«بَقْرة» الزاهر تحرّك نقاش سكان القديح

القديح: صُبرة
لم يحتج الأمر إلى أكثر من اسم واحد، غير مألوف على أسماع أهالي القديح، حتى تتحول معلومة تاريخية وردت في خطبة للملا عبدالجليل الزاهر إلى حديث داخل البلدة وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
الاسم هو «بَقْرة»؛ بفتح الباء وسكون القاف.
الزاهر قال، في إحدى خطبه الأخيرة، إن «بَقْرة» هو الاسم القديم لبلدة القديح، مضيفاً أن القديح القديمة كانت تمتد حتى مقبرة العوامية.
ولم يكتفِ بذلك؛ بل استبعد اسمين آخرين ارتبطا بتاريخ البلدة وذاكرتها المحلية، هما «رشالا» و«مضر»، قائلاً إن الاسم القديم للقديح ليس «رشالا» ولا «مضر».
لكن المعلومة جاءت، بحسب ما تم تداوله من الخطبة، من دون إسنادها إلى وثيقة أو كتاب أو خريطة أو مصدر تاريخي، وهو ما نقل النقاش سريعاً من المعلومة نفسها إلى السؤال عن مصدرها.

من أين جاءت «بَقْرة»؟
هذا تحديداً هو السؤال الذي أخذ يتردد بين مهتمين بتاريخ القديح وأهاليها بعد تداول كلام الزاهر.
فالتسمية بدت جديدة على الذاكرة الاجتماعية المتداولة في البلدة، في مقابل أسماء معروفة في النقاش التاريخي المحلي، بينها القديح نفسها، و«مضر»، و«رشالا».
ووصل الاعتراض لدى بعض المتابعين إلى وصف الكلام بـ«الهراء»، فيما اتخذ آخرون موقفاً أقل حدة، مطالبين بإظهار المصدر الذي استند إليه الزاهر، خصوصاً أن القضية لا تتعلق برواية اجتماعية عابرة، بل باسم مكان وحدود جغرافية تاريخية.
وبذلك تحولت «بَقْرة» من اسم ورد في خطبة إلى مادة نقاش في جغرافيا الأسماء: ماذا كانت تسمى البلدة؟ وأين كانت حدودها؟ وما علاقة القديح بالمواقع والقرى القديمة المحيطة بها؟
القديح موثقة باسمها
المتاح من المادة التاريخية المنشورة يقدم صورة مختلفة وأكثر تعقيداً من اختزال تاريخ المكان في اسم واحد.
فاسم القديح نفسه موثق تاريخياً منذ قرون. وتورد مصادر محلية أن البلدة وردت باسمها في «قانون نامه لواء القطيف» العثماني سنة 959هـ، الموافق 1556م، وهو سجل تضمن معلومات عن بلدات المنطقة وسكانها ومحاصيلها.
وهذا التوثيق لا يحسم، بطبيعة الحال، ما إذا كان للموقع اسم أقدم من «القديح»، لكنه يجعل أي طرح عن اسم سابق بحاجة إلى دليل تاريخي يمكن فحصه ومقارنته بما هو معروف من وثائق المنطقة.

وماذا عن «رشالا»؟
«رشالا» ليست اسماً طارئاً على جغرافيا القديح، لكنها أيضاً ليست محسومة بوصفها اسماً قديماً للقديح كلها.
فالمؤرخ والباحث عبدالخالق الجنبي سبق أن تحدث عن القديح بوصفها قائمة في موقعها الحالي وباسمها المعروف، وذهب إلى أن «رشالة» و«الحليلة» و«الحريف» كانت قرى صغيرة خارج القديح المسوّرة، وليست أسماء سابقة للبلدة نفسها.
كما ارتبط اسم رشالا في الذاكرة المحلية بمنجم الطين المعروف الذي كان يُستخرج منه الطين المستخدم في صناعة الأواني الفخارية.
وهذا كله يجعل العلاقة بين «رشالا» والقديح موضوعاً في الجغرافيا التاريخية للمكان، أكثر من كونها مجرد مفاضلة بين اسمين.
«عيال مضر»
أما «مضر»، فحضوره الاجتماعي في القديح قوي إلى درجة أن نداء «يا عيال مضر» ظل من أشهر تعبيرات الفزعة والانتماء المحلي في البلدة.
لكن الأصل التاريخي لهذا الاسم نفسه محل نقاش.
فبعض الروايات المحلية تنسب التسمية إلى رجل يدعى مضر، وتذهب روايات أخرى إلى أبعد من ذلك في ربط سكان البلدة بمضر. وفي المقابل، يقول عبدالخالق الجنبي إن اسم «مضر» لا يظهر بهذه الصفة في كتب التاريخ التي رجع إليها، وإن جانباً من قصته متوارث شفهياً، مع ترجيحه ارتباط النداء بالتركيب السكاني القديم للبلدة.

بلدة قديمة وذاكرة مزدحمة
تقع القديح ضمن واحة القطيف التاريخية، وارتبطت قديماً بالنخيل والعيون والزراعة والحرف المحلية. وتصف المصادر الصحفية البلدة القديمة ببيوتها المتلاصقة وطرقاتها الضيقة و«السوابيط» التي كانت تصل بين المباني، فيما كانت تحيط بها مساحات زراعية وعيون كثيرة اندثر معظمها مع التوسع العمراني.
ومن هنا ربما تأتي حساسية النقاش الحالي.
فالحديث عن اسم قديم للقديح لا يضيف مفردة لغوية فحسب، بل يعيد رسم تاريخ المكان وحدوده وعلاقته بالقرى والمواقع القديمة المحيطة به؛ ولذلك لم تمر تسمية «بَقْرة» بهدوء.
الكرة في ملعب المصدر
حتى الآن، وفي حدود المصادر المنشورة التي أمكن لـ«صُبرة» الوصول إليها، لم يظهر توثيق تاريخي منشور يثبت أن «بَقْرة» كان الاسم القديم للقديح.
وهذا لا يكفي وحده لنفي وجود الاسم في وثيقة لم تُنشر أو مصدر لم يُكشف عنه، لكنه يجعل العبء على صاحب المعلومة: تقديم المصدر الذي بنى عليه قوله.
فالخلاف لم يعد على لفظة قيلت في خطبة، بل على قطعة من ذاكرة بلدة كاملة.
وبين «القديح» و«رشالا» و«مضر»، دخلت «بَقْرة» فجأة إلى النقاش.
والسؤال الذي ينتظر الإجابة ليس: هل الاسم غريب؟
بل: أين ورد؟



