنات البحرية.
بعد أكثر من 8 عقود، ما زالت ملامح الدراجات واضحة، لكن الترسبات والكائنات البحرية بدأت تكسوها. تتحرك الأسماك بين عجلاتها وهياكل الشاحنات، فيما يبدو الحطام كأنه مستودع توقفت فيه الحرب ولم تتوقف فيه الحياة.
بالنسبة إلى شفيق، لم تكن الدهشة في رؤية دراجات تحت الماء فقط، بل في الوقوف أمام حمولة بقيت في موضعها منذ عام 1941؛ تاريخ لا يُقرأ في كتاب، بل يسبح الغواص داخله.

حطام سفينة سالم اكسبرس
قرب سفاجا.. رحلة لم تصل
على الضفة الأفريقية للبحر الأحمر، وجد شفيق حطامًا مختلفًا تمامًا.
قرب مدينة سفاجا المصرية، ترقد العبّارة «سالم إكسبريس» على جانبها الأيمن، وبين أجزائها حقائب وأجهزة ومقتنيات حملها مسافرون كانوا عائدين من جدة إلى مصر.
في ديسمبر 1991، كانت العبّارة تقترب من سفاجا وسط طقس سيئ ورياح شديدة، حين اصطدمت بحيد «هيندمان» المرجاني. أدى الاصطدام إلى انفتاح بوابتها الأمامية واندفاع المياه إلى طابق المركبات، فغرقت خلال نحو 20 دقيقة، قبل أن يتمكن طاقمها من إنزال قوارب النجاة.
وبحسب الأرقام الرسمية، كان على متنها 650 شخصًا؛ توفي منهم 470 ونجا 180.
حين ينزل شفيق إلى موقع الحطام، لا يقف أمام سفينة مجردة من أصحابها. يرى الحقائب وأجهزة التلفاز والتسجيل والأغراض الشخصية، ويتخيل أشخاصًا كانوا يحملونها في طريق العودة إلى بيوتهم.
قبل ساعات من الغرق، كانت تلك الأشياء جزءًا من حياة يومية؛ حقيبة ستصل إلى منزل، وهدايا ينتظرها أهل، وجهاز سيُستخدم بعد انتهاء الرحلة. لكن الرحلة توقفت، وبقيت الأشياء في القاع.
لهذا لا يتعامل شفيق مع «سالم إكسبريس» كموقع غوص عادي. إنها ذاكرة بشرية ومكان يحتاج إلى احترام من يدخله أو يقترب منه.

حقائب المسافرين على متن سفينة اكسبرس
ويقول: «لو أخذ كل غواص شيئًا أعجبه، بعد سنوات لن تبقى القصة».
تعلّم أن يأخذ من الحطام الصورة والذكرى فقط، ويترك الأشياء حيث استقرت؛ لأن نقلها من مكانها لا يسلب القاع قطعة فحسب، بل يمحو جزءًا من الحكاية.

المتحف المكسيكي في قاع البحر
أمريكا الشمالية.. الفن ينزل إلى البحر
في البحر الكاريبي قبالة كانكون وجزيرة موخيريس المكسيكية، واجه شفيق وجهًا ثالثًا للأعماق.
هناك نزل إلى متحف الفن تحت الماء «MUSA»، الذي يضم أكثر من 500 منحوتة موزعة في مواقع بحرية مختلفة.
ومن أبرز ما صوّره مجموعة «التطور الصامت» للنحات البريطاني جيسون دي كيريس تايلور، المؤلفة من 450 مجسمًا بشريًا بالحجم الطبيعي.
هذه الأجساد الصامتة ليست محاكاة لأشخاص قضوا غرقًا، بل عمل فني صُنع من خرسانة بحرية ووُضع في القاع، لتصبح المنحوتات مع مرور السنوات موطنًا للكائنات ونقطة لنمو الحياة البحرية.
لا يقف الغواص أمام العمل كما يقف زائر في قاعة عرض. يسبح بين الوجوه والأجساد، ويرى الأسماك تمر من حولها، والترسبات تغير ملامحها، والبحر يضيف إلى العمل طبقات لم يضعها النحات.
هنا لا تبدو المنحوتة منجزة بصورة نهائية؛ فالعمل الذي بدأه الإنسان تواصل المياه والكائنات البحرية تشكيله بمرور الزمن.
وفي هذا الموقع، تحولت دهشة شفيق من العثور على شيء أخفاه البحر إلى مشاهدة شيء وضعه الإنسان عمدًا في القاع، ثم ترك للبحر مهمة استكماله.

آلة تسجيل وجدت ضمن مقتنيات ركاب سفينة سالم
الكاميرا لا تكفي
خلال رحلاته، حمل شفيق الكاميرا لتوثيق السلاحف والشعاب والحطام والمنحوتات، لكنه يرى أن الصورة تنقل جزءًا فقط مما يعيشه الغواص.
لا تسجل الصورة صوت التنفس داخل القناع، ولا الإحساس بانعدام الوزن، ولا صعوبة تحديد جهة الصوت، ولا اللحظة التي ينتهي عندها ضوء الكشاف ويبدأ المجهول.
قد تُظهر الكاميرا دراجة غارقة أو حقيبة أو وجهًا منحوتًا، لكنها لا تنقل دائمًا الفارق بين الوقوف أمام أثر من الحرب، ومتعلقات ضحايا، وعمل فني يتغير في الماء.

تلفاز ضمن مقتنيات ركاب سفينة سالم اكسبرس
3 قارات.. ودرس واحد
في آسيا، عرف شفيق الخوف والمجهول، وتعلم الإصغاء إلى الشعاب واحترام التيارات.
وفي أفريقيا، وقف أمام ذاكرة مسافرين توقفت رحلتهم في البحر، وتعلم أن ترك الأشياء في مواضعها يحفظ قصتها.
وفي أمريكا الشمالية، رأى الفن يخرج من القاعات، وينزل إلى القاع، ويقبل أن يشاركه البحر في تشكيل صورته الأخيرة.
وبعد سنوات الغوص، أصبح أكثر اقتناعًا بأن معرفة الإنسان بالبحر ما زالت محدودة. هناك أعماق لا يصل إليها الغواص العادي، وبيئات تحتاج إلى مركبات وتقنيات خاصة، وكائنات وسلوكيات ومواقع لم تُكتشف بعد.
من فوق السطح، قد يبدو البحر مساحة زرقاء واحدة. لكن تحته توجد تضاريس وتيارات وأصوات وحطام وأعمال فنية وقصص بشرية، لكل منها زمنها ومعناها.
ولهذا لم يعد شفيق يقيس احتراف الغواص بعدد شهاداته أو غوصاته، بل بقدرته على فهم حدوده.
ويقول: «الغواص المحترف ليس الشخص الذي يتحدى البحر، وإنما الشخص الذي يعرف متى يغوص، والأهم من ذلك أن يعرف متى يقرر ألا يغوص».

شقائق النعمان المرجانية، وبينها أسماك المهرج

شاشة تلفاز قديمة مغطاة بالترسبات والكائنات البحرية، وقد استقرت في قاع البحر بالقرب من حطام سفينة




