القرآن أولا 17| أدلة النسخ في القرآن

الشيخ علي الفرج
2/2
بعد بيان مفهوم النسخ وحقيقته، يمكن الانتقال إلى السؤال الأهم: هل أثبت القرآن الكريم بنفسه وقوع النسخ، أم أن النسخ مجرد اصطلاح أصولي نشأ فيما بعد؟
وبالتأمل في مجموع القرآن، نجد ثلاث آيات رئيسة تشكل في مجموعها أساسا قويا لإثبات أصل النسخ في القرآن.
وهذه الآيات، وإن تفاوتت في درجة دلالتها على النسخ، فإنها تتضافر في بيان حقيقة قرآنية واضحة، وهي وقوع التبديل والنسخ والمحو. فإن إنكار أصل النسخ في القرآن لا يتلاءم مع ظاهر هذه الآيات ومجموع دلالاتها، إلا بتأويلات متكلفة تصرف ألفاظها عن ظواهرها، كأن يقال إن النسخ الوارد في القرآن لا يراد به نسخ حكم قرآني بحكم قرآني آخر، وإنما يراد به نسخ شريعة بشريعة، أو دين بدين.
وفيما يلي عرض هذه الآيات الرئيسة، مرتبة تدريجيا بحسب وضوح دلالتها:
– قال تعالى { وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن یَأۡتِیَ بِـَٔایَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلࣲ كِتَابࣱ (٣٨) یَمۡحُوا۟ ٱللَّهُ مَا یَشَاۤءُ وَیُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥۤ أُمُّ ٱلۡكِتَـٰبِ (٣٩) } [سُورَةُ الرَّعۡدِ: ٣٨-٣٩]
والآية الأولى تشير إلى أن لكل حكم أو أمر أجلا ومدة مقدرة، ثم تبين الآية اللاحقة قاعدة تشريعية عامة، وهي أن الله تعالى يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، وفقا لحكمته وتقديره. وقوله ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾: أي لكل مدة أو وقت محدد حكم وتقدير مكتوب، وهي قرينة على أن بعض الأحكام قد تكون مرتبطة بمدة معينة، ثم يتغير الحكم بانتهاء أجله، وهو ما يوافق تمامًا معنى النسخ.
– قال تعالى { مَّا یَوَدُّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ وَلَا ٱلۡمُشۡرِكِینَ أَن یُنَزَّلَ عَلَیۡكُم مِّنۡ خَیۡرࣲ مِّن رَّبِّكُمۡۚ وَٱللَّهُ یَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن یَشَاۤءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِیمِ * مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَایَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَیۡرࣲ مِّنۡهَاۤ أَوۡ مِثۡلِهَاۤۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرٌ } [سُورَةُ البَقَرَةِ: ١٠٥ – ١٠٦]
والآية تثبت أصل النسخ بوضوح؛ إذ تخبر أن الله تعالى قد ينسخ آية أو ينسؤها، أي يؤخرها دون نسخ، ثم يأتي بخير منها أو مثلها. وهي بذلك تدل على إمكان إبدال حكم بحكم لاحق، وفق ما تقتضيه الحكمة الإلهية.
– { وَإِذَا بَدَّلۡنَاۤ ءَایَةࣰ مَّكَانَ ءَایَةࣲ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا یُنَزِّلُ قَالُوۤا۟ إِنَّمَاۤ أَنتَ مُفۡتَرِۭۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ (١٠١) قُلۡ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلۡقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّ لِیُثَبِّتَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَهُدࣰى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِینَ (١٠٢) }[سُورَةُ النَّحۡلِ: ١٠١-١٠٢]
هاتان الآيتان من أوضح وأجلى ما يستدل به على التبديل في التنزيل؛ فقوله تعالى: ﴿بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ يدل على أن آية تأتي مكان آية سابقة، ثم يبين أن ذلك كله من عند الله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾، وهذا يوافق تمامًا مع معنى النسخ، وكذلك ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ ﴾ يبين أن الآية التي جاءت مكان الآية السابقة هي تنزيل من الله تعالى، وليست من عند النبي (ص) أو من اجتهاده. فتصبح دلالة السياق:
﴿بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ / ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ / ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾، وهذا من أقوى القرائن على أن المقصود تبديل إلهي في التشريع والتنزيل لا محالة.
منكرو النسخ في العصر الحديث
ظهر في العصر الحديث اتجاه ينكر وقوع النسخ داخل القرآن، ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الآيات التي استدل بها القائلون بالنسخ يمكن حملها على معان أخرى، كنسخ الشرائع السابقة، أو تبديل الآيات والمعجزات السابقة. غير أن هذه التأويلات لا تخلو من تكلف، ولا سيما حين تصرف دلالة النصوص عن ظواهرها وتحملها على معان لا يساعد عليها سياقها ولا ظاهر ألفاظها.
إن من ينكر وقوع النسخ في القرآن قد يتكلف أحيانا في حمل ألفاظ مثل «النسخ» و«التبديل» و«المحو» و«الآية» على معان بعيدة عن ظواهرها، خشية أن يؤدي القول بنسخ حكم قرآني بحكم قرآني آخر إلى التوسع في دعوى النسخ، بحيث يحمل الاختلاف الظاهري بين الآيات على النسخ من غير قرينة كافية.
وفي المقابل، نجد أن بعض القائلين بوقوع النسخ قد توسعوا في إثباته حتى أوصلوا عدد الآيات المنسوخة إلى نحو خمسمئة آية. وهذا التفاوت الكبير بين الاتجاهين يكشف أن تحديد موارد النسخ يحتاج إلى قدر كبير من الاحتياط والتحقيق.
