لا «بَـقْرَة» في القديح.. بل هي “نقرة”.. وموقعها جنوب العوامية

تتفاعل قضية اسم «بَـقْرَة» التي أثارها الملا عبدالجليل الزاهر بوصفه اسماً قديماً للقديح، مع قراءة تاريخية جديدة تضع احتمالاً مختلفاً أمام النقاش: هل حدث التباس بين «بَـقْرَة» و«نَقْرة»؟
المقال التالي يعود إلى «قانون نامة لواء القطيف» العثماني المؤرخ سنة 959هـ، ويتوقف عند ورود اسم «نَقْرة» بوصفها موضعاً معروفاً قرب العوامية ومقبرتها، في مقابل ورود اسم آخر يمكن أن يُقرأ «بقرة» أو «بفرة» في سياق جغرافي مختلف. ومن هنا يطرح الكاتب احتمال وقوع تصحيف أو خطأ في القراءة، ويرى أن وجود اسم مشابه في السجل لا يكفي لإثبات أنه الاسم القديم للقديح، فضلاً عن إرجاع التسمية إلى نحو ألف عام.
ويخلص الكاتب إلى أن حسم المسألة يتوقف على المصدر الذي استند إليه الزاهر، وموقع الاسم فيه، وصحة قراءته، والدليل الذي يربطه جغرافياً بالقديح؛ داعياً إلى نشر الوثيقة أو النص الذي بُني عليه هذا الطرح.
الباحث نزار عبدالجبار؛ خصّ “صُبرة”؛ بهذا البحث المفصل.
وفيما يلي نص المقال كما ورد إلى «صُبرة»:
حول مسمى القديح
وما ورد بشأن اسم “بقرة”
وحدودها الجغرافية

نزار العبدالجبار
تداول في الآونة الأخيرة مقطع مرئي للملا عبدالجليل الزاهر، وهو على المنبر الحسيني، تناول فيه تاريخ مسمى القديح قبل هذا المسمى، وأشار إلى أن للقديح اسمًا أقدم من اسمها المعروف حاليًا وأقدم من رشالا، وأن هذا الاسم هو بقرة، وأن نطاقها الجغرافي كان يمتد من القديح الحالية باتجاه الشمال حتى مقبرة بلدة العوامية، وتصل إلى حدود المسوَّرة في العوامية، كما أشار إلى أن هذا المسمى يعود إلى نحو ألف عام، وتطرق كذلك إلى العيون بوصفها من أقدم الآثار أو المعالم البشرية في المنطقة.
ولعل أهم ما يستدعي التوقف العلمي في هذا الطرح هو مسمى القديح قبل ظهوره بصورته المعروفة، وتحديد الاسم السابق إن وجد، والفترة الزمنية التي كان فيها مستخدمًا، ثم تحديد المجال الجغرافي الذي كان يطلق عليه ذلك الاسم، وهذه مسائل تاريخية لا يمكن حسمها بمجرد تشابه الأسماء أو النقل الشفهي، وإنما تحتاج إلى نصوص تاريخية أو وثائق أصلية يمكن التحقق منها ومقارنتها بالسياق الجغرافي والتاريخي.
وقد آثرت عدم التعليق على المقطع عند ظهوره، انتظارًا لما قد يقدمه صاحبه من مصدر أو وثيقة تؤيد ما طرحه، ولا سيما أن المقطع حظي بانتشار واسع، وأثار تباينًا في الآراء بين مؤيد ومتوقف ومتحفظ، مع مطالبة عدد كبير من المتابعين ببيان الدليل والمصدر الذي استند إليه هذه المعلومة، وهو مطلب مشروع ومنهجي في مثل هذه المسائل؛ إذ إن البحث في التاريخ المحلي، ولا سيما ما يتعلق بأسماء المواضع والقرى وتحديد امتداداتها الجغرافية والفترات الزمنية التي عُرفت فيها، لا ينبغي أن يقوم على الجزم أو النقل المجرد، وإنما يحتاج إلى مصدر واضح، ونص قابل للتحقق، وقرائن تاريخية وجغرافية تؤيد النتيجة، وهنا نشير إلى بعض المحطات.

