«غباء اصطناعي» يحرق ذاكرة القطيف

القطيف: صُبرة
لم يُحْيِ المقطع المتداول موروث «واصفيروه صفر»؛ بل أدخله آلة فرم رقمية، وأعاده في هيئة حفلة كرتونية هجين، لا تشبه القطيف ولا أهلها ولا تفاصيل حياتهم القديمة.
والمقطع ليس حالة منفردة؛ بل واحد من حالات كثيرة أخذت تتعمد إسناد تصوير موروث القطيف إلى الذكاء الاصطناعي، من دون بحث أو توثيق أو مراجعة بشرية. يُلقى إلى الآلة عدد من الكلمات العامة: قطيف، نخيل، أطفال، نار، امرأة مسنة، جرة؛ فتنتج قرية شرقية هلامية، ثم يُكتب اسم القطيف على النتيجة وكأنها وثيقة.

في أقل من دقيقة، استبدل المقطع ذاكرة مجتمع كامل بصورة مستهلكة: نخيل لا ينتهي، شمس ذهبية، مجريان مائيان متماثلان، امرأة تحمل جرة عملاقة، وأطفال يصفقون حول نار مصنوعة على طريقة مخيمات الرحلات.
إنه كل شيء تقريباً، باستثناء القطيف.

الأطفال بملابس باكستانية..!
الموعد والمكان من الخيال
يزعم وصف المقطع المنشور عبر إنستغرام أن أهالي القطيف كانوا يجتمعون في البساتين خلال «آخر أربعاء من شهر صفر».
وهذه معلومة محددة وواثقة وخاطئة.
المعروف في موروث القطيف أن كسر الفخاريات ارتبط بنهاية شهر صفر واستقبال ربيع الأول، وخصوصاً عند غروب آخر أيام الشهر. وكانت الممارسات تجري عند عتبات البيوت وفي الأزقة والبراحات، ضمن حركة شعبية موزعة بين المنازل والأحياء، لا في مهرجان جماعي داخل بستان مصمم بين قناتين مائيتين.
حتى حين حضرت النخيل في الذاكرة، فقد حضرت بوصفها جزءاً من البيئة ومصدراً للسعف والكرب المستخدمين في إشعال النار، لا مسرحاً سينمائياً يجتمع فيه الجميع وفق ترتيب هندسي اخترعته الآلة.

طرد القطيفيين من تراثهم
أقسى ما فعله الفيديو أنه طرد أهالي القطيف من المشهد، ووضع مكانهم شخصيات لا تنتمي بصرياً إلى المنطقة.
يظهر الأطفال بقمصان طويلة وسراويل وأثواب مطرزة أقرب إلى أزياء شبه القارة الهندية. وتتكرر الوجوه والابتسامات وتسريحات الشعر إلى درجة الاستنساخ، كأن الآلة صنعت طفلاً واحداً ثم وزعته على بقية الأجساد.
أما المرأة المسنة، فتظهر بعباءة سوداء عامة الملامح، تخلو من تفاصيل الردا القطيفي وخصوصيته. وفي المقابل، غابت الأزياء النسائية الزاهية والحلي والروائح والألوان التي رافقت الانتقال من موسمي الحزن إلى فرحة ربيع.
المقطع لم يخطئ في قطعة ملابس واحدة؛ لقد محا الهوية البصرية كلها، ثم حاول تعويضها بالنخيل.

