القرآن أولا 16] هل وقع النسخ في القرآن؟
![القرآن أولا 16] هل وقع النسخ في القرآن؟](/img/w1200.webp?u=https%3A%2F%2Fwww.sobranews.com%2Fwp-content%2Fuploads%2F2026%2F05%2F%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D8%AC.avif)
الشيخ علي الفرج
١ / ٢
إذا قرأت، أيها القارئ المحترم، في الحلقة السابقة «القرآن أولا (15)» آيات الصوم، فسوف تلاحظ بوضوح تدرج التشريع في هذه الآيات، وانتقال الحكم من مرحلة إلى أخرى بحسب ما اقتضته الحكمة التشريعية. ومن هنا قد يطرأ في الذهن سؤال مهم: إذا جاءت آية لاحقة بحكم مغاير لما قررته آية سابقة، فهل يعني ذلك أن الآية السابقة منسوخة، واللاحقة ناسخة؟ وهل النسخ مبدأ وقع فعلا في القرآن، أم أن ما يبدو في ظاهره نسخا يمكن تفسيره بوجه آخر، كالتدرج في التشريع، أو اختلاف الموضوع، أو اختلاف ظرف الخطاب، أو التخصيص والتقييد؟
وهذا هو السؤال الذي نريد أن نقف عنده في هذه الحلقة: هل وقع النسخ فعلا في القرآن؟
ومن هنا كان من الضروري الوقوف عند مسألة النسخ في القرآن؛ لأنها تمس بصورة مباشرة طريقة فهمنا للعلاقة بين الآيات والأحكام، وتحدد مدى إمكان القول بأن حكما قرآنيا قد رفع بحكم قرآني آخر.
معنى النسخ
النسخ في اللغة يأتي بمعنى الإزالة والنقل، ومنه قولهم: «نسخت الشمس الظل»، أي أزالته.
وأما في الاصطلاح، فهو: رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه.
لا إشكال في إمكان النسخ عقلا في عالم الثبوت؛ إذ لا يوجد مانع عقلي من أن يشرع الله تعالى حكما لمصلحة تقتضي ثبوته في ظرف معين، ثم يرفع ذلك الحكم بحكم آخر تقتضيه مصلحة لاحقة. وإنما وقع البحث في وقوع النسخ في عالم الإثبات؛ أي: هل ثبت بالدليل أن آية قرآنية نسخت حكما دلّت عليه آية قرآنية أخرى؟
وقد توسع بعض العلماء في عد الآيات المنسوخة، حتى نقل عن بعضهم القول بخمسمائة آية، في حين ضيق آخرون دائرة النسخ تضييقا شديدا، بل أنكر بعضهم وقوعه في القرآن أصلا.
وعندنا في مسألة النسخ شقان أساسيان: نسخ الآية بالآية، ونسخ الآية بالرواية.
والمسلمون اختلفوا في نسخ الآية بالرواية، فمنهم من قبل بها، ومنهم من لم يفعل.
وبناء على نظرية مرجعية القرآن، لا تكون الرواية ناسخة لحكم قرآني ثابت؛ لأن السنة لا تملك رفع حكم ثبت بالقرآن، فلا تكون الرواية ناسخة له، وإنما لا بد أن يكون رفع الحكم القرآني ـ على فرض ثبوت النسخ ـ بدليل قرآني آخر.
وهذه نقطة مركزية في البحث؛ إذ إن الكلام هنا هو النسخ الداخلي في القرآن: هل يمكن أن تكون آية ناسخة لحكم آية أخرى؟
ومن هنا ينبغي أن نميز بين ثلاثة أمور:
أولا: نسخ القرآن بالقرآن، وهو محل بحثنا.
ثانيا: دعوى نسخ القرآن بالسنة.