أولًا:
إشكالية أسماء المواضع في القطيف قبل القرن العاشر الهجري:
ينبغي قبل مناقشة اسم بقرة الإشارة إلى إشكالية أساسية في دراسة تاريخ القطيف، وهي أننا نجهل كثيرًا من أسماء المواضع والقرى والحارات التي كانت قائمة قبل القرن العاشر الهجري، ولا يعني غياب الاسم من المصادر المتاحة أنه لم يكن موجودًا، كما أن ورود اسم مشابه في مصدر متأخر لا يعني بالضرورة أنه هو الاسم ذاته الذي كان مستخدمًا في فترة أقدم، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب من أهمها ضعف التدوين المحلي، وقلة المصادر التي وصلت إلينا، وفقدان عدد من الوثائق والسجلات، فضلًا عن أن جزءًا من المادة التاريخية المتعلقة بالمنطقة لا يزال بحاجة إلى التحقيق والنشر، وربما توجد مواد وثائقية لم تستثمر بعد في دراسة أسماء المواضع، ومن هنا فإن التعامل مع أسماء القرى والحارات القديمة يجب أن يقوم على التدرج في الإثبات؛ فيبدأ بالنص التاريخي المباشر، ثم الوثيقة المعاصرة للاسم، ثم القرائن الجغرافية، ثم المقارنة بين المصادر، مع التمييز بوضوح بين ما هو ثابت بالنص وما هو مجرد احتمال أو استنتاج.
ونشير إلى أن من أقدم المصادر التي تناولت ذكر بعض مدن القطيف وقراها مصدران بارزان؛ ديوان ابن المقرب العيوني (ح 631هـ)، وقانون نامة لواء القطيف المؤرخ سنة 959هـ، ويُعدّ الثاني أوفى ما وصل إلينا من مصادر تتناول قرى القطيف وأكثرها شمولًا ودقة في توصيفها.

ثانيًا:
قانون نامة العثماني وأهميته في توثيق قرى القطيف
من أهم المصادر التي يمكن الاستفادة منها في دراسة أسماء القرى والحارات في القطيف وما جاورها قانون نامة العثماني، وهو سجل أُعد في سنة 959هـ، خلال الفترة التي بسطت فيها الدولة العثمانية سيطرتها على المنطقة، وتنبع أهمية هذا السجل من كونه لا يقدم مجرد إشارات عابرة إلى أسماء المواضع، وإنما يأتي في سياق عملية إدارية ومالية هدفت إلى حصر السكان والقرى والحواضر والمناطق المأهولة، بغرض فرض الضرائب والأتاوى وغيرها من الشؤون الإدارية والاقتصادية، ولذلك نجد فيه أسماء لعدد من المدن والقرى والحارات، إضافة إلى معلومات عن السكان وبعض الأعيان، بما يجعله من المصادر المهمة لدراسة التركيبة السكانية والجغرافية والإدارية للمنطقة في القرن العاشر الهجري.
وقد استفاد عدد من الباحثين من هذا السجل في الدراسات المتعلقة بتاريخ المنطقة، ونُشرت مادته أو دُرست في أكثر من عمل، ومن أبرز ما ارتبط به ما أورده الوهيبي في كتابه إيالة الأحساء الوجود العثماني الأول في الأحساء (954-1082هـ ، إضافة إلى ما تناوله المرحوم الجنبي في عدد من دراساته وأعماله المتعلقة بتاريخ القطيف ومنها ما نشره في مجلة الساحل بترجمته إلى قانون نامة.
وتجدر الإشارة إلى أن أصل قانون نامة مكتوب بالخط العثماني، وأن قراءة بعض أسماء المواضع فيه ليست دائمًا سهلة؛ إذ إن بعض الحروف المتقاربة في الرسم العثماني قد تؤدي إلى اختلاف القراءة، ولا سيما عند التعامل مع أسماء الأماكن التي لم تعد مستخدمة في الوقت الحاضر، ولذلك فإن ضبط الاسم وقراءته يجب أن يسبقه تحقيق في صورة الأصل ومقارنة الرسم بالحروف العثمانية المستخدمة في الوثيقة، ثم مقارنته بالأسماء الواردة في مصادر أخرى.

