الوساطة بين الملا عبدالجليل وعيال مضر

حبيب محمود
أنا شخصياً، وبوصفي عصير العنصرين ـ القديح والعوامية ـ فإنني أجد بعض العذر للملا عبدالجليل الزاهر في سبق لسان منبري، أثار ما أثار من حفيظة.
سبق لسان صحّف كلمة من الذاكرة، وأزاح موقعاً جغرافياً من جنوب العوامية الآن؛ إلى جارتها الأقرب، بلدة القديح.
قرية صغيرة جداً ذكرها سجل عثماني في القرن العاشر الهجري، صارت ـ في كلام عابر على المنبر ـ قرية أخرى سبقتها بقرون. وهذا هو أصل الحكاية، قبل أن تتكاثر حولها الحكايات.
أعرف الملا الزاهر مذ كان صبياً، وهو على «سالْكة أبوه» في نظافة اليد والتزام التعبد. إنه مثل أبيه «من أهل الله»، والتزامه من ذلك النوع الذي ألفناه في إيمان العفويين التلقائيين. وحين امتهن المنبر؛ اصطبغت شخصيته بما نشأ عليه. ولهذا يصعب عليّ أن أقرأ ما قاله خارج هذه المعرفة الطويلة بالرجل.
أخطأ؟
نعم.
المعلومة التي قالها احتاجت إلى تصحيح، وصُححت. لكن الخطأ في المعلومة شيء، والخطأ في الناس شيء آخر. وبين الاثنين مسافة ينبغي ألا نختصرها بانفعال، ولا أن نملأها بالظنون.
ما حدث، في أصله، بسيط: استدعى الرجل من ذاكرته اسماً تاريخياً، فخانه اللفظ والموقع. وحين خرج الكلام من المنبر إلى الفضاء العام، صار من حق المعلومة أن تخضع للفحص، وهذا ما حدث بالفعل.
«صُبرة»، في تقريرها الأول، لم تدخل في ذات الملا عبدالجليل، ولم تبحث في نيته، ولم تصفه بمسيء، ولم تجعل من المسألة خصومة بين الجارتين. وقفت عند السؤال الذي يستحق أن يُسأل: أين المصدر؟
ثم جاء الباحث نزار عبدالجبار، ـ وهو من أهل العوامية ـ ففعل ما يفعله الباحث حين تعترضه معلومة تاريخية قابلة للتحقق. عاد إلى الوثائق، وقرأ الأسماء والجغرافيا، وكتب مقالاً موسعاً عالج فيه المسألة بعمق علمي، وبلغة محترمة، من دون أن يحوّل التصحيح إلى محاكمة لصاحب الخطأ. وهكذا استقام الأمر علمياً.
اسم صُحح، وموضع أعيد إلى مكانه، ومعلومة وُضعت أمام القراء بما يسندها. وكان يمكن أن تنتهي الحكاية هنا. لكنها لم تنتهِ.
تجاوز بعض الكلام حدود المعلومة إلى الرجل نفسه، وقسا عليه بعض إخوانه قسوة لا أظن أن خطأه يستحقها. وما بلغني أن الملا عبدالجليل مرّ بهذا كله و تأذى، كما يتأذى أي إنسان يرى خطأً عابراً منه يكبر أمام عينيه، ثم يرى النقاش ينتقل من الكلمة التي قالها إلى شخصه ومقصده.
وهنا، للملا عبدالجليل حق علينا أيضاً. حقه ألا ننسى الإنسان ونحن نصحح المعلومة. وحقه أن نزن كلمة عابرة بسيرة ممتدة، لا أن نزن السيرة كلها بهفوة.
وحقه، بعد أن استقام التصحيح العلمي، أن نقول له: يا أبا حسن، ما كان ينبغي أن يبلغ بك الأمر كل هذا الأذى.