ثالثا: الحكم الولائي الصادر عن النبي أو ولي الأمر لمصلحة ظرفية مؤقتة؛ فقد يصدر حكم ولائي يقتضي في ظرف معين العمل على خلاف مقتضى حكم قرآني ثابت، وهذا لا يعد نسخا للحكم القرآني، وإنما هو تدبير ولائي في مقام إدارة الواقع وتنظيمه بحسب المصلحة والظرف.
فلا ينبغي الخلط بين الحكم التشريعي الثابت وبين الحكم الولائي المرتبط بظرفه ومصلحته، إذ إن الثاني لا يرفع الأول ولا ينسخه، وإنما ينظم كيفية تطبيقه أو العمل في ظرف استثنائي تقتضيه المصلحة.
المنكرون لوقوع النسخ في القرآن
يكاد يكون القول بوقوع أصل النسخ مشهورا عند عامة المتقدمين والمتأخرين من الإمامية وأهل السنة، وإن اختلفوا اختلافا كبيرا في عدد الآيات التي قيل بنسخها.
ومع ذلك، ظهرت شخصيات معروفة أنكرت وقوع النسخ في القرآن، ومن أشهرها أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني (ت 322هـ)، وهو المعتزلي المفسر والمتكلم. وقد ذهب إلى إنكار وقوع النسخ في القرآن، وحمل الآيات التي ادعي نسخها على وجوه أخرى.
ومن أهم هذه الوجوه:
١- التخصيص والتقييد: فقد تكون الآية الأولى مطلقة، ثم تأتي آية أخرى لتقيد إطلاقها، وليس في ذلك رفع للحكم. ومثاله قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3]
مع قوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145].
فيمكن حمل المطلق على المقيد، فلا يكون الحكم الأول منسوخا، وإنما يكون المراد بالدم المحرم هو الدم المسفوح، وهو الدم المصبوب السائل الذي يخرج من الذبيحة وينصبّ منها، لا الدم الذي يبقى في العروق أو يلتصق باللحم بعد الذبح.
٢ – التدرج التشريعي: ومن أوضح أمثلته آيات الخمر: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219].
ثم: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43].
ثم: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90].
فليس من الضروري أن تكون كل مرحلة ناسخة لما قبلها؛ وإنما يمكن باعتبارها تدرجا تشريعيا انتهى إلى الحكم النهائي.
٣ – اختلاف الموضوع: قال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115].
ثم قال: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144].
فلا يكفي وجود اختلاف ظاهري بين الآيتين للحكم بالنسخ، بل لا بد من إثبات وحدة الموضوع والجهة والحكم.
٤ – اختلاف ظرف الخطاب: قال تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: 109].
ثم جاءت آيات القتال.
فيمكن تفسير ذلك بأن خطاب العفو كان مرتبطا بظرف معين، ثم تغير الظرف، لا أن الآية الأولى كانت حكما دائما ثم أبطله حكم قرآني لاحق.
والنتيجة المستخلصة لقول المنكر أن التعارض الظاهري بين آيتين لا يكفي لإثبات النسخ؛ إذ لا بد من استنفاد وجوه الجمع قبل المصير إليه.
وموقف ابن الجنيد
نُسب إلى أبي علي محمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي (ت 381هـ)، وهو من فقهاء الإمامية، القول بإنكار النسخ في القرآن، وله كتاب نُسب إليه بعنوان «الفسخ على من أجاز النسخ». إلا أن الكتاب لم يصل إلينا، ولذلك لا نستطيع معرفة رأيه من نصه مباشرة، وإنما نعتمد في ذلك على ما نقلته المصادر عنه.
ويحتمل أن يكون قد تأثر في ذلك بالاتجاه الذي مثله أبو مسلم الأصفهاني في إنكار وقوع النسخ، إلا أن نسبة التفاصيل إليه تحتاج إلى تأمل؛ لأن الأصل المفقود لا يسمح لنا باستقراء مذهبه بصورة كاملة.
