أسرار مدفونة في كتب مستعملة

القطيف: معصومة المقرقش
رسالة حب لم تصل إلى صاحبها، ودنانير بحرينية منسية، وصور شخصية تحولت إلى فواصل قراءة.. هذه ليست محتويات صندوق قديم، بل أشياء خرجت من بين صفحات كتب مستعملة وصلت إلى مكتبة «عتق ورقة» في الأحساء.
ثماني سنوات قضاها محمد المهدي في شراء الكتب المستعملة وفرزها وإعادة بيعها، كانت كافية ليعرف أن الكتاب القديم لا يأتي وحده دائمًا. أحيانًا يصل ومعه شيء نسيه صاحبه بين صفحاته، وأحيانًا تكون المفاجأة أكبر من الكتاب نفسه.
في إحدى المرات، كان المهدي يقلب صفحات كتاب وصل إلى المكتبة، فعثر على دنانير بحرينية. وفي كتاب آخر، ظهرت رسالة غرامية كتبتها طالبة جامعية إلى حبيبها.
المثير أن الرسالة، بحسب المهدي، لم تصل إلى الحبيب أصلًا. بقيت داخل الكتاب، وانتقلت معه من يد إلى أخرى، حتى انتهت بين يدي صاحب مكتبة للكتب المستعملة.
ولم تكن الرسالة والدنانير وحدهما.
صور شخصية، أوراق صغيرة، رسائل ومقتنيات مختلفة خرجت من كتب وصلت إلى «عتق ورقة»، بعدما استخدمها أصحابها فواصل للقراءة، أو تركوها بين الصفحات ثم نسوها.

«العصر الجاهلي» للدكتور شوقي ضيف،
5 آلاف كتاب
وراء هذه الاكتشافات مشروع بدأ عام 2018 من مكتبة منزلية صغيرة.
اختار المهدي له اسم «عتق ورقة»، مستلهمًا التعبير المعروف «عتق رقبة»، في إشارة إلى إخراج الكتاب من الرف وإعادته إلى التداول بين القراء.
في البداية، لم تكن هناك مكتبة فعلية. كان المشروع متجرًا إلكترونيًا، والكتب المعروضة للبيع تأتي من مكتبة المهدي الشخصية في منزله.
أما أول مشترٍ فكان الشاعر والأديب علي النحوي، الذي كان، بحسب المهدي، من أشد الداعمين للمشروع.
بعد 3 سنوات، خرجت «عتق ورقة» من الإنترنت إلى فرع وسط الأحساء، مع استمرار المتجر الإلكتروني.
واليوم تضم المكتبة قرابة 5 آلاف كتاب مستعمل، يأتي معظمها من مكتبات خاصة، فيما يعيد بعض القراء بيع كتبهم بعد الانتهاء منها.
مكتبة كاملة دفعة واحدة
لا تصل الكتب واحدًا واحدًا دائمًا.
أحيانًا تدخل إلى «عتق ورقة» مكتبة كاملة تعود إلى شخص واحد، وهنا تبدأ عملية الفرز: ما الذي يصلح للبيع؟ ما النادر؟ ما الذي يستحق سعرًا أعلى؟ وماذا ترك صاحب المكتبة داخل كتبه؟
وهذه المرحلة تحديدًا هي التي أنتجت بعض أغرب اكتشافات المهدي.

يتناول الكتاب الدور التركي والصراعات والتنافس الإقليمي في الشرق الأوسط.
المستعمل أغلى من الجديد
القاعدة في الكتب المستعملة أن سعر الكتاب يكون في حدود نصف سعر نسخته الجديدة أو أقل، لكن القاعدة تنقلب أحيانًا.
فالطبعة القديمة، إذا كانت بحالة جيدة وكان الكتاب مطلوبًا أو نادرًا، قد تجعل الكتاب المستعمل أغلى من نسخته الجديدة.
ويعتمد المهدي على خبرته في معرفة الكتب والطبعات لتحديد القيمة، خصوصًا عندما تمر بين يديه عناوين لم تعد متداولة بسهولة.
ماذا عن النادر؟
من بين الكتب التي يعدها المهدي نادرة في مكتبته طبعة قديمة من «مجموع فتاوى ابن تيمية».
ولديه أيضًا كتاب يعود إلى عام 1963 عن تصنيف المكتبات، اشتراه بنفسه من إحدى المكتبات في دولة عربية.
فالندرة قد تأتي من تاريخ الطبعة، أو موضوع الكتاب، أو قلة نسخه المتاحة.

