الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

دراسة أكاديمية ترصد حياة القطيف والأحساء قبل 1500 سنة

صُبرةالإثنين 24 أغسطس 2026، 10:00 ص
دراسة أكاديمية ترصد حياة القطيف والأحساء قبل 1500 سنة

القطيف: صُبرة

صيادون وغواصون على ساحل القطيف، ونخيل وعيون وسواقٍ في هجر، وقوافل تحمل التمر والملح والثياب إلى مكة، وسفن ترتبط بتجارة الهند وفارس والصين، وأسواق لا يكتفي الناس فيها بالبيع والشراء؛ بل يحضر فيها الشعر والخطابة وتبادل الأخبار والأفكار.

بهذه الصورة تعيد رسالة ماجستير بجامعة الملك فيصل رسم جانب من الحياة في إقليم البحرين خلال الفترة الممتدة من القرن الرابع حتى القرن السادس الميلادي، أي قبل نحو 1500 عام، مستعيدة ملامح مجتمع كانت القطيف وهجر من أبرز حواضره.

الرسالة، التي أعدتها الباحثة فاطمة بنت طاهر المزيدي بعنوان «الجوانب الحضارية في إقليم البحرين من القرن الرابع حتى القرن السادس الميلادي»، تتتبع الحياة الاجتماعية والدينية والاقتصادية والأدبية والثقافية والفكرية، وتكشف عن إقليم اتصل بالعراق والحيرة وسواحل الهند، وتأثر بهذه المجتمعات وأثر فيها بفعل موقعه الجغرافي.

هجر عاصمة.. والقطيف ساحل مهم

تضع الدراسة هجر في موقع العاصمة ومقر الحكم والرئاسة، فيما تكشف عن وضع سياسي متقلب، تداخلت فيه سلطة القبائل العربية مع النفوذ الساساني.

وتخلص الباحثة إلى أن السلطة العليا خضعت للفرس في فترات محددة، وأن هيمنتهم خلال القرن السادس الميلادي ظهرت خصوصاً في المناطق الساحلية، ومنها القطيف وما يتبعها من مدن وقرى، بينما كانت الشؤون الداخلية أقرب إلى سلطة الحاكم القبلي العربي.

ولم يكن المجتمع كتلة سكانية واحدة؛ فالسواد الأعظم من السكان، بحسب الدراسة، كان من العرب المنتمين إلى قبائل عدنانية وقحطانية، بينها عبد القيس وتميم وبكر وتغلب، إلى جانب جماعات أجنبية انصهرت مع السكان، وأسهم الاتصال بينها في العلاقات التجارية والثقافية والفكرية.

وتبرز عبد القيس بصورة خاصة؛ إذ تضعها الدراسة في المرتبة الأولى من حيث الأهمية والانتشار الواسع والسيطرة على الإقليم فترة طويلة، فيما تذكر وجود الأزد في القطيف إلى جانب عبد القيس.

جماعات أجنبية في القطيف

ومن التفاصيل اللافتة التي ترصدها الدراسة وجود جماعات ذات أصول غير عربية في المنطقة، بينها الفرس والهنود والسنديون، وتورد إشارات إلى وجود «الزط» على سواحل الخليج وفي القطيف.

وتربط الدراسة وجود بعض هذه الجماعات بالحاجة إلى حماية السواحل والمنافذ المائية والمصالح التجارية والعسكرية، ما يعكس أهمية الساحل الشرقي في شبكة المصالح الإقليمية آنذاك.

وفي خلاصة المشهد السكاني، ترى الباحثة أن هجر والقطيف والقرى والمدن التابعة لهما شهدت التقاء السكان المحليين بالعناصر الأجنبية، فيما اختلفت أنماط المعيشة بحسب المكان؛ فسكان السواحل مارسوا الملاحة والصيد، ومن ابتعدوا عن الساحل اتجهوا إلى الزراعة والتجارة.

النخلة والماء

في الداخل، صنعت المياه والزراعة جانباً رئيساً من حياة السكان. وتربط الدراسة الاستقرار والتحضر بتوافر المياه وخصوبة التربة، مشيرة إلى شهرة الإقليم بزراعة النخيل الذي احتل المرتبة الأولى، إلى جانب الأرز والخضراوات ومحاصيل أخرى.

وتظهر القطيف في الدراسة واحة غنية بالنخيل، إلى جانب القمح والشعير وأشجار الفاكهة، فيما تحولت التمور إلى غذاء وسلعة تجارية مهمة.

وفي هجر، صنعت العيون والسواقي والقنوات شبكة ري أسهمت في قيام الزراعة واستقرار السكان، في صورة تجعل الماء عنصراً أساسياً في تفسير ازدهار الأحساء التاريخي.