ملامح امرأة قوقازية..!!
طقس مختلق
عرف الموروث كسر الأواني الفخارية القديمة عند عتبات المنازل: قدو، شربة، برنية، أكواب وصحون انتهى عمرها في الاستخدام اليومي. وكان فعل الكسر نفسه جزءاً من التعبير الشعبي عن خروج صفر.
لكن الذكاء الاصطناعي اخترع جرة ضخمة، وحولها إلى بطلة يحملها مشهد احتفالي أمام الأطفال. لا أوانٍ منزلية مستهلكة، ولا عتبة بيت، ولا سياق يشرح علاقة الفخار بحياة الناس؛ هناك فقط إناء عملاق يصلح لأفلام الأساطير.
وفي إحدى اللقطات يتداخل عنق الجرة مع رأس طفل، فيما تضطرب الأيدي والملامح وتتكرر الأجساد. وهي عيوب تكشف أن العمل لم يمر حتى على مراجعة بصرية جادة قبل نشره.
وهكذا تحولت عادة شعبية موزعة بين البيوت إلى طقس مركزي تقوده امرأة تحمل جرة أمام جمهور مصفق. هذه ليست معالجة فنية؛ إنها إضافة قصة لم تحدث، ثم تعليق اسم التراث عليها.

نار مخيم بدل السعف
حتى النار لم تسلم من التشويه. فالمعروف أن الأطفال كانوا يجمعون سعف النخيل والكرب والقضقاض والحشائش اليابسة، ثم يشعلونها ويدورون حولها ويرددون:
«واصفيروه صفر
طلع من الحضار وطفر».
و«الحضار» سور مصنوع من سعف النخيل وجريده، وليس اسماً للبستان الذي حشر المقطع الناس داخله.
أما الفيديو، فيقدم حطباً سميكاً مرصوصاً بعناية على هيئة موقد تخييم حديث. إنها نار جميلة وفق مقاييس مولدات الفيديو، لكنها غريبة عن المواد التي عرفتها البيئة المحلية وعن الطريقة التي روتها الذاكرة الشعبية.

تشويه يتكاثر بسرعة
المشكلة تتجاوز مقطعاً رديئاً. صفحات وحسابات كثيرة بدأت تستخدم الذكاء الاصطناعي لإنتاج مشاهد تزعم أنها تمثل أسواق القطيف ونساءها وصياديها وفلاحيها وألعاب أطفالها وعاداتهم. والنتيجة تتكرر: وجوه مستوردة، أزياء هجينة، عمارة بلا هوية، وأدوات لا تنتمي إلى المكان.
كل مقطع يضيف طبقة جديدة من الزيف، ثم تنسخه الحسابات الأخرى، ويسقط مع إعادة النشر التنويه بأنه مولد بالذكاء الاصطناعي. وبعد سنوات قد تواجه الأجيال مئات الصور الكاذبة مقابل عدد محدود من الصور الحقيقية.
حينها يصبح الخطأ أقوى من الذاكرة؛ لأنه ملون ومتحرك ومصحوب بالموسيقى.
وتحذر اليونسكو من «التجانس الثقافي» الناتج عن تحيزات أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتدعو إلى تمثيل الثقافات المحلية وإشراك المجتمعات التي تحمل التراث في تقديمه. اليونسكو

الآلة لم تفشل وحدها
الذكاء الاصطناعي لا يعرف القطيف، وهذا متوقع. الفشل الحقيقي يأتي من إنسان يستخدم آلة لا تعرف، ثم ينشر هلوساتها من دون أن يسأل من يعرف.
كان يمكن الرجوع إلى صور الناس والأزياء والفخاريات والأزقة والبراحات. وكان يمكن الاستماع إلى النساء والرجال الذين عاشوا المناسبة. وكان يمكن عرض المشاهد على مهتم واحد بتراث القطيف قبل تقديمها إلى الجمهور.

لكن الطريق الأسهل كان كتابة أمر نصي قصير، وانتظار صورة لامعة، ثم تسمية الناتج «إحياءً للتراث».
التراث ليس حقلاً لتجارب الأوامر النصية. ومن لا يعرف الردا والقدو والحضار والقضقاض والبراحة وعتبات البيوت، ليس مؤهلاً لصناعة صورة عنها.
فليسمِّ ما ينتجه خيالاً إن شاء.
أما وضع اسم القطيف على هذا الخليط، فليس إحياءً للتراث؛ إنه دفن رقمي له تحت فلتر ذهبي.