يناقش الكتاب موقع الإسلام بين الفكرين الشرقي والغربي، وعلاقته بالإنسان والحضارة والدين والمادة.
كتاب عن التعذيب
لكن بعض الكتب لا يعلق في ذاكرة المهدي بسبب سعره أو ندرته، وإنما بسبب محتواه.
ومن أكثر العناوين التي أثارت انتباهه كتاب «تاريخ التعذيب» لبيرنهاردت ج. هروود، الذي يتتبع تاريخ التعذيب في العصور القديمة والحديثة، ويعرض الأدوات المستخدمة فيه وأساليب الجلادين، ويتناول شخصياتهم من زاوية نفسية، إلى جانب قصص وشهادات مرتبطة بممارسات التعذيب.
موضوع الكتاب ومادته المختلفة جعلاه واحدًا من الكتب التي بقيت في ذاكرة صاحب «عتق ورقة».

«التنصير: خطة لغزو العالم الإسلامي»
مجموعة مسيحية
ومن المفاجآت أيضًا وصول مجموعة من الكتب المتخصصة في الديانة المسيحية، وهي من أغرب المجموعات التي مرت بالمكتبة بحسب المهدي.
أما الكتب التي لا تصلح للبيع، فتُمنح للجمعيات الخيرية.
وللمهدي طريقة أخرى مع بعض الكتب؛ إذا أثار أحدها اهتمامه، يقرأه أولًا، ثم يعيده إلى البيع.
ماذا يشتري الناس؟
ثماني سنوات من بيع الكتب المستعملة تكشف شيئًا من ذائقة زبائن هذا السوق.
وبحسب تجربة «عتق ورقة»، تتقدم الروايات المترجمة، والكتب الفكرية والفلسفية، وكتب نقد الأديان قائمة الكتب المستعملة الأكثر طلبًا.

وضع صاحب الكتاب نقودًا ورقية من فئة عشرة ريالات بين صفحاتها كفاصلة
كتاب ينتظره
ومع أن آلاف الكتب مرت على المهدي منذ عام 2018، فإن هناك كتابًا ينتظر دخوله إلى مكتبته حتى الآن: «قصة الحضارة» لوِل ديورانت، كاملة بأجزائها.
وفي المقابل، مرت عليه كتب تركت أثرًا خاصًا لديه، من بينها «مآلات الخطاب المدني» لإبراهيم السكران.
وحين طُلب منه اختيار 3 كتب فقط من مكتبته، اختار: «التفكير العلمي» لفؤاد زكريا، و«وكالة عطية» لخيري شلبي، و«الحالة الحرجة للمدعو ك» لمحمد عزيز.
لكن الكتب التي تخفي شيئًا بين صفحاتها تظل الأكثر قدرة على صنع المفاجأة.
ففي مكتبة تضم نحو 5 آلاف كتاب مستعمل، لا يعرف محمد المهدي، حين يفتح الكتاب التالي، ماذا سيخرج منه:
ورقة قديمة؟ صورة؟ عملة؟ أم رسالة أخرى كان يفترض أن تصل إلى شخص ما قبل سنوات؟

تتناول الكتب موضوعات متنوعة مثل الفقه، والتفسير، والحديث، والعقيدة، واللغة

«موسوعة شعراء العصر الجاهلي» للمؤلف عبد عون الروضان، صادرًا عن دار أسامة، ويضم مادة عن شعراء العصر الجاهلي

«ساق البامبو» للروائي سعود السنعوسي






