الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

فاضل الشاخوري.. من «طشت» سنابس إلى حورية البحر

صُبرةالسبت 19 سبتمبر 2026، 3:34 م
فاضل الشاخوري.. من «طشت» سنابس إلى حورية البحر

سنابس: معصومة المقرقش

بدأ الصياد فاضل عباس الشاخوري علاقته بالبحر صغيراً، حين كان يخرج إلى سيف سنابس مع أقرانه، ويجرب الصيد بأدوات بسيطة مثل «الطشت». ومع اتساع تجربته، قادته رحلاته إلى مشاهد أخرى؛ محاراً يخفي اللؤلؤ في الإمارات، وبقر البحر «الدغس» في الرامس، وسمك القرش وأبو منشار في الجبيل، وسلاحف بحرية على سواحل رأس تنورة والجبيل.

اليوم، يستعيد الشاخوري تلك التفاصيل من موقع الصياد والمدرب، مستنداً إلى سنوات طويلة قضاها بين الشباك والقوارب ومواسم الأسماك، وإلى معرفة اكتسبها بالملاحظة والممارسة.

«الطشت» الأول

في مياه سنابس الضحلة، بدأ الصيد بـ«الطشت»، الذي يُغطى بقماش، وتُترك في أعلاه فتحة، ويوضع داخله الطحين لجذب السمك. بهذه الطريقة كان الشاخوري وأقرانه يصطادون الميد، ويتعلمون مراقبة الماء وحركة السمك.

أما الصافي، فكان له أسلوب آخر؛ يخرجون لصيده ليلاً بطريقة «القمبار»، ومن ذاكرة تلك المرحلة أيضاً «الشعوم»، وهي صغار سمك العريضي، إلى جانب القرقفان والبدح والحاسون.

البحر يُقرأ

مع السنوات، صار الشاخوري يربط الصيد بتفاصيل المكان؛ شكل القاع، وحركة المد والجزر، وحرارة الماء، ومواقع الفشوت، والنباتات البحرية.

ويرى أن بيئة القطيف البحرية، بما فيها أشجار المانجروف والنباتات البحرية، وفرت موائل للأسماك والروبيان، فيما أسهمت مصبات مياه الآبار والعيون العذبة في تكوين بيئات ذات خصائص مختلفة. ومن هذه العلامات كان الصياد يحدد موقعه وأداته ووقت نزوله إلى البحر.

محارة تحمل لؤلؤاً

في الإمارات، خاض الشاخوري تجربة فلق المحار وأعمال الحضرة. وفي إحدى الرحلات، فتح أول محارة بين يديه، فوجد فيها عدة لآلئ. احتفظ بها، ثم أهداها إلى زوجته. وبقيت تلك اللحظة مختلفة في ذاكرته؛ فاللؤلؤة التي خرجت من المحارة لم تكن ثمرة للصيد فحسب، بل هدية انتقلت من قاع البحر إلى بيته.

الدغس.. مشهد يثير الخوف

في الرامس قديماً، وهي المنطقة المعروفة اليوم بكورنيش دانة الرامس، شاهد الشاخوري بقر البحر «الدغس»، الذي كان يظهر بكثرة في تلك المنطقة، بحكم طبيعتها وأشجار المانجروف. ويُعرف هذا الكائن الظريف بأسماء كثيرة، بينها “عروس البحر” و “حورية البحر”. وكان ظهور هذا الكائن الكبير في الماء يثير لديه الدهشة والخوف معاً؛ بهيئته المختلفة وحجمه اللافت، في مشهد بقي حاضراً في ذاكرته.

وفي الجبيل، شاهد الشاخوري سمك القرش وأبو منشار، الذي قد يصل طوله إلى أربعة أمتار أو أكثر. أما السلاحف البحرية، فشاهدها في شاطئ رأس تنورة وشواطئ الجبيل، وبينها سلاحف تعرضت لإصابات، فكان يحاول مساعدتها وإعادتها إلى البحر متى استطاع.

السبيطي.. امتحان للصياد

ويضع الشاخوري سمك السبيطي في مكانة خاصة بين الأسماك؛ فصيدُه يحتاج إلى معرفة بالموقع والطُعم وحركة السمكة، وإلى هدوء وصبر في التعامل معها.

أما الشعري والهامور والبالول الكبير، فتقود الصياد إلى مياه أبعد، على متن اللنجات والطرادات، باتجاه المياه العميقة والميافر الاصطناعية والقطع البحرية.

مواسم تغيّرت

يعرف الشاخوري مواسم الصافي والروبيان، ويربطها بدرجات الحرارة وحركة المياه. ويلاحظ اليوم تغيراً في انتظامها؛ فالحرارة تمتد لفترات أطول، والرطوبة تتبدل، والأسماك تتحرك بين المياه الضحلة والعميقة بصورة مختلفة.

لذلك يتابع الصياد البحر باستمرار؛ فقد يتأخر الموسم أو يقصر، وتتغير معه حسابات الصيد.

«الكراف» والقاع

يتوقف الشاخوري عند «الكراف»، وهي شباك الجر القاعية، لما تسببه من ضرر للقاع والفشوت والبيض والأسماك الصغيرة. ويرى أن حماية الثروة البحرية تبدأ بالالتزام بالأنظمة المتعلقة بأحجام الأسماك ومواسم الصيد، ومنح الأسماك الصغيرة فرصة للنمو والتكاثر.

وعن أحجام المصيد اليوم يقول: «الجواب باختصار: نعم، صغرت»، مشيراً إلى أن الهامور والشعري والبالول الكبير تحتاج إلى سنوات حتى تصل إلى أحجامها، بينما تلتقط بعض الشباك الأحجام الصغيرة قبل اكتمال نموها.

أسماك جديدة

وفي المقابل، أدى تغير تضاريس المنطقة بفعل الدفن والحفر إلى ظهور أنواع لم تكن مألوفة أو لم تكن موجودة بهذه الوفرة سابقًا، منها بعض أنواع الشعري والهامور، والجراجير، وسمك الجم، وبعض الأسماك التي تعيش في المياه العميقة وبدأت تقترب من المنطقة، إضافة إلى بعض أنواع اللخم والجرجور الوحري التي زادت وفرتها بصورة ملحوظة

البر والبحر

من «الطشت» إلى اللؤلؤة، ومن الدغس الذي أثار خوفه إلى السلاحف التي حاول إنقاذها، تمتد تجربة الشاخوري شاهدة على علاقة طويلة بين الصياد والبحر، وعلى تفاصيل صغيرة صنعت ذاكرة جيل كامل.

ويستعيد كذلك زمن المقايضة بين الصياد والمزارع؛ سمك يأتي من الماء، ومحصول يأتي من الأرض، وكل طرف يحمل تعب مهنته إلى الآخر.

ويختصر الشاخوري تلك العلاقة بقوله: «هي علاقة بين البر والبحر، وبين مشقة المزارع وتعب الصياد».

بلدات:سنابس