وقد انقسم الموقف من النسخ بين طرفين متقابلين: طرف فرّط في إثباته، حتى أنكر وقوعه في القرآن، وحمل الآيات الدالة عليه على معان بعيدة عن ظاهرها؛ وطرف آخر أفرط في دعواه، فتوسع في إثبات النسخ، وعدّ آيات كثيرة منسوخة بسبب وجود اختلاف ظاهري بينها وبين آيات أخرى.
والمنهج الصحيح يقتضي الوقوف بين هذين الطرفين؛ فلا يصح إنكار أصل النسخ الثابت بالقرآن، كما لا يصح التوسع في دعواه من غير قرينة معتبرة، بل ينبغي الاقتصار في إثباته على الموارد التي يدل فيها السياق والقرائن على رفع حكم سابق بحكم لاحق.
النسخ واقع في القرآن
وقد ذكرنا أن الأصح أن موارد النسخ في القرآن قليلة جدا، ولا تتجاوز عدد أصابع اليد، فلا يصح التوسع في دعوى النسخ، وإدخال كل اختلاف بين الآيات في هذا الباب. وسنذكر فيما يأتي نماذج واضحة يمكن عدها من موارد النسخ:
النسخ الاول:
وهما الآيتان السابقتان في أحكام الصوم، وهما من أوضح موارد النسخ ؛ فقد دلت آية 184 على التخيير في مرحلة أولى، حيث قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) ، ثم جاءت الآية التالية لتقرر الإلزام بالصيام على من شهد الشهر، فقال تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ …﴾، فانتقل الحكم من التخيير في بعض الحالات إلى الإلزام، وبقيت الآية الأولى متلوة في القرآن ققط. وهذا من أوضح أمثلة النسخ التشريعي في القرآن.
ويؤيده ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: شهر رمضان نسخ كل صوم. وسائل الشيعة ٢ / ١٧٥.
النسخ الثاني:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: 12].
ثم قال تعالى بعدها مباشرة: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 13].
ويظهر النسخ هنا بوضوح؛ فالآية الأولى أوجبت تقديم الصدقة قبل النجوى، ثم جاءت الآية الثانية فرفعت هذا الوجوب، وأباحت المناجاة من غير تقديم صدقة.
النسخ الثالث:
قال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: 15].
ثم جاء الحكم في سورة النور: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾. والفاحشة أعم من الزنا من جهة اللغة، إلا أنها قد يراد بها الزنا خصوصا إذا دل السياق على ذلك، كما هو الحال في موردنا.
والنتيجة أن الحكم الأول لم يأت بوصفه حكما نهائيا، وإنما علّق استمراره على أن يجعل الله لهن سبيلا، ثم جاء الحكم اللاحق فغيّر الحكم السابق.
وبعد هذه الآيات الثلاث تتردد آية السيف كثيرا في كتب الناسخ والمنسوخ، ومن اسمها يتبادر إلى الذهن أن السيف إنما هو للقتال وإزهاق الأرواح، ولذلك ذهب بعضهم إلى أن آيات العفو والصفح والصبر والتسامح والألفة الإنسانية قد نسختها آية السيف، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 5].
وهذه الآية من أشهر الآيات التي قيل بنسخها لعدد كبير من الآيات، بل بالغ بعضهم في توسيع دائرة النسخ، حتى قيل إنها نسخت نحو مئة وأربع عشرة آية من آيات العفو والصفح والصبر والتسامح وغيرها. غير أن هذا القول لا يصح، بل إن آية السيف ليست ناسخة ولا منسوخة، وإنما هي آية لها سياقها وموضوعها الخاص، ولا يصح جعلها ناسخة لآيات العفو والصفح والتسامح وغيرها.
النتيجة النهائية
النسخ ثابت عقلا وواقعا، ولكن يبقى السؤال: لماذا وقع النسخ؟
والجواب يتوقف على أمرين مهمين:
الأول: أن الناسخ لا بد أن يكون ناظرا إلى المنسوخ، بحيث توجد بينهما علاقة سياقية تدل على النسخ، سواء كان ذلك في سياق متصل، بأن ترد الآيتان في سياق واحد، أم في سياق منفصل، بأن تقوم قرينة واضحة على ارتباط الحكمين بعضهما ببعض. فلا يصح إثبات النسخ مع انعدام السياق أو القرينة الدالة على رفع الحكم السابق.
الثاني: أن النسخ يمثل مرحلة من مراحل التدرج في التشريع، وهو أمر عقلائي تقتضيه طبيعة التشريع وإدارة شؤون المجتمعات. فإن من يريد طرح مشروع متكامل على الناس لا يقدمه لهم دفعة واحدة، وإنما ينتقل بهم إليه بصورة تدريجية، بحسب استعدادهم والظروف المحيطة بهم.
والمثال التقريبي على ذلك أن بناء الدولة المدنية وإرساء نظام قانوني متكامل قد يقتضي الانتقال من حكم إلى حكم، ومن مرحلة إلى مرحلة، حتى تتهيأ الأمة لتحمل القانون في صورته النهائية. وعلى هذا الأساس، لا يكون النسخ منافيا للحكمة التشريعية، وإنما يمكن أن يكون مظهرا من مظاهرها، حين تقتضي الحكمة الانتقال بالناس من حكم إلى آخر بصورة تدريجية.