موقف السيد الخوئي
أما السيد الخوئي فقد ذهب إلى إمكان النسخ ووقوعه، لكنه في الوقت نفسه ضيق دائرته تضييقا شديدا، ورفض كثيرا من الموارد التي اشتهر في كتب التفسير والأصول عدها منسوخة.
وقد أفرد في (البيان في تفسير القرآن) بحثا مستقلا للنسخ يصل إلى ٥٠ صفحة، وناقش أدلته وموارده، وانتهى إلى أن أكثر ما ادعي فيه النسخ لا يثبت، وأثبت موردا واضحا هو آية النجوى:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: 12].
ثم قال: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المجادلة: 13].
وهنا يظهر النسخ بصورة واضحة؛ فقد ثبت أولا حكم إلزامي خاص بمن أراد مناجاة الرسول، وهو تقديم الصدقة، ولم يفعلها سوى علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ثم جاء النص اللاحق فرفع ذلك الإلزام.
وهذه – أي آية النجوى – من أوضح الموارد التي يصعب حملها على التخصيص أو اختلاف الموضوع؛ لأن الحكم الأول كان ثابتا، ثم جاء الخطاب الثاني رافعا له، فهو نسخ واقعي.
ملاحظات على استدلال الخوئي
ينقل عن السيد الخوئي في بحث النسخ قوله: «لا خلاف بين المسلمين في وقوع النسخ … وإنما الكلام في أن يكون شيء من أحكام القرآن منسوخا بالقرآن، أو بالسنة القطعية، أو بالإجماع، أو بالعقل ..».
أقول: لا شك في نسخ آية النجوى وما كان من موارد النسخ الواضحة، ولكنني سأسجل هنا عدة ملاحظات من زاوية مرجعية القرآن:
الأولى: في إثبات أصل النسخ أن نستند إلى القرآن نفسه، لا إلى دعوى عدم الخلاف بين المسلمين؛ فإن اتفاق العلماء لا يكون دليلا ملزما في نفسه، ولا يكشف عن حكم الله تعالى ما لم يكن مستندا إلى حجة معتبرة.
وإذا كان البحث قائما على مرجعية القرآن، فالأولى أن يبدأ الاستدلال من القرآن نفسه، لا من دعوى اتفاق العلماء أو المسلمين.
والثانية: مما ذكره السيد الخوئي أيضا إمكان نسخ القرآن بالسنة القطعية. وهذا لا يتوافق مع مبنى مرجعية القرآن؛ إذ لا تكون السنة ـ مهما بلغت درجة قطعية صدورها ـ ناسخة لحكم قرآني ثابت، لأن النسخ رفع للحكم الشرعي، ولا يصح رفع الحكم القرآني الثابت بدليل خارج عن القرآن.
نعم، يمكن للنبي صلى الله عليه وآله أو لولي الأمر أن يتخذ حكما ولائيا يقتضي في ظرف معين تنظيم العمل بالحكم الشرعي أو تقييد ممارسته لمصلحة راجحة، لكن هذا لا يعني نسخ الحكم القرآني ولا رفعه، بل هو حكم تدبيري مرتبط بموضوعه وظرفه. والاستناد في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].
والثالثة: ما ذكره السيد الخوئي أيضًا من إمكان نسخ الحكم القرآني بالعقل، بمعنى أن يثبت الحكم بالقرآن، ثم يقوم دليل عقلي قطعي على ارتفاعه.
وهذا فيه تأمل؛ لأن العقل القطعي لا يمكن أن يعارض القرآن الصحيح في مقام الواقع، إذ لا يصدر عن الله تعالى حكم يناقض مقتضى العقل القطعي، فإذا بدا لنا أن دليلا عقليا قطعيا يخالف ظاهرا قرآنيا، فلا بد أن يكون الخلل في فهمنا للآية أو في تشخيصنا لموضوع الحكم، لا في الحكم الإلهي نفسه؛ إذ يستحيل أن يقع التعارض الحقيقي بين الوحي والعقل القطعي.
تابع ..