فالذي أعرفه عن عبدالجليل الزاهر لا يبدأ بهذا المقطع، ولن ينتهي عنده. أعرفه قبل المنبر، وأعرف البيت الذي خرج منه، وأعرف شيئاً من طريقته في الحياة، وأحسب أن من يعرفه عن قرب يدرك كم هو بعيد عن تعمد النيل من الناس، فضلاً عن النيل من بلدة طيبة وأهلها.
ولست أقول ذلك لأصنع له حصانة من النقد. لا حصانة لأحد من التصحيح. لكن ثمة فرقاً بين أن نصحح لإنسان وبين أن نثقله باللوم، وبين أن نرد عليه وبين أن نجرحه. وأحياناً تكون الكلمة التي نقولها دفاعاً عن بلدتنا أشد من الكلمة التي أغضبتنا من أجلها. هنا ينبغي أن نتوقف.
وأتدخل بصفتي التي بدأت بها هذا الكلام: عصير العنصرين.
لا أكتب محامياً عن الملا عبدالجليل، فهو قادر على أن يتحدث عن نفسه إن أراد، ولا أكتب في مواجهة “عيال مضر”، فأنا منهم بقدر ما أنا من العوامية.
إنما أتوسط.
وأقول لـ “عيال مضر”، إخوتي وأهلي: خذوا من عبدالجليل خطأه، ولا تأخذوا الرجل كله بخطئه.
لقد صُححت المعلومة، وهذا حق التاريخ. أما النيات فلا وثيقة لها، ولا أرى في سيرة الرجل التي أعرفها ما يحملني على الظن بأنه أراد انتقاص القديح أو أهلها. وإذا كان بعضكم قد ضايقه ما سمع، فإن الملا عبدالجليل نفسه آلمه ما سمع بعد ذلك. والألم لا يعالَج بألم مقابل.
وأقول للملا عبدالجليل أيضاً: الكلمة التي تخرج من المنبر لم تعد ملك المجلس الذي قيلت فيه. هاتف صغير يكفي اليوم ليحملها إلى عشرات الآلاف، ولهذا تصبح الذاكرة، حين تتصل بالتاريخ والناس والبلدان، محتاجة إلى سند أكثر مما كانت تحتاج إليه في زمن مضى.
هذه ليست إدانة، بل درس لنا جميعاً؛ للمنبري والصحافي والكاتب والباحث وكل من أصبحت كلمته قابلة لأن تُنتزع من مجلسها وتسافر وحدها. لا أحد أكبر من التصحيح، ولا أحد ينبغي أن يكون أصغر من خطأ. وبين هاتين القاعدتين يمكن أن نغلق هذه الحكاية من دون منتصر ومهزوم.
فالقديح والعوامية ليستا بلدتين اكتشفتا بعضهما في مقطع فيديو. بينهما من الجيرة والنسب والمصاهرة والذاكرة الاجتماعية ما هو أقدم من هذا الجدل كله. والمسافة بينهما أقصر من أن نملأها بسوء الظن، وأطول تاريخاً من أن يفسدها اسم صحّفته ذاكرة خطيب.
لهذا أضع وساطتي على الطاولة:
صححوا الكلمة، وأعيدوا الموقع إلى مكانه، وخذوا من الملا عبدالجليل خطأه، وردّوا إليه سيرته.
ومن كانت قد خرجت منه كلمة قاسية في ساعة حفيظة؛ فليراجعها الآن في ساعة هدوء. ليس تنازلاً عن القديح، ولا تراجعاً عن التصحيح، بل إنصافاً لرجل من أهلنا أصابته الكلمات بأكثر مما يحتمل خطؤه.
ثم دعونا نطوي الصفحة.
فـ«نقرة» ستبقى في الوثيقة حيث وجدها الباحثون، والقديح ستبقى القديح بتاريخها وأهلها، والملا عبدالجليل سيبقى واحداً من أهلنا؛ أخطأ في معلومة، وصُححت المعلومة، ولا ينبغي أن يدفع من نفسه ثمناً أكبر منها.
وما بين العوامية والقديح أكبر من سبق لسان، وأبقى من مقطع عابر، وأكرم من أن نترك واحداً من أهلنا مجروحاً في آخر الحكاية.