ثالثًا:
اسم نقرة في قانون نامة
عند الرجوع إلى قانون نامة نجد اسمًا مهمًا في هذا السياق هو نقرة، وهي موضع يرد في السجل مع عدد من سكانه وأعيانه، واللافت أن اسم نقرة ليس غريبًا عن جغرافية العوامية؛ إذ توجد إشارات إلى هذا الاسم في مجموعة من الوثائق الشرعية المتعلقة ببلدة العوامية، كما يُعرف موضع بهذا الاسم بالقرب من مقبرة العوامية ويمكن الرجوع لكتاب العوامية للأستاذ سعود الفرج فقد أورد مجموعة من الوثائق لها، ونقرة ترتبط بالمجال العمراني القديم للعوامية، بالقرب من حي أو بلدةالمعروفة باسم المنصوري.
ويذكر قانون نامة عدد سكان نقرة بنحو 20 شخصًا، منهم 17 متأهلًا و3 عزاب، كما يورد عددًا من أعيانها، وهم:
1. الشيخ عبدالله بن سيف، وذُكر بوصفه شيخ القرية.
2. موسى بن عبدالله.
3. مذكور بن ناصر.
4. قاسم بن خميس.
5. خميس بن قاسم.
6. نصير بن حسين.
وهذه المعلومات ذات أهمية خاصة؛ لأنها تثبت وجود اسم نقرة، وربما الملا قراءها خطأ وصحف الاسم من (نقرة) إلى (بقرة).

رابعًا:
بقرة أو بفرة في قانون نامة
أما اسم بقرة، أو القراءة (بفرة) التي قد تبدو قريبة منه، فقد ورد كذلك في قانون نامة، غير أن الإشكال هنا يقع في ضبط القراءة نفسها وفي تحديد الموقع الجغرافي الذي يشير إليه الاسم، فالاسم الوارد في السجل يحتاج إلى تحقيق دقيق في صورة المخطوط، ولا سيما أن الحرف الثاني في الكلمة قد يلتبس عند القراءة بين الفاء والقاف، وهو أمر له أثر مباشر في تحديد الاسم المقصود.
والأهم من ذلك أن الموضع الذي ورد فيه هذا الاسم في قانون نامة يظهر في سياق مختلف جغرافيًا عن المجال الذي يُنسب إليه اسم بقرة في المقطع المتداول وبناءً على ذلك، فإن مجرد وجود اسم قريب من بقرة في السجل لا يكفي للقول بأنه هو الاسم القديم للقديح، ما لم تثبت مطابقة الموقع والسياق الزمني والجغرافي.
خامسًا:
هل بقرة هي الاسم القديم للقديح؟
هنا تكمن النقطة المركزية في المسألة!!!! إذا كان المقصود أن بقرة هو الاسم السابق للقديح الحالية، وأن هذا الاسم كان يطلق على نطاق جغرافي يمتد من القديح إلى شمالها حتى مقبرة العوامية وربما المسوَّرة، فإن هذا القول يحتاج إلى أكثر من مجرد إثبات وجود اسم بقرة في مصدر أبعد من مصدر قانون نامة.
فلكي يمكن اعتماد هذه النتيجة تاريخيًا، لا بد من إثبات أربعة أمور مترابطة:
1. ثبوت قراءة الاسم في المصدر الأصلي، وعدم وجود احتمال قوي لقراءة أخرى.
2. ثبوت موضع الاسم في المصدر، وتحديد موقعه الجغرافي بصورة واضحة.
3. وجود صلة مباشرة بين بقرة والقديح، بحيث يثبت أن الاسم كان يطلق على القديح أو على المجال الجغرافي الذي أصبحت القديح جزءًا منه.
4. إثبات الفترة الزمنية التي استُخدم فيها الاسم، وخاصة إذا قيل إنه يعود إلى نحو ألف عام.

سادسًا:
الفرق بين إثبات الاسم وإثبات قِدمه
وهذه نقطة منهجية مهمة ينبغي التنبيه إليها.
هناك فرق بين أن نقول: (ورد اسم بقرة في مصدر تاريخي) وبين أن نقول (بقرة هو الاسم القديم للقديح) وبين القول (بقرة اسم قديم للقديح يعود إلى ألف سنة)
فالأولى تحتاج إلى إثبات نصي، والثانية تحتاج إلى إثبات نصي وجغرافي، أما الثالثة فتحتاج إلى دليل زمني أقدم بكثير، كالنصوص التاريخية أو الوثائق التي تعود إلى تلك الفترة، أو سلسلة من الشواهد المتصلة التي تسمح بتتبع الاسم عبر الزمن، ومن هنا لا يصح الانتقال من مجرد تشابه اسم إلى تحديد هوية الموضع، ثم الانتقال من ذلك إلى تحديد عمر الاسم بقرون طويلة، من دون أدلة وسيطة.
سابعًا:
احتمال الالتباس بين نقرة وبقرة
وبالنظر إلى ما سبق، فإن من الاحتمالات التي ينبغي فحصها علميًا أن يكون هناك التباس في قراءة الاسم ونقله، ولا سيما أن نقرة اسم ثابت في السجل، ويرتبط جغرافيًا بالمجال القريب من العوامية ومقبرتها، بينما يظهر اسم آخر قريب في الرسم والقراءة في سياق جغرافي مختلف، ومن ثم لا يمكن استبعاد أن يكون ما ورد في المقطع المتداول قد تأثر بقراءة غير دقيقة لأحد الأسماء.