اللؤلؤ.. عمود الاقتصاد

وعلى الساحل، كان البحر عالماً اقتصادياً آخر. صيد الأسماك والملاحة والغوص وصناعة السفن أعمال ارتبطت بحياة السكان، لكن اللؤلؤ احتل مكانة استثنائية.

وتصف الدراسة الغوص على اللؤلؤ بأنه كان بمثابة «العمود الفقري لاقتصاد الإقليم»، إلى جانب الزراعة والصناعات، وتتناول المصادر التي اعتمدت عليها مواسم الغوص وأدواته والمشقة التي كان يتحملها الغواصون.

كما عرفت المنطقة صناعة السفن، واستُورد جانب من الأخشاب اللازمة لها من خارج الجزيرة، وهو ما يكشف بدوره عن ارتباط النشاط البحري بشبكة تجارية تتجاوز الساحل المحلي.

من هجر إلى مكة

ولم تكن القطيف وهجر سوقين محليتين؛ بل كانتا من المحطات التجارية المهمة على الطرق البرية التي تربط شرق الجزيرة بعُمان وبقية أجزائها، وكان اللؤلؤ والتمر من أبرز منتجات الإقليم.

وتكشف الرسالة عن صلة تجارية مباشرة بمكة؛ إذ كان تجار عبد القيس يحملون البضائع من هجر إليها قبل الإسلام، ومن بينها التمر والملح والثياب.

وامتدت التجارة شمالاً إلى العراق، عبر حركة السفن بين موانئ الإقليم والبصرة، فيما كان تجار العراق يقصدون البحرين في موسم اللؤلؤ لشرائه. ولم تكن الدائرة التجارية محصورة في الجزيرة والعراق؛ إذ تسجل الدراسة استيراد سلع من مناطق بعيدة مثل الهند وفارس والصين.

نصرانية ويهودية ومجوسية

أما المشهد الديني فكان أكثر تنوعاً. فقد عرفت المنطقة الحنيفية والوثنية واليهودية والمجوسية والنصرانية، وترى الباحثة أن النصرانية كانت أكثر الديانات رواجاً وتأثيراً بين سكان إقليم البحرين، مستدلة بوجود الأديرة والكنائس.

ولا تعني هذه النتيجة أن القطيف تحديداً كانت مركزاً نصرانياً؛ فالرسالة تتحدث هنا عن إقليم البحرين بمساحته التاريخية الواسعة، وتورد شواهد من مناطق مختلفة منه، وهي نقطة مهمة للفصل بين ما تثبته المصادر عن الإقليم وما يمكن نسبته مباشرة إلى مدينة بعينها.

المرأة لم تكن على الهامش

ويكشف الفصل الاجتماعي جانباً آخر؛ إذ تصف الباحثة المرأة بأنها حظيت بتقدير اجتماعي، وكان لها حضور يتجاوز أدوارها الأسرية. وتسجل المصادر مشاركات نسائية في أحداث الحرب والسلم، فضلاً عن حضور المرأة في الشعر.

وتناقش الدراسة وأد البنات، لكنها تنتهي إلى نقطة لافتة؛ هي صعوبة اعتبار الوأد عادة عامة منتشرة بين جميع القبائل العربية، وترى أنه كان حالات استثنائية في مجتمعات ما قبل الإسلام.

السوق صحيفة ذلك الزمن

ولم تكن أسواق المشقر وجر وداري والزارة أماكن لتبادل السلع وحدها. فقد حضرت فيها الخطابة والشعر والأمثال والحِكم والمناظرات، فتحولت التجارة إلى قناة للتواصل الثقافي أيضاً.

ووصل حضور الشعر إلى درجة تصفه معها الباحثة بأنه «المنبر الوحيد ووسيلة الإعلام الأولى في المجتمع»؛ ينقل المواقف والأخبار والمفاخر والصراعات، ويؤدي أدواراً تتجاوز الأدب إلى التأثير الاجتماعي والسياسي.

وهكذا، فإن الصورة التي تجمعها الرسالة للقطيف والأحساء ومحيطهما قبل نحو 1500 عام ليست صورة أطراف معزولة؛ بل إقليم يعيش على النخلة والبحر واللؤلؤ والتجارة، تعبره القوافل والسفن، وتختلط فيه الجماعات والأديان والثقافات، وتصل منتجاته إلى مكة والعراق، فيما تصل إليه بضائع قادمة من وراء الخليج.

إنها، باختصار، صورة شرق جزيرة عربية كان متصلاً بالعالم قبل الإسلام بقرون.

بلدات:القطيف