ثامنًا:
أين يقع الدليل الذي يحسم المسألة؟
إذا كان لدى الملا عبدالجليل الزاهر مصدر آخر غير قانون نامة، أو وثيقة تاريخية، أو نص قديم يذكر بوضوح أن المنطقة التي تُعرف اليوم بالقديح كانت تسمى بقرة، فإن نشر هذا المصدر سيكون كافيًا لنقل النقاش من دائرة الاشتباه أو التصحيف إلى دائرة البحث العلمي القابل للتحقق والأكيد.
والأمر نفسه ينطبق على القول بأن الاسم يعود إلى نحو ألف سنة؛ إذ إن هذه المعلومة تحديدًا تحتاج إلى شاهد يعود إلى فترة قريبة من تلك المدة، وليس إلى مصدر حديث.
تاسعًا:
لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى رفض أو قبول مسبق
ومن المهم التأكيد أن الهدف من هذه المراجعة ليس رفض ما ورد في المقطع لمجرد أنه طرح شفهي، ولا قبوله لمجرد صدوره من شخص له قراءات بتاريخ المنطقة، وإنما محاولة وضعه في الإطار العلمي الصحيح.
فالموروث الشفهي له قيمة كبيرة في دراسة تاريخ القطيف، وكثير من أسماء المواضع والحكايات المحلية لم تصلنا من خلال الكتب، وإنما حفظتها الذاكرة المحلية، إلا أن الموروث الشفهي يصبح أقوى تاريخيًا عندما تؤيده الوثيقة أو النص القديم أو القرينة الأثرية والجغرافية، وهذا المسمى (بقرة) لم نجده في أي مصدر مكتوب أو شفوي، أو ممن له اطلاع بتاريخ بلدة القديح.
الخلاصة:
بناءً على ما تقدم، يمكن القول إن مسألة اسم القديح قبل القديح تظل بحاجة إلى التوثيق قبل إصدار حكم نهائي بشأنها، وعدم قبول ما صرح به الملا إلاّ بدليل قاطع ومحسوم.
أما اسم بقرة، لم نجده أي مصدر إلاّ يكون تصحيف من (نقرة) وقراءته خطأ لها وهذا ما نميل له، وكذلك لا يثبت أن عمر الاسم يبلغ ألف سنة.
ومن هنا فإن الكرة الآن في ملعب المصدر؛ فإذا كان لدى الملا مصدر يثبت هذه المعلومة، فإن نشره سيكون إضافة مهمة لتاريخ القطيف، وسيسهم في إزالة الالتباس حول أسماء المواضع القديمة، أما إذا لم يكن هناك سوى قانون نامة، فالمسألة محسومة بلدة مستقلة عن القديح.
وفي تاريخ القطيف ما يزال الكثير من الأسماء القديمة بحاجة إلى البحث والتحقيق، وربما تكشف الوثائق الشرعية والسجلات العثمانية والوثائق المحلية مستقبلاً عن طبقات من أسماء القرى والحارات التي اندثرت أو تغيرت، وهو ما يجعل إعادة فحص هذه المادة عملًا علميًا مهمًا، لا سيما أن بعض الأسماء المتداولة اليوم قد تكون امتدادًا لأسماء أقدم، وبعضها الآخر قد يكون متشابهًا عرضًا ولا يدل التشابه فيه على وحدة الموضع، وبعضها قد اندثر وقامت عليه قرى أخرى.
وعليه، فإن السؤال العلمي الأدق في هذه المرحلة ليس: هل بقرة هي القديح أم لا؟ وإنما:
ما النص الذي اعتمد عليه الملا في كلامه؟ وأين ورد، وهل قراءة النص صحيحة.


اقرأ أيضاً



